/
/
/
/

انفجرت انتفاضة تشرين كرد فعل جماهيري طبيعي على ما وصل اليه الوضع في العراق من تدهور في جميع مناحي الحياة الى الحد الذي أطلقت المؤسسات الدولية على العراق لقب الدولة الفاشلة والذي ارجعت هذا الفشل الى عدة اسباب جوهرية على راسها الدستور العراقي الحالي الذي ضحى بالمواطنة والمدنية العراقية لصالح الاثنية والطائفية والمناطقية والعشائرية وذلك باستعماله مصطلح المكونات والكيانات والمعتقدات. ومن هنا ظهرت الاعراض المرضية لهذا الدستور الملغوم والتي تجلت في:

 قانون الاحزاب وقانون المفوضية المستقلة للانتخابات والنظام الانتخابي.

وقد فصلت هذه القوانين الثلاثة على مقاسات الطائفية والمناطقية والاثنية وعلى مقاسات مالكي المال الفاسد والادارة الفاسدة وثقافة الرشوة وشراء الذمم والمحاصصة الطائفية والولاءات الخارجية لدول الجوار مستفيدين من حالة تدني الوعي الاجتماعي المريع الذي اصاب المجتمع العراقي خلال العقود الخمسة الماضية.

 ومن اجل ازالة هذه الامراض القاتلة من جسم المجتمع العراقي والسعي لبناء دولة المواطنة والتحضر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية قامت الانتفاضة. وهي الان سائرة بكل همة وجدية لتحقيق اهدفها رغم التضحيات الهائلة والجسيمة التي قدمها المنتفضون السلميون والتي قدرت حسب المصادر الرسمية بمئات الشهداء والاف الجرحى والاف المفقودين والمعوقين وشملت اغلب مناطق العراق.

 الا اننا فوجئنا بأزلام سلطة الفساد يحاولون الالتفاف على شعار المنتفضين الداعين الى (نريد وطنا)، بعدما فشلوا وسقطوا سياسيا واجتماعيا وفكريا، بمحاولة تشريع قانون جديد للانتخابات الغرض منه نسف وابتلاع كل نضال الجماهير المنتفضة والمتضررة من هذا النظام وذلك عن طريق تشريع نظام للانتخابات يعتمد على تعدد الدوائر الانتخابية في عموم البلاد. اي انشاء برلمان مبعثر جغرافيا، بدلا من برلمان وطني. هذا البرلمان المقترح تسيره الطائفية والمحاصصة والعشائرية واصحاب المال الفاسد كي يعودوا مرة اخرى الى سدة الحكم.

 ايها القارئ الكريم .. انت تعلم ان العراق مر بكوارث وحروب ودكتاتورية وفساد لأكثر من خمسين سنة انخفض فيه الوعي وتمزقت فيه الوحدة الوطنية وقمعت تطلعاته الديمقراطية والحضارية والحداثوية وابتلي بمرض الطائفية والاثنية والعشائرية ناهيك عن البؤس والحرمان وانتشار الامية واضطهاد المرأة وبطالة الشباب. وهو بحاجة الى وصفة تشريعية جديدة تعالج هذه الامراض كلها وليس الى تجذيرها واعادة انتاجها بعدما تعفنت وتفسخت ونفثت رائحة كريهة تزكم الانوف.

 ان تشريع هكذا قانون سوف لا يداوي جراح الشعب العراقي بل سيزيد من آلامه ومصائبه لأنه سينتج نفس الامراض السياسية والاجتماعية والفكرية السابقة. فهو يفسح المجال مرة اخرى للإقطاعيين واصحاب العمائم وشيوخ العشائر واصحاب المال الفاسد والمسروق من قوت الشعب بالمجيء الى قاعة البرلمان مرة اخرى وينحي جانبا اصحاب الكفاءات والوطنيين الديمقراطيين واصحاب الخبرة والحداثويين والاساتذة والمبدعين من فنانين وشعراء وباحثين وانسانيي النظرة والافق. وبذلك تضيع سدى كل تضحيات ونضالات المنتفضين والشعب العراقي، وعندئذ نقول (عساك يا ابو زيد ما غزيت) كما يقول المثل.

 لذلك فان قانون اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة وبطريقة التمثيل النسبي هو البلسم الذي يداوي كل جراح هذا الشعب في هذه المرحلة بالذات. ذلك انها مرحلة عصيبة حقا وتحتاج الى حل جذري ثوري نابع من منطلق علمي مجرب، واي حل آخر لا يعدو كونه حلا ترقيعيا لا فائدة منه.

 ان لنظام الدائرة الانتخابية الواحدة والنسبية لعموم العراق مزايا عديدة لعل أبرزها:

اولا - يركز ثقافة المواطنة ويرفع من شأنها وقد (يلغي) او يقلص الانتماءات الثانوية الى حد بعيد. وهو ما يحتاجه الشعب في هذه المرحلة العصيبة.

 ثانيا - يفسح المجال للأكفاء والمتخصصين والمتنورين والديمقراطيين من الوصول الى البرلمان كي يضعوا امكانياتهم في خدمة بناء الوطن.

 ثالثا - يفسح المجال للنساء والشبيبة من الوصول الى البرلمان، وهم الشريحة المعول عليها في بناء العراق الجديد.

 رابعا - يلغي او يقلص تأثيرات المال الفاسد والرشوة الاجتماعية، والمتفشية في المجتمع العراقي الان.

 خامسا - يشحذ همم ووطنية الاقليات العريقة بالعراق ويجعلهم يشعرون بالمسؤولية اتجاه وطنهم باعتبارهم مواطنون من الدرجة الاولى ويتسابقون لخدمته عن طريق وجودهم بالبرلمان او في السلطة التنفيذية او القضائية او في القوات المسلحة. 

هنا يجب التأكيد على اعطاء حق التصويت لعراقيي الخارج من المغتربين والمهاجرين والذي اثبتت احداث الانتفاضة انهم ما زالوا ملتصقين بوطنهم الأم وغير مقصرين في دعم الانتفاضة.

 اما الرد على الاعتراض القائل ان نواب نظام الدائرة الواحدة قد لا يعرفون مشاكل ومطالب المناطق التي لا يسكنوها، فنقول لهم: هذا برلمان لكل الشعب العراقي وليس دائرة بلدية. وان هذا البرلمان سوف يعمل بموجب خطة عمل محكمة معتمدا على دراسات ميدانية لكل مناطق العراق ويعمل وفق مبدأ الاهم قبل المهم وبروح موضوعية، ويكون باب الاتصال بهم مفتوحا على مصراعيه لسماع ومعاينة كل المطالب والمقترحات بدون حرج او خوف او تردد، بسبب كونهم متحررين من المناطقية وتأثيراتها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل