/
/
/
/

 قد لا يختلف اثنان على أن الجامعات العراقية تعيش وضعاً صعباً، أو إنها ترقد الآن في غرفة الإنعاش منذ مدة ليست بالقليلة.

ترقد بين يدي العديد من المعالجين الذين اختلفوا في وصفاتهم العجيبة والمتناقضة أحياناً. وعلى مرور الزمن، قرر بعضهم استحداث المزيد من هذه الجامعات العليلة، وآخر شجعها على إنتاج تدريسيها بنفسها، وبعض الآخر على طريقة الروحانيين يقدمون وصفات سحرية من هنا وهناك علها تعود الى سابق عهدها. لكن ما غاب عنهم أن هذه الجامعات لا ينبغي لها إلا انتاج المعرفة وفتح أذهان الطلاب على هذه المعرفة، وتمكينهم من الاستفادة القصوى من الفرص التربوية، والأهم من كل شيء هو خدمة مجتمعهم.

إن أحد الإشكالات التي تتعرض لها الجامعات العراقية هو الخوض في النقاش العقيم حول مسألة التصنيفات الدولية، حيث إن مجرد دخول جامعة الى احدى هذه التصنيفات يجعلنا نعتقد بان مشاكل الجامعة قد حُلت، وإنها قد أصبحت عالمية في تعليمها، وبحوثها، وتحسنت سمعتها، وما عادت عليلة كالمصانع القديمة تنتج بضائع لا يحتاجها، ولا يرغب بها سوق العمل. لقد أصبح دخول التصنيفات الدولية هدفاً في قمة أهداف الجامعات، والهدف الذي نسعى إليه دون تقدير للعقبات، ودون معرفة الاحتياجات هو هدف لا يمكن الوصول إليه مطلقاً.

التصنيفات الدولية تتعامل مع الجامعات العراقية كمؤسسات مستقلة، وكيانات تربوية، وتعليمية، وبحثية لها رؤى وأهداف مختلفة وما هي بذلك، وتقيس أدائها على ضوء معايير تعتمد بيانات كمية كعدد الطلاب، وعدد التدريسيين، وعدد البحوث وما شاكل ذلك من بيانات لا تعبر عن فروق حقيقية في مهارات خريجي الجامعة او جودة البحوث، او محتوى البيئة الجامعية أو خدمة المجتمع العراقي.

هل يعني دخول جامعة بغداد في تصنيف التايمس البريطاني بترتيب 801-1000 انها أصبحت أفضل من جامعة الكوفة، أو بابل، أو النهرين، أو من الجامعة التكنولوجية التي أحرزت المرتبة +1000؟ أو أن أساتذة وطلبة هذه الجامعات أقل تدريباً وتعليماً وتميزاً من اساتذة وطلبة جامعة بغداد؟ طبعا لا! على سبيل المثال قد تنتج الجامعة التي لها ثلاثة أضعاف التدريسيين مقارنة بجامعة أخرى عددا أكبر من البحوث وبالضرورة سيكون عدد الاقتباسات أعلى. إلا انه وبمقارنة أداء جامعاتنا بالجامعات العالمية تتهاوى هذه الفكرة لأننا نجد أن الجامعات الإيرانية على سبيل المثال، والتي أربعون منها دخلت التصنيف مقارنة بجامعتين وحيدتين من العراق، تمتلك أعداداً اقل بكثير من التدريسيين فيها. ما هو السبب يا ترى؟

قد يكمن السبب في أن قلة الإنتاج البحثي للجامعات العراقية بحيث لا يتعدى عدد البحوث في السنة الواحدة 1% لكل تدريسي، وأن معظم هذه البحوث تنشر في مجلات عديمة الأهمية كالمجلات الهندية التجارية، وتلك التي هي في أسفل قاعدة بيانات سكوبس، بينما يهتم العالم بالنشر في مجلات معتبرة ومتميزة تقع في قمة قواعد البيانات، وهذا له علاقة بأهمية البحوث وعدد الاقتباسات، فعلى سبيل المثال تمتلك جامعة كاشان حوالي 300 تدريسي ولكنها أحرزت درجة 75 في معدل الاقتباسات مقارنة بدرجة 44 لجامعة بغداد التي تمتلك أكثر من 6000 تدريسي.

أحد أسباب تدني نوعية البحوث العراقية هو اعتمادها على انتاج طلبة الدراسات العليا. الدراسات العليا في العراق تعاني من خلل في نوعية البحوث، وبضعف الاشراف البحثي وبانعدام تدريب المهارات البحثية وإدارة وتنظيم وقيادة الفرق البحثية. الدراسات العليا لم تعد وسيلة من وسائل تطوير البحث العلمي وإنما وسيلة لمنح الشهادات مما أدى الى انتشار التزوير وسرقة نتائج منشورة والادعاء بإجراء تجارب من المستحيل اجراؤها في ظل الظروف الفقيرة للمختبرات العلمية. ومن الأسباب الأخرى لتدهور مستوى البحث العلمي هو عدم وجود تعاون مع جامعات الدول المتطورة او الاشتراك في مشاريع عالمية مشتركة مما أدى الى انفصام رهيب عن العلم العالمي ومتطلباته ومستوياته.. هل من المعقول ان يطلب طالب الدراسات العليا من على الفيسبوك مساعدة في اختيار بحث مناسب له او ان يطلب اسم مجلة توافق على نشر ورقته في خلال يوم واحد؟ وهل من المعقول ان يطلب من يقوم له بأجراء تجاربه او كتابة اطروحته؟ اين هو دور المشرف في عملية الاشراف؟ وأين دور القسم في تصحيح الاختلالات؟

نعود الى التصنيفات العالمية للمقارنة بين الجامعات العراقية ذاتها. الجامعات العراقية لا تختلف كثيراً فيما بينها سواء في المعايير الإدارية أو في المعايير الاكاديمية لأي تصنيف عالمي. اختلاف الاعداد لا يبرر دخول او خروج بعضها. على سبيل المثال لا توجد فروق مهمة بين معدل البحوث المنشورة فهي متدنية، ولا تستحق المقارنة. الجامعات العراقية تدار من قبل مؤسسة واحدة تسيطر عليها بالكامل وتتبع الجامعات تعليماتها حرفيا فلا توجد جامعة خالفت التعليمات او حرفتها او طورتها. لذلك فان التصنيفات العالمية لا تلائم اوضاع الجامعات العراقية في معاملتها كجامعات مستقلة لها رؤى وأهداف مختلفة وتدار من قبل إدارات عليا منتقاة ذاتيا، ولها سياسات مستقلة ومختلفة عن بعضها ولها الحرية في انتقاء طلبتها واساتذتها. هل هناك من يستطيع ان يؤكد لي ان البحث العلمي او التعليم هو أجود في جامعة دون أخرى؟ أو أن يؤكد لي بأن أساتذة وطلبة جامعة س هم أفضل من أساتذة وطلبة جامعة ص؟ وفيما عدا البنى التحتية، هل توجد فوارق حقيقية بين الجامعات؟

مشكلة تصنيف التايمس أنه يركز على البحث، وهنا في العراق يعتبر البحث موضوعاً شكلياً وليس له تأثير وهو كما كشفه الدكتور أحمد الجعفري في استفتاء وضعه على صفحته في الفيسبوك بأنه لتحقيق غرض واحد ألا وهو الترقية لا غير. معظم التصنيفات تركز على السمعة والكل يعرف ان الجامعات العراقية لا تمتلك سمعة جيدة. ولا توجد من التصنيفات من تهتم أساسا بجودة التعليم فهذا ليس من اهتماماتها بالرغم من أن بعض معاييرها قد يكون له ارتباط اسمي بجودة التعليم والتي هي موضوعياً مقرونة بتقييم خمسة معايير هي: 1) التحدي الأكاديمي الذي يواجهه الطالب، 2) التعلم النشط والتعاوني، 3) تفاعل الطلاب مع أعضاء هيئة التدريس، 4) إثراء الخبرات التعليمية، 5) بيئة الحرم الجامعي الداعمة للتعلم.

خلاصة الرأي هو أن الجامعات العراقية فروع لجامعة واحدة تقع في مناطق جغرافية مختلفة ولربما يمكن من خلال دمج تلك المتجاورة تحسين أدائها وزيادة احتمالية دخولها في التصنيفات هذا فيما عدا أهمية الدمج في ترشيد المصروفات، وتحسين الجودة، وزيادة كفاءة البحث العلمي. هذا يقودنا الى موضوع إعادة تنظيم الكليات والأقسام، والذي تناولناه مرّات عديدة في السابق، فلربما يتم ترشيد الإدارة وتخفيض نسب البطالة بين الخريجين بدمج الكليات والاقسام المتشابهة والإلغاء التدريجي لتلك الأقسام التي لا يتوفر لها سوق عمل، والفائضة عن الحاجة.

في معظم الجامعات العالمية لا يزيد عدد الكليات على 5-10 كليات، بينما يصل العدد في الجامعات العراقية الى أكثر من 20 كلية. من الشائع في الجامعات العالمية أنه كلما قل عدد الكليات تحسنت إدارة الجامعة، وارتفعت الكفاءة الاكاديمية وخفضت التكاليف، وفيها أيضا تنعدم الازدواجية في البرامج والشهادات، ويكثر التعاون المشترك في التدريس والبحث العلمي. اؤكد بأنه لو تمت إعادة هيكلة الجامعات على صورة الجامعات الغربية لتم توفير مبالغ مالية هائلة، ولقضي على فوضى تعدد الشهادات، وانتهت برامج أكل الدهر عليها وشرب، وأنشئت برامج يحتاجها سوق العمل.

إذا ارتأينا حقا ان ننهض بالجامعات العراقية، فعلينا أن ننهض بمستويات التدريسيين. يوجد في الجامعات العراقية الآلاف من التدريسيين ممن يحتاج الى تدريب وإعادة تدريب في الجامعات الغربية. ويعود سبب ذلك الى العزلة العلمية التي مر بها العراق بسبب الحروب والحصار. يحتل التدريسي موقعا متميزا ضمن بقية مكونات الجامعة الأخرى، وضمن العملية التعليمية بشكل عام، فهو المعلم والمربي والباحث، والمواكب لتحولات المجتمع والمساهم في تنويره وتنشئته. إن استئثار التدريسي بمكانة لائقة داخل النظام التعليمي وضمن محيطه المجتمعي يتوقف على توافر شروط ومقومات ذاتية تعود الى الكفاءة العلمية. وفي هذا السياق يحتل التدريب والتعلم المستمر أهمية خاصة لأن كسب رهان الجودة يتطلب توفير الشروط الموضوعية الداعمة للجودة إضافة الى انخراط التدريسيين أنفسهم بصورة جدية في البحث العلمي وما يتطلبه ذلك من توافر الأموال والمعدات وهذا سيؤدي حتما الى تبوئ مراكز عالية في التصنيفات الدولية فيما بعد.

هل أن تدريب التدريسي هو أقل أهمية من تدريب طلبة الدراسات العليا؟ لماذا لا يبتعث 10000 تدريسي كل عام للتدريب وللحصول على شهادة عالية حتى وإن كان المبعوث قد حصل على مثل هذه الشهادات في الماضي. اليس تدريب هؤلاء من الاولويات عند الدولة العراقية ليصبح التعليم العالي متميزا والبحث العلمي بمستوياته في العالم الغربي؟ إن الجامعات العالمية سترحب بتدريب هؤلاء التدريسيين إذا ما دفعت الادارة العراقية أجور تدريبهم بما يعادل اجور الطلبة، او حتى بنصف هذه الاجور او اقل، وفي مثل هذا الاجراء تناسق كبير مع السياسات الحالية للتعليم العالي واستراتيجيته في تحسين الجودة.

أخيراً، اسمحوا لي أن أعيد ما ذكرته سابقا في أن أحد أهم التحديات التي لا زالت تواجه وزارة التعليم العالي لكي تتبوأ الجامعات العراقية مراتب عالية في السلالم العالمية هو بتوفير التشريعات والشروط اللازمة بما يدعم تحقيق الاستقلالية ومقومات الحرية الاكاديمية، ومن خلالها يتم ترسيخ ثقافة التغيير داخل الجامعات، وهي ثقافة تعتمد على الجودة وإداراتها والاهتمام بالأستاذ والطالب وبالبيئة الاكاديمية، وبتطبيق شعار "أعطني استاذاً وباحثاً جيداً اعطيك جامعة ناجحة."

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل