/
/
/
/

يبدو ان الاحتجاجات الشعبية سرقت النوم من عيون الزعامات العراقية التي هي افراز لبنيات واعتبارات عرقية واثنية وحزبية وسلطوية مازالت تلعب الدور المحوري في الحياة السياسية طاردة من امامها صراع الاجيال والافكار والبرامج، وأشدّ ما اثار اعصاب المتمسكين بالسلطة والامتيازات، هو شعار (اسقاط النظام) الذي رفعه المحتجون بقوة هذه المرة، ولهذا السبب نراهم وقد تسابقوا في تقديم الوعود والتنازلات من اجل كسب ثقة الشارع الغاضب، لكنّ اخطر شيء يواجهه الحاكم عندما يخطب ولا يصدقه احد!.

وضع المتسلطون طوال فترة حكمهم جميع القضايا التي تهم المواطنين جانبا وتفرغوا الى السباق على من يأكل لحمة الكتف اولا، لكنّ انتفاضة الشعب الاخيرة غيّرت المزاج وفتحت كوة واسعة في الجدار الصلب واظهرت المتنفذين مثل ديناصورات طلعت عليها الشمس وهددتها بالانقراض!، كما بيّنت بشكل لا يقبل اللبس بانّ  كرامة البشر وحقوق الانسان ودولة المواطنة ليست اكسسوارات يمكن خلعها متى ما نشاء، بل هي راسخة وثابتة في عقول ابناء شعبنا مثل وشم على سواعد الريفيات العراقيات، لهذا تدافع المسؤولون على شاشات التلفزيون ليظهروا لنا وكلّ على طريقته بانّ العراق هو اجمل بلد بالعالم وانّهم قادرون على ان يجمعوا الشمس والمطر في آن معا، لكنهم تناسوا بأنّ نظام المحاصصة باشكالها المتنوعة ولمدة ستة عشر سنة لم يستطع ولا يمكن له ان يشكل هوية وطنية جامعة تتجاوز الهويات الفرعية، ولا يمكن له ان يخلق مجتمعا بنسيج متين ومتماسك.

انّ حزمة الاصلاحات التي قدمتها الرءاسات الثلاث ليست هي السد الذي يمنع المياه من ان تغمر المركب وينقذ الجميع من الغرق، فهناك مشكلات بنيوية حقيقية كانت ومازالت هي السبب الحقيقي وراء هذا الانهيار الذي تشهده البلاد، وهي السبب في انتشار الفساد الذي صارت كلفته غالية على حياة المواطنين واستقرار الوطن، وهي السبب في تحول مؤسسات الدولة الى مؤسسات سلطوية تمارس فيها الاحزاب هيمنتها، وهي السبب ايضا في انتشار السلاح والانفلات الامني الذي روع المواطنين، فلابد من مراجعة جدية وسريعة لبعض المواد الدستورية وشكل النظام السياسي وطريقة بناء الدولة وهذه من مطالب المواطن الاساسية.

لا شكّ انّ بعض الاطراف السياسية مصابة بحساسية شديدة من حرية التعبير وخاصة حق الاحتجاج والتظاهر التي كفلها الدستور العراقي ولوائح حقوق الانسان الاممية، هؤلاء هم العقبة امام ايّ اصلاح او تغيير، وهم الذين يشعلون الحرائق في طريق تشكيل حكومة قوية وشجاعة وذكية تجمع افضل الخبرات لتصنع منها لحظة امل لغد العراقيين، فهم لا يدركون بانّ التاريخ لا يرحم، وانّ الشعب لن يسكت، وانّ ساعة الحساب تدق في الارض قبل السماء، وانّ عود الثقاب اذا ما رُمي في كومة القش، فلا احد يستطيع اطفاء اللهيب.. (وتبّتْ يدا أبي لهب..)!.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل