/
/
/
/

هل اُزيل حقاً الجدار العازل بين شطري برلين والمشطورة بين نظامين سياسيين مختلفين ؟ وهل تم فعلاً دمج سكان العاصمة الألمانية القديمة وتوحيد جزأي ألمانيا الشرقي الاشتراكي والغربي الرأسمالي ؟ لعل من نافلة القول : أنه بعد ثلاثين عاماً من إزالة الجدار يتفق كل المعلقين بأن ما اُزيل فعلياً هو الجدار الأسمنتي ، لكن بقي الجدار النفسي ومازال موجوداً ، بل أن معالم برلين الشرقية بسماتها والعديد من عماراتها وأسماء شوارعها وحدائقها السوفييتية الطابع ما زالت كما هي ، دعك عن ناسها الذين تُركوا يلعقون مصيرهم المجهول ، وكذلك سائر مناطق ألمانيا الشرقية الاخرى ، فلا هم تمتعوا بجنة الديمقراطية الموعودة ولا هم احتفظوا بما نالوه من مكاسب اجتماعية ومعيشية متبقية في ظل النظام الاشتراكي السابق الذي ثاروا عليه .

والحق لم يكن انهيار جدار برلين فانهيار المنظومة الاشتراكية وليد الصدفة ،  رغم ما يشكله من مفاجأة للوهلة الأولى ، بل هو وليد تراكمات من الاخطاء أزِف انفجارها ، وإن كان للعدو الرأسمالي بطبيعة الحال ومن خلال على وجه الخصوص وكالة الاستخبارات الإمريكية CIA المتربص بها ، دور مشهود ومقطوع به في التعجيل بذلك الانهيار ، ولكن ما كان يمكن تفادي ذلك الانهيار إلا بتأجيل توقيته أو مد العمر في حياة دول المنظومة والاتحاد السوفياتي بضع سنوات إضافية حتى بإفتراض نجاح الحزب الشيوعي السوفييتي في إيصال زعيم آخر غير جورباتشوف الذي حُمّل مسؤولية الانهيار برمته واُتهم بالانتهازية  و بعدم ضبط المراجعة والإصلاحات في سياسة البيروستريكا والجلاسنوست والإفراط في التنازلات التي قدمها للغرب . وهكذا فقد وجد رئيس روسيا الحالي فلاديمير بوتين في الذكرى الثلاثين لانهيار الجدار فرصة للوم سلفه آخر رئيس للاتحاد السوفييتي بعدم أخذه ضمانات مكتوبة بعدم لجوء دول حلف الناتو إلى التوسع شرقاً نحو تهديد أمن روسيا في مجالها الحيوي السابق من خلال ضم حليفاته السابقة في حلف وارسو بلدان أوروبا الشرقية ، وهذا ما عبّر عنه إيغون كرينز آخر رئيس لألمانيا الشرقية الاشتراكية السابقة الذي ألقى  اللائمة على جورباتشوف واتهمه بالخيانة ، وهذا الأخير أعترف بدوره أنه لم يكن يتوقع أن ينهار الجدار بهذه السرعة وسخر من فكرة الضمانات المكتوبة بعدم توسع حلف الناتو شرقاً . ولعل من المفارقات التاريخية التي تكشفت لاحقاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأن بوتين بدا وكأنه هو الشخص المؤهل لقيادته حيث أثبت بدهائه وبراجماتيته بعد وصوله للسلطة خلفاً ليلتسين جدارته بأن يكون الرئيس ذا القدرات في قيادة الاتحاد السوفييتي في مرحلة البروسترويكا ، لكن لربما من سوء حظ الحزب الشيوعي السوفييتي أنه كان في هذا الوقت ضابطاً في الكي جي بي ثلاثيني العمر بألمانيا الشرقية نفسها في سني انهيارها الأخيرة قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي وحيث رُقي بعدئذ إلى رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي حل محل ال KGB بعد انهيار الدولة السوفييتية  .  

والحال لم تكن دول الغرب الرأسمالي ، كما تكشفت الأحداث بما لايدع أي مجال للشك رغم أنظمتها الديمقراطية الليبرالية ، صادقة حقاً في مساعدة شعوب جمهوريات الاتحاد السوفييتي بعد انفراطه ولا شعوب بلدان اوروبا الشرقية في بلوغ تحولات نحو إقامة أنظمة ديمقراطية مستقلة حقيقية لا ترهن إرادتها للغرب  ، بدليل تواطؤ الولايات المتحدة نفسها في  إحلال النخب الشيوعية الحاكمة السابقة أو غض النظر عن تواصل حكمها بالاسلوب الاستخباراتي الاستبدادي الشيوعي السابق  مادامت مستعدة للتكيف باستبدال جلودها الشيوعية لتقويض أنظمتها السابقة التي كانت تحكمها بإسم التغيير الديمقراطي والانفتاح على السوق ، وما دامت مستعدة للإنضمام لحلف عدوها السابق الناتو ولو تطلب الأمر تسخير أراضيها لوجود هذا الحلف العسكري لتهديد الجار والحليف الاشتراكي الكبير القديم روسيا . والغرب " الديمقراطي " ليس لديه مانع بالطبع أن يضم في صفوف حلفه دولاً غير ديمقراطية كتركيا سابقاً وكالدول الشيوعية السابقة ما دامت تحقق مصالحه الاستراتيجية العالمية ذات المنافع الإقتصادية .  

وكما نعلم فقد راهنت الولايات المتحدة  على أول رئيس روسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بوريس  يلتسين كخصم لدود يميني ضد جورباتشوف داخل قيادة الحزب الحاكم ، ثم كرمز للتغيير الديمقراطي لتسريع تقويض الدولة السوفييتية وبيع القطاع العام خردةً بالجملة ، حتى لو كان يلتسين لم يكن يمت للديمقراطية بأي صلة بل كان  مثالاً للفساد والإفساد ، وكان ترؤسه للاتحاد الروسي فضيحة مدوية أمام العالم كرئيس سكير حتى وهو يؤدي مهامه الخارجية   . وهذا بالضبط ما تفعله الولايات المتحدة والدول الغربية عينها مع كل أنظمة دول العالم الثالث التي تتماشى مع مصالحها وترتهن لإرادتها حتى لو كانت بعيدة كل البُعد عن الديمقراطية .  وما كان عداء الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيين  لبوتين إلا لأنه رفض إذلال وطنه روسيا على أيدي أعدائها التاريخيين  كما جرى في عهد جورباتشوف الذي سقط الاتحاد السوفييتي في عهده، وكما جرى في عهد يلتسين أول رئيس للاتحاد الروسي ، حيث أبى بوتين إذلال وطنه وصمم على أن يُعيد لروسيا كرامتها وهيبتها الدولية كقوة عظمى مناوئة لأمريكا والغرب ، وهذا مالا يتماشى مع أهواء الغرب ومصالحه حيث لم يتردد الغرب بالتصدي له في أوكرانيا من خلال دعم رئيس انشقاقي يدعي الديمقراطية ولو بالشعارات .  

والحال أن بوتين الذي نجح في قيادة روسيا طوال ما يقرب من عقدين إنما كان مديناً في جزء من نجاح دعايته  الإعلامية  لمنجزات الاتحاد السوفييتي الذي أخذ يتغنى بها، لكنه ظل مناوئاً لليسار والشيوعيين داخل بلاده التي أخذ ويحكمها بعقلية تطبيق  الاقتصاد الحر المنفلت بالذهنية الشمولية الاستبدادية والااستخباراتية وتشديد القبضة الأمنية وهي الذهنية التي طبعت أسلافه الحكّام الشيوعيين السابقين ، ومن ثمَ فإنه يتوهم إذا ما أعتقد بأن شعبه سيظل خانعاً لمثل هذه السياسة الديمقراطية شكلاً والشمولية جوهراً وممارسة إلى ما لانهاية دون إحداث إصلاحات ديمقراطية ودستورية حقيقية تدفع بتداول السلطة وتحقيق الحريات العامة وبضمنها حق التظاهر وحرية الصحافة وحرية النقابات وسائر الحريات الاخرى ذات الصلة بحقوق الإنسان  .   

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل