/
/
/
/

انشـأت المحكمة الاتحادية العليا بموجب القانون رقم 30 لسنة 2005، الذي نصت المادة (1) منه على الآتي: "...تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا ويكون مقرها في بغداد تمارس اعمالها بشكل مستقل ولا سلطان عليها لغير القانون ) . ومن ذلك يبدو جليا حرص المشرع على مبدأ الاستقلالية الذي يجب أن تتمتع به المؤسسة القضائية هذه. وقد  تعزز هذا المبدأ في ما بعد بحكم المادة 92 من الدستور التي نصت على ان "المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا". ومعلوم بالطبع  ان القانون المؤسس للمحكمة يستند في تشريعه الى الفقرة (هـ ) من المادة الرابعة والاربعين من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ، اي الدستور الذي كان نافذا حينئذ.

تنص المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا على ان "تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية اعضاء يجري تعيينهم من قبل مجلس الرئاسة، بناء على ترشيح من مجلس القضاء الاعلى بالتشاور مع المجالس القضائية للاقاليم". وهذا النص تضمن ثلاثة مواضيع  : الاول: عدد اعضاء المحكمة. الثاني: تعيين رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية من قبل مجلس الرئاسة، والذي تم حصره برئيس الجمهورية بعد انتهاء صلاحية مجلس الرئاسة. اما الموضوع الثالث الذي تضمنته هذه المادة فيتعلق بآلية ترشيح الرئيس والاعضاء، فقد تمت اناطته بمجلس القضاء الاعلى بعد التشاور مع المجالس القضائية للاقاليم. اي ان مجلس القضاء الاعلى هو الذي يرشح القضاة ليكونوا اعضاء في المحكمة الاتحادية العليا.

تم الطعن بعدم دستورية النص المتعلق بآلية ترشيح مجلس القضاء الاعلى للقضاة لعضوية المحكمة الاتحادية العليا، الوارد ضمن احكام المادة 3 من القانون المشار اليها اعلاه، على اعتبار ان النص المذكور ينال من استقلال المحكمة اولا، ويجعل للغير سلطانا عليها خلافا للقانون ثانيا. فأصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكما يتضمن عدم دستورية النص المذكور لمخالفته نص المادة 91 \ ثانيا والمادة 92 من الدستور، وذلك بموجب الحكم الصادر بالعدد 38 \ اتحادية \ 2019 في 21\ 5 \ 2019 واشعار مجلس النواب باصدار نص جديد يحل محل النص المحكوم بعدم دستوريته. هذا فضلا عن الحكم سابقا بعدم دستورية النص المماثل الوارد في قانون مجلس القضاء الاعلى، في حكمها المرقم 19 \ اتحادية \ 2017 .

مما تقدم يتضح ان ولاية مجلس القضاء الاعلى على ترشيح القضاة كأعضاء في المحكمة الاتحادية العليا، عدت عملا مخالفا للدستور لانه يمس استقلالية المحكمة اولا، ويجعل للغير سلطانا عليها ثانيا. كما ان هذا الحكم قضى بإلزام مجلس النواب بتشريع نص بديل، يشترط فيه عدم المساس باستقلالية المحكمة اولا، وأن لا يجعل للغير سلطانا عليها ايضا.

 في عام 2014  رشح مجلس القضاء الاعلى  القاضي محمد رجب لعضوية المحكمة  الاتحادية العليا ( عضوا احتياطيا )، وكان ذلك قبل الحكم بعدم الدستورية المشار اليه اعلاه. وصدر المرسوم الجمهوري بذلك، فكان له ما للعضو الاصيل من واجبات وحقوق. واثناء هذه الفترة أحيل على التقاعد واستمر في عضوية المحكمة الاتحادية العليا ، وحيث انه مستوف للشروط القانونية لعضوية المحكمة ومستوف لشروط الترشيح في حينه، فقد طلبت المحكمة الاتحادية العليا من رئيس الجمهورية وحسب صلاحيته ان يعينه اصيلا بدل من العضو الاصيل المحال على التقاعد القاضي فاروق السامي. وصدر المرسوم الجمهوري فعلا. ما يعني ان المحكمة الاتحادية العليا مكتملة النصاب على وفق احكام القانون .

ان المحكمة الاتحادية العليا باقية وبحماية النص الدستوري الوارد في حكم المادة 130 منه، التي تقول: "تبقى التشريعات النافذة معمولا بها، ما لم تلغ او تعدل، وفقا لاحكام هذا الدستور". وحيث ان قانونها ساري المفعول ولم يلغ، فانه (قانونها) يعد تحت الحماية الدستورية، ولا يمكن ايقاف العمل به الا وفقا لاحكام الدستور.

علما انه اذا تم ايقاف عمل المحكمة الاتحادية العليا لأي سبب من الاسباب، فيجب ان نأخذ بنظر الاعتبار الآثار المترتبة على هذا الايقاف وتداعياته بالنسبة للنشاطات العامة للدولة وسلطاتها واجهزتها المختلفة، وكما يلي :

1 – عدم اجراء انتخابات مبكرة، لكون نتائج الانتخابات تتطلب تصديق المحكمة الاتحادية العليا، وبالنتيجة يعني هذا بعثرة جهود الثورة وقواها الشبابية، والحيلولة دون وصولها الى اهدافها، وهدر التضحيات الجسيمة التي قدمت في مجرى المطالبة بتلك الاهداف .

2 – ان ايقاف نشاط المحكمة يعني بقاء المنظومة السياسية الحالية حتى آخر يوم في دورتها الانتخابية، اي بقاء الحكومة المستقيلة متحكمة بمصير الشعب العراقي، وبقاء مجلس النواب بكامل نشاطاته ونفقاته الى آخر يوم من السنوات الاربع. وبذلك يُنظر الى ايقاف عمل المحكمة كأنه موجه ضد نشاط ساحات الاحتجاج بالذات وضد الاهداف المعلنة من قبل الثورة .

3 – ايقاف عمل القضاء الاتحادي في النظر في الدعاوى المتعلقة بعدم دستورية القوانين المخالفة لاحكام الدستور، وهذا يعني استمرار العمل بالقوانين المخالفة للدستور .

4 – ايقاف العمل بتفسير النصوص الدستورية التي يشوبها اللبس او الغموض، وهذا يعني  بقاء تلك النصوص موضع التطبيق، رغم كونها مدعاة لاختلاف الآراء وربما لاختلاف التطبيقات القضائية من قبل المحاكم .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل