/
/
/
/

التراكم أي تراكم لا بد أن يتحول إلى نوع جديد يختلف في مقوماته عما سبقه من ركود نسبي، وتراكم الغضب والسخط والرفض الجماهيري كان متوقعاً له أن يؤدي إلى نوع جديد  من الانفجار والحركة المتوقعة بين الجماهير، أكثر من مرة حذرنا من السخط والغضب الجماهيري وأفضنا في ذكر تجارب الشعوب والانتفاضات والثورات والهبات الجماهيرية التي كانت نتيجة طبيعية للسياسة الديماغوغية والإرهابية التي انتهجتها الحكومات تجاه الجماهير، وخير أمثلة سقناها مع الفارق ما حدث في تونس وليبيا واليمن ومصر والجزائر والسودان... الخ من البلدان الأخرى بغض النظر عن نتائج ما حدث بعد طرد الحكومات والزعامات ، وفي العراق ومنذ سنين عدة كانت أكثرية الجماهير تعبر عن رفضها لنهج المحاصصة الطائفية وما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية من سيء إلى أسوآ، وبلغ عدد العراقيين حسب إعلان الأمم المتحدة وجود ( 7) ملايين عراقي تحت خط الفقر وهي صرخة مدوية في وجه النظام السياسي في العراق بينما يعد العراق خامس دولة في العالم من حيث الثروة النفطية التي درت وما زالت تدر على البلاد مليارات من الدولارات ويرزح العراقيون تحت طائلة الفقر ودون خط الفقر والبطالة والأوضاع المأساوية في الخدمات العامة في أسوأ الأحوال أمام غنى وتنمر فئة من الذين جاءوا إلى السلطة بعد ( 2003 ) والمتهمين بالفساد والاستيلاء على المال العام وأشار النائب احمد الجبوري "بلدان هيمنت على اقتصاد العراق وجعلته بلداً استهلاكياً لا صناعة فيه ولا إنتاج يوفران ملايين فرص العمل بدعم وإسناد من شخصيات استغلت مواقعها في الدولة للإثراء على حساب الشعب المغلوب على أمره".وخلال حوالي( 16 )عاماً أصبح العراق في مؤخرة البلدان وانتشرت فيه مافيا الفساد والميليشيات الطائفية المسلحة ومنظمات الإرهاب مما جعل المواطن العراقي يعيش هاجس الخوف والحذر وعدم الاطمئنان، وضغط  قوى طائفية معروفة دفعت آلاف المواطنين إلى النزوح والهجرة خارج وداخل البلاد، وتعد الإحصائيات التي ذكرتها الدوائر الرسمية وغيرها بخصوص نسبة البطالة بما فيها لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية وتأكيد عضو اللجنة ندى شاكر في تصريح  صحفي، إن " نسبة البطالة والعاطلين عن العمل من الخريجين تجاوزت 42% في عموم محافظات البلاد" أما النسبة العامة فقد بلغت ( 31 % ) وبلغت بين الشباب 22% وهناك نسب عالية جداً بين النساء تقدر( 56,3 % ) وانعدام فرص العمل وآلاف الخريجين أصحاب الشهادات العليا تعد بعشرات الالاف من المواطنين في جميع أنحاء البلاد وتعد الحرب على داعش ونتائجها من الكوارث غير الطبيعية التي أصابت  البلاد، ولا تخلو أي منطقة أو موقع من التدهور والخراب والتمزق على الرغم من الدعوات الوطنية الصادقة لإيجاد حلول واقعية للتخلص من هذه المصائب، إلا أن كل ذلك  بقى دون جدوى ودون إيجاد الحلول السريعة للإنقاذ، وبالرغم من المطالب المشروعة التي طرحتها الجماهير والقوى الوطنية والديمقراطية منذ البداية بإجراء إصلاح جذري للفساد ومقوماته وأسسه والتوجه  إلى المطالب الجماهيرية في العديد من القضايا في مقدمتها معالجات للظروف المعيشية والاقتصادية والأمنية والخدمية بدلاً من الوعود الخادعة والمموهة التي تطلقها القوى المهيمنة على القرار وبخاصة ما قبل الانتخابات وأثنائها من اجل المقاعد البرلمانية لكي تعود هي نفسها إلى سابق عهدها وممارسة السياسة نفسها بما فيها استمرار الفساد وتردي الأوضاع الأمنية وبؤس الخدمات من جميع النواحي  حتى أصبح الحديث عن الإصلاح ومحاربة آفات الفساد ودوائره ورموزه والتخلص من انتشار السلاح غير القانوني وبناء الدولة المدنية حزمة من الوعود التي تلامس وجدان المواطن وتمنياته وآماله ...الخ مقولة تدل على خبر كان، وأصبح كل ذلك عبارة عن كلام ينسج لأهداف تضليلية سرعان ما يتبخر ويصبح كأنه في ماضي قديم بعد أن يأخذ طريقة بشكل ما مع مقولة النازي جوزيف غوبلز البائسة والمستهلكة "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس".

إلا أن ما يثير السخرية أن أكثرية المواطنين العراقيين  في وادي والكذابين وكذبهم في وادي آخر، حيث أصبح الكذب لا يخدع إلا مطلقيه، ونرى الواقع فيما نقوله في توسع المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة التي هي على علاقة وثيقة بما سبق، الناس ملوا الوعود الكاذبة والوجوه التي تتكرر، أن الحديث عن ( 7 ) ملايين عراقي تحت خط الفقر كما جاء في إعلان الأمم المتحدة ليس "بالدعابة" فهو يؤشر عن مدى الفقر والإملاق لما أصيب به العراقيين وعوائلهم  ولو بحثنا في مناحي أخرى عديد بما فيها الفقر نفسه والبطالة وعدم توفر فرص العمل وقضايا التعليم على المستويات جميعها والصحة ونواحيها والارتفاع الكبير في الأسعار وتدني الواقع الخدمي عموماً وأزمة السكن وعدم إيجاد حلول جذرية للنتائج التي خلفتها الحرب على داعش الإرهاب بما فيه النازحين ومخيماتهم البائسة وإعادة العمل في بناء ما خربته الحرب في المدن وفي مقدمتها الموصل وغيرها كما قلنا " لو " بحثنا كل ذلك وقضايا أخرى لأصبنا بالإحباط والذهول لهول المأساة التي تعصف بالبلاد والشعب العراقي والأمر الأخر الأكثر سخطاً وذهولاً السياسة القمعية التي تتبعها الحكومات والبعض من فصائل الحشد الشعبي تجاه المظاهرات والاحتجاجات السلمية التي بلورت شعاراتها من الإصلاح إلى إسقاط النظام وهي عملية طبيعية في سير السخط الجماهيري المستمر، والتصور المريض الذي يصر على استعمال العنف بأنه يتمكن من علاج الهبّة الجماهيرية وإنهائها فهو تصور بعيد عن الواقع، فالجماهير كلما استعملت ضدها أدوات العنف كلما أصرت في المضي ولنا تجارب قريبة وملموسة، وأشار في هذا الصدد علي النافع عضو التيار المدني العراقي " أن "قمع التظاهرات بالدم والاعتقالات لا يعني نجاح الحكومة أو انتصارها، بل دليل على فشلها". ولم تكتف الحالة العنفيه التي يقوم بها البعض من الأجهزة بما فيها أجهزة خاصة طورت إمكانيات العنف والقتل وكأنها استفادت من تجربة الحكومة الإيرانية وأجهزتها أبان ثورة ( 2009 ) بخصوص تزوير الانتخابات ومنها وضع  قناصة على السطوح وقتل المتظاهرين، كما أن العميد حسن كرمي قائد الوحدات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي والتي يعتمد عليها في التعامل مع الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية  فقد ذكر حسن كرمي ونقلته  بغداد / سكاي برس "عن إرسال قوة مكونة من ( 7500 ) عنصر إلى العراق، مدعيا أنها لحماية “مراسم أربعين الحسين" واتهم المتظاهرين العراقيين الحرس الثوري والميليشيات التابعة له بقمع وقتل المتظاهرين حسبما جاء في بعض وسائل الإعلام.

 وفي هذا الصدد نفسه نُذكر بالابتعاد عن الاتهامات الجاهزة مثلما كان يحدث في زمن النظام السابق الاتهام بالعمالة، ثم في عهد نوري المالكي التهديد بالمادة ( 4 )  إرهاب  واليوم هناك اتهامات غير معقولة وآخرها أن الجماهير يحركها البعثييون وهو أمر يخالف الواقع  أننا لا ننفي التدخل الخارجي أو استغلال  بعض القوى المعادية، ، وكما ذكر ناشطون عراقيون وجود القناصة على أسطح المباني العالية وذكروا " وجود قناصة يعتلون أسطح بنايات المطعم التركي، وعمارة الوقف والكيلاني القريبة من تلك الساحات" كما أكدوا أن "قسما كبيرا ممن شاركوا أمس في التظاهرات،أما باتوا في المستشفيات أو اعتقلوا فعلا" وعلى ذكر الضحايا فقد كشف احد مسؤولي وزارة الصحة عن حصيلة ضحايا المظاهرات حتى يوم 8 / 10 / 2019 وذكرت وكالة (الفرات نيوز) أن مسؤول في وزارة الصحة كشف لوكالة الأناضول التركية، عن آخر حصيلة أن "عدد الضحايا ارتفع إلى قرابة ( 165 ) قتيلاً" وباعتقادنا وجود رقم اكبر عدا المصابين والمعتقلين .

وبعد هذه الحصيلة من التدهور وتعميق الأزمة، وبعد هذا الوضع السياسي الهش وعمق الخلافات بين قادة القوى المهيمنة على القرار وبخاصة المواليين لإيران بما فيها الحشد الشعبي، وبعد هذا التدهور والأزمات المستفحلة ونتائج سياسة المحاصصة الطائفية والحزبية والتدخلات المستمرة من قبل البعض من الدول وتعدد مراكز القرار حيث تحول العراق إلى دولة متعددة المراكز وبدلاً أن يكون دولة قانون وعدالة اجتماعية صار تقريباً دولة فوضى، مما اخذ يهدد بشكل فعلي إلى تفككه وانقسامه، لهذا نجد من الضروري الإيقاف الفوري لكافة إجراءات القمع ووقف الملاحقات وإطلاق سراح المعتقلين بحجة التظاهر ومحاسبة المسؤولين عن أوامر إطلاق الرصاص الحي والمطاطي على الأبرياء ثم معالجة الخلل الذي أصاب العملية السياسية من قبل المحاصصة الطائفية وعمليات التهميش والإقصاء والاستئثار وعدم اعتماد المواطنة والتخلص من الهيمنة بالقضاء على الفساد والفاسدين، وعدم التضييق على الحريات العامة والشخصية ، ونحن نرى في ما أعلنته القوى الوطنية والديمقراطية لحل الأزمة وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي الطريق الصحيح للإنقاذ "  أن الاختبار الجدي سياسي بامتياز، وهو يتوقف على مدى توفر الإرادة لأحداث تغيير شامل مطلوب وملح، وفي المقدمة تنفيذ مطلب تشكيل حكومة من كفاءات وطنية نزيهة " التي أشارت إليها  المطالب الشعبية التسعة وفي مقدمتها "- إعلان ضحايا الاحتجاجات شهداء الشعب، وإطلاق سراح جميع المعتقلين من المتظاهرين." وآخرها " اعتماد برنامج آني وسريع للنهوض بالقطاعات الإنتاجية وبما يوفره ذلك من فرص عمل"

أن المعالجة الجدية للأوضاع تعتمد على الإرادة الحرة الوطنية القوية، والعقول الوطنية النيرة والوقوف بالضد من جميع التدخلات الخارجية وتحديد مهمات الحشد الشعبي ودمجه بالقوات المسلحة للتخلص من تعدد المراكز والبقاء على مركزية الدولة بمؤسساتها الوطنية وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، لا بد من حكومة وطنية جديدة تختلف شكلاً ومضموناً عن حكومات المحاصصة السابقة، والانتباه بعدم استغلال الاربعينة للشهيد الحسين (ع) في تفتيت إرادة المنتفضين ومطالبهم العادلة..

  

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل