/
/
/
/

بدأ العام الجديد بالنسبة للعراق وإيران ومنطقة الخليج والشرق الأوسط بإنذار حرب أمريكية جديدة. وفي الوقت الذي تبادلت فيه الولايات المتحدة وإيران الوعيد والتهديد بالثأر للضحايا، ادانت قوى اليسار والسلام في العالم السعي الى حرب جديدة، ودعت الى السلام. ومرة أخرى منذ 40 عاما، أي منذ اندلاع الحرب العراقية – الايرانية، يعود الى الواجهة التباين في المواقف ادانة سياسات الحرب والعدوان الامريكية من جهة، والموقف من نضال الشعوب في بلدان المنطقة في سبيل الديمقراطية ودولة المؤسسات وحقوق الانسان من جهة اخرى.

لقد كانت تجربة المعارضة العراقية، خصوصا القوى اليسارية والديمقراطية، غنية بقدر تعلق الامر برفع شعارها العتيد " لا للحرب لا للدكتاتورية، نعم للبديل الديمقراطي "، في مواجهة الحرب العراقية الايرانية، وحرب الخليج عام 1991، وحرب غزو العراق عام 2003. وخاضت هذه القوى حوارات ونقاشات اتسم بعضها بالتقاطع والتضاد، خصوصا مع بعض قوى اليسار التي كانت تتعامل مع الصراع في المنطقة بمنطق احادي الجانب يركز على رفض الحرب الامبريالية، وهو مصيب في ذلك، لكنه يغض النظر عن ابداء موقف واضح وصريح ازاء الطبيعة الدكتاتورية لنظام صدام حسين. وبالتالي تتخلى هذه الاقلية من معسكر اليسار عن مهمة التضامن مع الشعب العراقي وقواه الحية، التي كانت تناضل في ظروف صعبة بحجة ان الربط بين رفض الحرب وادانة الدكتاتورية يُضعف المطالبة بمواجهة الحرب. في حين شددت قوى السلام والتقدم في العراق على ان التناول الاحادي الجانب للصراع يؤدي عمليا الى كوارث تعمق من ازمة البلاد وتوصلها الى طريق مسدود. وان من الضروري تفكيك عوامل الأزمة والتعامل معها بترابطها، انطلاقا من مصلحة الشعب، وبعيدا عن اي جمود فكري او عقائدي.

وفي الجانب الآخر كانت اغلبية القوى القومية والاسلامية المعارضة تعول على امكانية اسقاط النظام عبر الحروب الخارجية والحصار، وتناست هذه القوى طبيعة القوى العالمية المهيمنة وطبيعة اولوياتها. وقد بيّنت تجربة العراق، منذ اسقاط الدكتاتورية حتى اليوم ان البلدان المهيمنة لم تساعد شعبنا على بناء بديله الوطني الديمقراطي، بل قادته الى مضاعفة الخراب الموروث من الدكتاتورية المنهارة، والى التشظي الطائفي -الاثني ونظام المحاصصة السياسية والفساد.

واليوم تعكس النقاشات الدائرة في شأن مخاطر حرب جديدة في المنطقة، ان هذا البعض من قوى اليسار العالمي، وبعض المجموعات اليسارية في المنطقة، وعدداً من الناشطين اليساريين، لم يستفيدوا من دروس الحروب الماضية، ولم يعاينوا واقع التجربة العملية الذي ينتمي الى التاريخ القريب.

ان هؤلاء ينطلقون من منطق خاطئ مبني على مقولة "عدو عدوي صديقي". ويتجنبون الرؤية القائلة بإمكان دعم الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحقوق الديمقراطية، وفي الوقت نفسه رفض الحرب العدوانية التي قد تشنها الولايات المتحدة ضد هذا البلد او ذاك، والتي تنتهك القانون الدولي. كذلك لايتعارض دعم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المعنية مع التضامن مع حشود المحتجين، الذين يناضلون في ظروف صعبة، وبواجهون القتل والتغييب والتعذيب والملاحقة.

وليس هناك ما يمنع المحاججة بوضوح ضد سياسات تغيير الانظمة من قبل "الغرب" دون تجاهل طبيعة الأنظمة المستهدفة. فسياسة التدخل العسكري وتغيير الانظمة التي يمارسها الغرب هي صورة واضحة لسياسة الكيل بمكيالي المنافقة، فالغرب ضد ايران وداعش، ولكنه حليف للسعودية وبلدان الخليج، التي لا يمكن وصفها بالدول الديمقراطية التي تحترم حقوق الانسان. ان هذا النفاق السياسي هو صورة لسياسة المصالح العارية المرتبطة بطبيعة النظام الراسمالي، وفي الوقت نفسه هي سياسة فاشلة بسبب المثل والقيم التي يدعيها هذا النظام. وكما كتب إريك هوبسباوم،: لاتوجد اختصارات في التاريخ".

ان تجربة العراق وأفغانستان، ثم خصوصاً ليبيا، خصوصاً تشير الى ان وضع البلاد بعد التدخل العسكري الغربي، أسوأ مما كان عليه قبل الغزو. فالعنف منتشر والفقر يتصاعد. وكراهية الغرب في المنطقة العربية وما يرتبط بها من خطر توظيف قوى الارهاب لها اصبحت مضاعفات. وأدت هذه الحروب الى تفريخ ملايين اللاجئين الى اوربا وبلدان العالم الاخرى، أكثر من تلك التي سببتها الحرب العالمية الثانية.

لقد نجح اليمين الشعبوي المتطرف في توظيف هذا الواقع لطرح نفسه كبديل للنظام الرأسمالي التقليدي، ارتباطا بازمة اليسار التي تعمقت منذ تفكك النظام الاشتراكي. واذا ما علمنا ان الولايات المتحدة قد انفقت 6,4 مليار دولار على الحرب على الارهاب، فبالامكان تصور التنمية الاقتصادية، لو ان هذه المبالغ الفلكية استثمرت لاغراض تطوير الانتاج السلمي. هذا ناهيك عن الخسائر البشرية والمادية التي سببتها العمليات العسكرية. ولا تفوتنا هنا الاشارة الى ان هذه الحروب ادت الى تماسك انظمة غير ديمقراطية عالميا وإقليميا، تعتبر نفسها النقيض "النوعي" للغرب.

ان باستطاعة قوى السلام ان تقول ان الحرب تجلب دوما الخراب، دون ان تكون لها مشتركات مع انظمة البلدان المستهدفة، ودون ان تعطي ظهرها للتضامن مع قوى السلام والتقدم، اي القوى البديلة في هذه البلدان، ودون ان تصف هذه المعارضة لانظمة بلدانها بانها دمية لمراكز الحرب الامبريالية، وبالتالي تضمن لنفسها عدم الوقوع في شباك انظمة غير ديمقراطية تحت يافطة العداء للامبريالية.

ولا نأتي بجديد اذا قلنا ان الولايات المتحدة تعززمواقع هيمنتها في العالم عبر صناعة وديمومة الصراعات من بحر الصين الجنوبي مرورا بشرق اوربا، وصولا الى المنطقة العربية. ان هذه السياسة لاعلاقة لها بمصالح شعوب العالم، بما فيها الشعب الامريكي، وبالمقابل فان الكثير من الانظمة الاستبدادية توظف هكذا صراعات لابعاد شعوبها عن الاهتمام باسئلة الديمقراطية وحقوق الانسان، وتجعلهم يدورون في فلك المصالح القومية والامجاد التاريخية، ولا يغير من هذه الحقيقة تبدل الغطاء الأيديولوجي من توتر الى آخر، وانتقال اخطار الحرب المباشرة من بلد الى آخر.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل