/
/
/
/

مجزرة مسـاء الجمعـة، أولّ أمسِ، لم تكـن مفاجـئةً أبـداً. فقـد مَهَّـدَ لهـا، في تقـديري، نزول مجاميعَ كبيرة من أنصار أحزاب وجماعات "التَـدَيُّن السياسي" الخادع وجماعاته ، لساحة التحرير صباحَي الخميس والجمعة الفائتين. ولأنَّ هذه المجاميع "شـديدةَ التَـدَيُّن والقُربِ إلى الله تعالى!"، كما تُشـيعُ عن نفسها، فهي لم تأتِ معها ببنادق القنصِ أو الرشاشات وأدوات القتل الكاتمة للصوت، كما هي عادتُها، وإنما قِـدَمَتْ ، هذه المرة، لِـوَرَعِها وتقواها!، كما يبدو، حاملةً، في الخفاء بالطبع، (هذا نوع آخر من التقية والتقوى، تُـحْمَدُ عليه هي، ومن أشار به من قادتها عليها!)، السـكاكين والمشـارطَ والمخارزَ!
(أهي مخارزُ حياكة سـجاد صلاةِ "الوليّ الفقيه" حملَها معه سـيد القوم سـليماني لأتباعه في هذا العراق التابع، كي يسـجدوا عليها في صـلاتهم بدلَ التُربةِ المروية بنجيع دمِ أبي عبد الله الحسين وآل بيته وصحبه، وهي ما اعتاد أهلنا الشيعةُ السجودَ عليها في صلواتهم؟!).
سبقت هذا النزول "المبارَك!" تصريحاتٌ وبياناتٌ لبعض هذه الجماعات وقادتها تُـمْعِنُ في الحديث عن "مندسين في التظاهرات ، يسعون للحرق والتخريب لصالح دول خارجية!" ، كما زعمَ همام حمودي، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، يوم الخميس، داعياً إلى "تطهير ساحات التظاهـر من ذيول نتينياهو وترامب!".
(كم هي طويلة ذيول رمزيِّ القبحِ والجريمة هذَين حتى لكأنها فاقتْ ذيول "الوليِّ الفقيه" في عراقنا طولاً وعَرْضاً!!)
وفي اليوم نفسه دعا حزب الدعوة جماهيرَه وأنصارَه للمشاركة "الفاعلة!" والواسعة في التظاهرات!
وتواصِلُ دعوة هذا الحزب القولَ : "الآن الجماهيرُ المؤيدةُ للمرجعية الدينية العليا والتظاهرات السلمية زحفَت إلى ساحة التحرير وهي تصدح بالشعارات التي تدعم التغيير والتجديد ومحاربة الفساد، وتنَدِّدُ بالتخريب والمندسين!" ، وتعمل على طردهم!!
(ما هذه الصحوة المفاجئة، والرغبة المتأخرة كثيراً في التغييروالتجديد ومحاربة الفساد؟ ألستم من رعاةَ هذا الفساد وأهلَه وقاطفي ثماره الأصليين؟)
وقبل أيام من إجباره على الاستقالة أشار عادل عبد المهدي، في اجتماع لمجلس وزرائه وهو ينتقد المتظاهرين، إلى أنَّ أطرافاً أخرى ترغب في أن تنزلَ لتتظاهرَ وتُهـدد برفع راياتها أيضاً!
ولم يتوقف عبد المهدي يوما عن الحديث عن أنَّ هناك منِ آنـدسّـوا بين المتظاهرين ومن واجب "الدولة" التصـدي لهم (هل لدينا دولة حقا؟!).
طوال أيام الاحتجاج، بعد الخامس والعشرين من تشرين الأول خاصةً، ظلَّ يتسَرَّبُ إلى ساحة التحرير، بالتدريج وبصورة مُنظَّمة، مُنـدّسَّون مُلَثَّـمون بالسـواد وبأزياء تكاد تكون مُتقاربة جميعُها، وكأنَّ هذا "الزَيّ المُوحَد" إشارة تعريفٍ لقوى الأمن كي تُمَيِّزَهم عن سواهم من المحتجين الآخرين!
ويبدو لي أنَّ الدورَ الذي أوكلته مجاميعُ "الطرف الثالث" لمُـندسِّيها الملثمين هؤلاء هو استنفار حماسة بعض الفتية الصغار من المحتجين لاستفزاز قوى الأمن ومنحها مُبرِّراً ظاهرياً لممارسة العنف ضدَّ حركة التظاهر السلمي وتشويهها، وإثارة الغضب عليها، قَصْـدَ وأدها والقضاء عليها. فحيثما ظهرَ هؤلاء "الملثمون" ظهرت قنابلُ المولوتوف والحرق والتخريب. والغريب أن "المندسين الملثمين" لم يكونوا ضحايا مثل هذه المشاهد. في ليلة المجزرة الأخيرة هرع هؤلاء "المندسون" من مرآب (السنك) وساحة التحرير لاستقبال مركبات القتلة وتَلَقِّي السلاح منها والمشاركة في القتل، كي يضمنوا لهم قصراً وحورَ عينٍ في الجنة!! (إرهابيو القاعدة وداعش وغيرهما يوهمون أنفسهم بمثل هذا كذلك!)
لقد عرف تاريخ الاستبداد في العالم مثل هذا الدسِّ والاندساس. حريق الرايخستاغ ، مطلع الثلاثينيات في ألمانيا، والذي ألصقه النازيون بالشيوعيين لتشديد الحملة عليهم، أظهرت التحقيقات والدراسات التاريخية، فيما بعدُ، أنه فِـعلةٌ نازية خالصة. القنبلةُ اليدوية التي أُلقِيتْ في قاعة الجامعة المستنصرية أثناء إلقاء طارق عزيز خطبةً له هناك، وتسببت في إصابة بعض الحاضرين بجروح، لم يكن لها من دور سوى أن تكون مُبرِّرا آخر للحرب ضد إيران.
قبل خمسة أيام من مذبحة (السنك) الإرهابية وردنا، عبر ثرثراتِ أمـهات لهنّ أبناء في بعض فيالق "الطرف الثالث"، قولهنَّ عن المحتجين ما معناه : " لينتظروا أياماً، وسوف يرون ما سيحدث لهم!"
كلُّ هذا يشـير إلى أنَّ أقوامَ "الطرف الثالث!" بأحزابها وميليشياتها كانت قد حَزَمَتْ أمرَها في مواجهـةِ شارع عراقي وطني، مُتَحَضِّرٍ ومنتَفضٍ سلمياً، بشارعٍ آخـر هَمَجيٍّ، غوغائي، مسلح، مُسارِعٍ للشـر، لا أجوبةَ لديه على المطالبة بالحق غير الكراهية والقتل. ثمةَ قولٌ لأبي الحسنيين علي بن أبي طالب في أمثال هؤلاء يقول فيه : "الغوغاء إذا اجتمعوا ضَـرّوا"(نهج البلاغة). والأضرار مجتمعة على هذا العراق وأهله منذ اجتماع هذه الغوغاء عند بعضها البعض. وله قول آخر في (النهج) يدعو فيه الظلمةَ الأشرار إلى أن يعرفوا : "بأنَّ الغالبَ بالشَـرِّ مغلوب".
ما حدث في ساحة الخلاني ومرآب (السنك)، وما جرى قبل هذا في الناصرية والنجف وكربلاء وفي سوح الاحتجاج في بغداد ومدن وطني الأخرى، إنما هو مَقاتلُ عاشـورائية خالصة، لم يرتكبها أجنادُ بني أميَّةَ، ولا جندُ بني العباس في مقاتلهم للطالبيين، بل قامت بها مجاميع إرهابية "مؤمنة ومقدسة!". قامت بها بأساليب مافيات الجريمة المنظمة تماماً. وقد خطَّطَت لهذه المقتلة مجتمعةً. وأدَّتْ "صلاةَ القتل والنحرِ" في أحد المساجد طلباً للبركة، وهي في طريقها للقيام بجريمتها. ومـرَّت في العشرات من مفارز تفتيش أمنِ السلطة دون أن يسألًها أحدٌ إلى أينَ تمضي؟ (هل تَمَنَّتْ لها تلك المفارزُ أن تمضي إلى القتلِ "على بركةِ الله؟ وهل أطفأتْ لها بعض تلك المفارز أنوارَ الساحة كي تتحقق المقتلة في جنح الظلام!؟)
دعونا ننسى أسطورة "الطرف الثالث!" تماماً. فمنذ ستة عشر عاما والعراق يعيش حالةَ تقاسـم أدوار وتنسيق بين سلطة وأطراف منها. هذه الأخيرة توكَل لها أشدّ الأفعال همجية وقذارة. أطرافٌ تظلّ "مجهولة" دائماً، تعرفها السلطة وأحزابُها. العراقيون صاروا يعرفونها كذلك. تكذب السلطةُ "المؤمنة" حين تعلنُ جهلَها بمن قام بهذه المقتلة العاشورائية الأخيرة. وعبثا يطلب منها العالم أن تحققَ في الجريمة وتكشف من ارتكبها، وتقدمه للعدالة. طوال ستةَ عشر عاما وهذه السلطة تكذب وتغطِّي على فرق القتلة والخاطفين واللصوص .
وما دامت السلطةُ وأطرافها المختلفة تدَّعي الإيمانَ بالله ورسوله وآل بيته، فلا بأس أن نُذَكِّرها بقول لإمام العدل والحق علي بن أبي طالب يقول فيه : "الإيمانُ أنْ تؤثرَ الصدقَ حيث يَضُـرُّكَ على الكذب حيث ينفعُكَ"
هذه الخصال الحميدة نجدها عند المحتجين على هذه السلطة وأحزابها ، ولا نعثر عليها أبداً عندها وعند أحزابها، حتى لدى من يعتمر العمائمَ ويُسْـبِلُ اللحى من أتباعها.

 

 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل