/
/
/
/

منذ 2003 حتى اليوم وشعبنا محروم بدرجة كبيرة من الماء النقي الصالح للشرب والذي أصبح عبئا ماليا اضافيا على الأسر العراقية الى جانب حرمانه من الكهرباء المستمرة، على الرغم من إنفاق مليارات الدولارات على هذا القطاع وبدون أي نتيجة. وشكل هذا ايضا عبئا ماليا اضافيا على العائلة العراقية في ظل انعدام الرقابة الحكومية على اصحاب المولدات الأهلية، اضافة الى معاناة الشباب واصحاب الشهادات العليا من البطالة حيث فرص العمل متوفرة حصرا لأبناء المسؤولين واقاربهم بغض النظر عن توفر الشهادة والخبرة وشروط التعيين.
وقد شهدت الفترة من 2003 حتى اليوم تعيين ابناء المسؤولين واقاربهم في عدد كبير من السفارات والقنصليات العراقية في الخارج اضافة الى الوزارات في الداخل. وقام أحد المسؤولين بتعيين ابنته وزوجها اللذين يحملان الجنسية البريطانية ويعيشان في بريطانيا بصفة دبلوماسيين في سفارة العراق بلندن، كما عين المسؤول نفسه 30 من اقاربه في سفارات العراق في الخارج. كما تم تعيين ابناء مسؤولين آخرين في السفارات العراقية في لندن وكندا وايطاليا والفاتيكان وفي بعض الدول العربية. ومن الضروري اليوم تقييم مؤسسات الدولة في الداخل والخارج وتدقيق التعيينات فيها التي ينبغي ان تكون على اساس الشهادة والخبرة وتوفر ضوابط التعيين وان تراعى العدالة الاجتماعية في التعيينات , لا ان تكون التعيينات على اساس المحسوبية والمنسوبية والانتماء الحزبي ودرجة القرابة من المسؤولين . وينبغي على مجلس النواب فتح ملف التعيينات المذكورة لكن هل يستطيع ذلك؟ اشك في ذلك ... وبسبب معاناة الشباب والخريجين من البطالة فقد اضطر الكثير منهم الى الهجرة خارج العراق بحثا عن فرص عمل تليق بهم حيث تلقفتهم الدول الأخرى التي لم تنفق شيئا على تعليمهم. وعلى سبيل المثال فإن الأطباء العراقيين في السويد يشكلون حسب الاحصاءات حوالي 2 في المائة من اجمالي العاملين في المجال الطبي السويدي.
لم ير شبابنا في ظل النظام السياسي القائم على نهج المحاصصة والطائفية والفساد آفاقاً لمستقبل قريب يكون في مصلحة الشعب، في ظل النخب الحزبية المتنفذة المسيطرة على المال العام من خلال قوانين انتخابية مفصلة على مقاساتهم ومواد دستورية غير قابلة للتغيير من اجل البقاء والتشبث بالسلطة والحصول على مغانمها. افليس من حق الشعب الانتفاض على السلطة وسوء ادارتها وفسادها؟
ومن مظاهر فساد السلطة ومؤسساتها ما تذكره التقارير من ان المخصص للمشاريع الاستثمارية في موازنة العراق الاتحادية للفترة من 1/1/2019 حتى 30/9/2019 بلغ (33) تريليون دينار وقد أنفق منها (9) تريليونات دينار. فأين ذهبت الأموال المتبقية البالغة (24) تريليون دينار ولم ينفذ بها أي مشروع استثماري ؟ وإزاء ذلك أفلا يحق للشباب وشرائح المجتمع الاخرى ان تنتفض؟
لقد انتشر الفساد الكبير في كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية بشكل لم يكن له مثيل في أي دولة من دول العالم، حيث احتل العراق المراتب الاولى بين دول العالم الأكثر فسادا حسب منظمة الشفافية الدولية، مع وجود موازنات انفجارية دون ان تقدم الحكومات المتعاقبة منذ 2003 حتى اليوم اية خدمات او انجازات في كافة المجالات. ومن جهة اخرى تشير تقارير الامم المتحدة ووزارة التخطيط العراقية الى ان من يعيش تحت خط الفقر في العراق يصل الى حوالي 30في المائة من الشعب، مما دفع الناس الى ارسال اولادهم الى الشارع للتسول لكسب عيشهم وعدم الالتحاق بالمدارس على الرغم من كون التعليم في العراق الزامياً في المرحلة الابتدائية. كما تشير الأرقام الى ان 45في المائة من الموازنة الاتحادية تذهب الى صرفيات الرئاسات الثلاثة وبذخها، فمن اين تأتي الخدمات وتوفير فرص العمل للعاطلين في ظل هذه الأوضاع وسوء الادارة والاقتصاد الريعي؟ الا يحق لأبناء الشعب المحروم الانتفاض ضد الظلم والفساد وسوء الادارة؟
هذه العوامل وغيرها ادت في الأول من اكتوبر 2019 الى هبة جماهيرية في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب سرعان ما تحولت الى انتفاضة شعبية يمكن اعتبارها حركة شعبية واسعة لمقاومة الظلم والفساد وسوء الادارة. والانتفاضة هي تحرك ثوري ناجم عن اختلال التوازن مع قوة متسلطة، وهي تتراوح في طبيعتها التنظيمية بين الفعل العفوي الذي ينشأ نتيجة افتقاد الأطر التنظيمية الفاعلة والقادرة، والفعل المنظم الذي يرى في الفعل الجماعي وسيلة ضغط ناجعة. فكانت انتفاضة اكتوبر عفوية لحظة انطلاقتها.
كما تعتبر الانتفاضة الشعبية شكلا من اشكال النضال وقد اتخذت الطابع السلمي واخذت تمارس ضغطا على الجهات المسؤولة من اجل حل المشاكل القائمة، وكانت اولى ثمارها تقديم الحكومة استقالتها. وتشير الانتفاضة الشعبية الى ظهورها من رحم المجتمع دون هوية معينة وهي تعبر عن معاناة المنتفضين وقد اعتبرها المتنفذون تهديدا لمصالحهم لذلك واجهوها بالقوة المفرطة التي ادت الى قتل أكثر من 500 متظاهر سلمي وجرح واصابة أكثر من 25 ألفا من المتظاهرين السلميين، الذين تدعي السلطة انها لا تعرف من قتلهم.
ولذلك وحتى يتوفر القوت والماء الصالح للشرب والكهرباء وحتى تتوفر فرص العمل والعدالة الاجتماعية وحتى نقضي على الفساد وعلى نهج المحاصصة والطائفية وان يكون للعراق قراره المستقل بعيدا عن تأثيرات دول الجوار والدول الاخرى وحتى يتم تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي واقامة الدولة المدنية الديمقراطية، لا بد من مواصلة الانتفاضة وتفكيك ما هو قائم ووضع البديل محله وتوفير رؤية برنامجية للانتفاضة مع اعتماد التنظيم والتنسيق وتوحيد المواقف.
ولتتواصل الانتفاضة ونعمل على تعميقها وتطوير شكلها وعملها وتشخيص اولوياتها وتوسيع قاعدتها وتحقيق اهدافها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل