/
/
/
/

تأثرت الحركات الوطنية الاحتجاجية في العراق ابتداء من ثورة العشرين في القرن الماضي وحتى الان، بها، تأثرا بالغا مثل سائر حركات شعوب العالم بالاحداث التي تعصف بالشعوب ومثلما تأثرت حركتنا الوطنية بالتطورات العالمية والعربية فأنه من الطبيعي ان تؤثر هذه الانتفاضة الشعبية مع تعاظم نضال شعوب المنطقة من اجل تصفية الاستعمار ولتغيير الحكام المتغطرسين وتحرير ثرواتها الهائلة.
والقسم الآخر تأثر بالحرب العالمية الثانية والانتصارات الكبيرة الثي حققها المعسكر الاشتراكي على الفاشية والنازية.
وكانت هذه حوافز مباشرة ثورية لمطالبة شعبنا العراقي بالحصول على استقلاله عن الاحتلال البريطاني، الذي نكث وعوده عندما اعلن بانه جاء محررا لا فاتحا. فاندلعت ثورة العشرين الحدث الكبير، وبعدها وثبة كانون (1948). هذا الحدث العظيم والانجازالكبير للجماهير العراقية المنتفضة يرتبط ارتباطا وثيقا بحركة تاريخية وتطورات داخلية وخارجية، اندلعت في العاصمة بغداد، فتحرك عشرات الالوف من الشباب الواعي والمثقفين مع تنامي الوعي الوطني والطبقي، وسرعان ما انتشر غليانها الى المدن والأقضية والنواحي وتميزت باشتراك طبقات وفئات اجتماعية واسعة شملت البلاد باسرها ، ضد المحتل البريطاني والكتلة المهيمنة على القرار السياسي الذي كبل العراق بمعاهدات ومواثيق جائرة.
حينها لم يستطع الشعب العراقي ان يرضى بالتهميش والاقصاء والضيم الكبير الذي لحق بالعراقيين، مما دفع بالملايين من عامة الناس الى الشارع وتعبئة الجماهير الغاضبة مع طبقات وفئات اجتماعية واسعة شملت طلاب المعاهد العالية والكليات، التي فجرت واشعلت شرارة الوثبة مع النضال المتفاني للعمال والفلاحين والتجار والكسبة والمثقفين بتوجيه وقيادة الاحزاب والمنظمات الوطنية، فحققت آن ذاك ما كانت تصبو اليه لتحقيق أهدافها رغم قساوة الوضع الامني وسيطرة الاحتلال
فهي اذن لم تكن حدثا عاديا عابرا في تاريخ العراق النضالي والسياسي. انها في الواقع انتفاضة سياسية شعبية واسعة شملت مدن العراق بمجملها، وتطورت وتبلورت خلال نضالها المستمر بالغاء المعاهدات الجائرة واقامة حكومة مدنية يرتضيها الشعب ويقبل بها، وتقديم المسؤولين الفاسدين الى العدلة لينالوا جزاءهم العادل عن جرائمهم. كذلك المطالبة بحل مجلس النواب واجراء انتخابات ديمقراطية واطلاق الحريات الديمقراطية واولها حرية التعبير وحرية الحياة الحزبية واطلاق سراح السجناء السياسيين. بالاضافة الى ان سوء الاوضاع الاقتصادية وتردي الخدمات وجيوش العاطلين عن العمل ونسبة الفقر بين ابناء الشعب قد وصلت الى حد لا يطاق.
كل هذه العوامل دفعتها الى شن نضالات عديدة ومتواصلة من اجل مطالبها اليومية الملحة,, مع ارتفاع اسعار المواد الغذائية الرئيسية. ولم يكن باستطاعة كثير من شرائح المجتمع العراقي ولا سيما الفئات الفقيرة ان تحصل على قوت يومها، بالاضافة الى تدهور الاوضاع الامنية كجزء من الصورة السائدة في عموم البلاد، اضافة الى التضييق التدريجي على الحريات وانتهاك الحقوق المدنية عبر تحريك ماكنة القمع والقتل والتصدي الاهوج للمتظاهرين السلميين.
وبالمقابل رغم قساوة الظرف الامني وعمليات القنص والقمع واستخدام الرصاص الحي الا ان الشباب اندفعوا الى كسر حاجز الخوف والتردد (والخروج بصدور عارية في مواجهة سلوك وتعامل الاجهزة الامنية مع الشباب المتظاهر السلمي الاعزل).
فكانت مطالبهم الاولى هي توفير الخدمات الضرورية وايجاد فرص عمل وترسيخ القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولما لم تستجب السلطة القابعة على كراسيها لمطالب الشعب الملحة، وادارت ظهرها الى اصوات الجماهير، ظلت الجماهير مستمرة في تظاهراتها واحتجاجاتها رغم قساوة الظروف ومعاداة السلطة الحاكمة. فالجماهير لم تيأس ولم تكل حتى أجبرت الوزارة على الاستقالة.
ان وثبة كانون الثاني صفحة مشرفة في تاريخ العراق وعلامة مضيئة بارزة في مسيرة الشعب العراقي ودليل قاطع على ما تتمتع به الجماهير المطالبة بالعدالة الاجتماعية من صفات ثورية اصيلة (وتعلق كبير وشديد بالمفاهيم والافكار الديمقراطية والتقدمية) وسعي الى انقاذ البلاد من المحنة التي دفعتها اليها السياسات الخاطئة والممارسات الفاشلة والاصرار عليها رغم كل ما جرى ويجري على مرأى ومسمع السلطة الفاشلة القائمة على المحاصصة الطائفية والانفراد بالقرار السياسي.
ونحن نعيش هذه الايام انتفاضة الجماهير العراقية التشرينية السلمية المستمرة بمشاركة مختلف شرائح المجتمع العراقي التي قدمت مئات الشهداء والجرحى ثمنا لنضالها ضد غطرسة الحكام المتسلطين، الذين لم يذعنوا حتى الان الى صوت العدالة والحق الجماهيري المنتفض.
ان ارواح شهداء انتفاضة كانون قبل 72 سنة وارواح شهداء الانتفاضة التشرينية الآن لم تذهب سدى رغم جسامتها، فلقد سطرت دماء الشباب دروسا لا تنسى وروّت تراب الوطن بالاخلاص والانتماء الوطني وها هي الجماهير المنتفضة من مختلف فئات الشعب وبكافة قومياته واديانه، تعيد لنا جذوة انتفاضة وثبة كانون الثاني(1948) وتعيد الى الاذهان ان الشعوب لا يمكن ان تقبل بالضيم والهوان والتهميش من جانب حكامها المتغطرسين. وما ضاع حق وراءه مُطالب.
نعم ان وثبة كانون صفحة مشرفة في تاريخ العراق وعلامة بارزة في مسيرة الثورة السلمية الظافرة ... وان الثورة التشرينية ماهي الا الامتداد الفكري والنضالي الشريف لثورة العشرين العظيمة والا دليل قاطع على ما يتمتع به شبابنا العراقي الواعي من صفات ثورية اصيلة وهو يطالب بحقوقه المشروعة التي كفلها الدستور. وتظل ثورة الشباب مستمرة ولحنا تعزفه الاجيال جيلاً بعد جيل حتى تتحقق اهدافها السامية في احداث تغيير شامل في المنظومة السياسية القائمة التي افرزتها المحاصصة الطائفية المقيتة بمباركة من الاحتلال الامريكي واستبدالها بالدولة المدنية الديمقراطية تحت خيمة العراق الموحد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل