/
/
/
/

اجتمعت القوى السياسية العراقية المتنفذة الحاكمة باحثة عن مفر. لكونها قد غدت تتلمس عن كثب نهاية وسقوط عهدها الذي توجته وختمته بالدم والخراب والتبعية الفاضحة . كما ان فلسفة ثنائية القمع والتسويف التي تبنتها للقضاء على الانتفاضة، قد عادت عليها بالخزي والعار وتعاظم غضب الناس. على اثر ذلك بدأت مرحلة جديدة . دشنها المتظاهرون بغربلة مطالبهم حيث غدا شعار "الاصلاح"  باسفل القائمة، وتمسكوا بشعار التغيير" شلع قلع" دستورياً. بمعنى انهم يستهدفون ازاحة القوى التي كانت قد حكمت طيلة سنوات الخراب الست عشرة الماضية. ولكن مما لاشك فيه ان "استقالة الحكومة" تمثل خط الشروع بالتغيير وليست هي الغاية الاساسية، انما تعود الى" لوجستيات" فتح الطريق امام العمل القانوني لكنس اطلال خراب الطغمة الحاكمة. تسود قناعة مطلقة، مؤداها لا تغيير سيتم في ظل الحكومة الحالية. وهذا امر منطقي. وكما يقول المثل " ان فاقد الشيء لايعطيه، دعونا لنأخذ مثلاً : المنتفضون في الجزائر قد مضى على مظاهراتهم اكثر من اربعين "جمعة" وهم يرفضون اجراء الانتخابات الرئاسيةعلى ايدي رجال العهد السابق علماً انهم يدركون مدى حاجتهم  الملحّة الى انتخاب رئيساً للجمهورية الجزائرية.

            راحت الطبقة الحاكمة المطرودة من الشارع تدبر لها منفذاً للافلات من المأزق الخانق، فاجتمعت في بيت " المعارضة " كما يطلقون عليه، وخرجت بمنح نفسها  " خمسة واربعين يوماً " كمهلة زمنية، التي مثلها غالباً ما تُعطى لمن يصاب بجلطة دماغية وبفقدان الوعي، لعله يعود الى وضعه الطبيعي، غير ان هذه الطغمة الحاكمة امست في حالة موت سريري، فلن تنفعها "المهلة"، ولن ينفعها التعديل الوزاري المشفوع باشراف اقليمي معروف، وباتت لم تعي ما يعتمل في خطى الانتفاضة من مراحل متصاعدة كاسحة، ومن المؤكد ان الحراك لا "يهمل ولا يمهل ". لا سيما لاوساط مجربة في ظلمها وفسادها المالي والاداري وفتقادها للشعور الوطني. ولا يفسر تمسكهم بحكومة "عبد المهدي" بغير الخوف من اقتحام الانتفاضة لمواقع القرار، التي حينها اقل ما تقوم به هو وضع هذه الزمر السارقة المارقة في السجون، واسترجاع الاموال المنهوبة، زد على ذلك تنظيف مؤسسات الدولة من اذنابهم وابنائهم وكذلك اثار اجنداتهم الاجنبية والاقليمية التي تدير شؤون البلاد فعلاً . فضلاً عن كل ذلك سقوطهم السياسي الابدي.

       وابرز ما غدت الطبقة الحاكمة تتشبث به من ذريعة فارغة : هي اذا ما استقالت الحكومة "سوف يحصل فراغ سيادي!! .. " . وهنا تتساءل الجماهير الغاضبة الثائرة : هل ان "عبد المهدي" الذي اصبح اداة لقتل ابناء وبنات الشعب تنفيذاً منه لمخططات القوى الاقليمية .. هو الذي سيشكل الغطاء السياسي؟؟؟. انه منبوذ من قبل الشعب والثوار مما اسقط شرعيته الى اسفل من الحضيض. ولا نريد هنا ان نشير الى المعلوم بقدر ما نذكّر: فعندما سقط مبارك في مصر ، والقذافي في ليبيا، وابن علي في تونس ، والبشير في السودان، وحتى المقبور صدام في العراق، لم يحصل "فراغ سيادي" . صحيح ان بعض تلك الاحداث قد اصطف الجيش مع الجماهير وحسم الامر، وجنّبها حصول ما يسمى بالفراغ السيادي.. اما في العراق. فلدينا الجيش ايضاً، ولكن اصطفافه مع المتفضين مرهوناً بطبيعة تركيبته الحالية. فضلاً عن وجود قوى مسلحة منفلتة عائدة للقوى المتنفذة المتشبثة بالسلطة، تضاهيه بالقوة وتعاكسه في اتجاهه الوطني.  عدا ذلك يوجد في عراق الثقافة والكفاءات الشبابية العالية التي برزت في ساحات الحراك، والشخصيات والاحزاب الوطنية العريقة ما يسد ليس مايسمى بالفراغ السيادي، انما يسد حتى السماء السيادي العراقي وغيره، وان هذا ما يجسد حقاً قدرة المتظاهرين الهادفة الى التغيير، وليس "الاصلاح الترقيعي " الذي يستر عورات الحكام وفسادهم وفشلهم الذي دمر البلاد والعباد على حد سواء .

           

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل