/
/
/
/

حين كتبْتُ عن التحدي للنجاح، لاحظْتُ مَن خلط بين مسألتَين هما: (التحدي للنجاح)، و(الفساد) المنتج لسوء المستوى التعليمي لطلبة وزارة التربية. فرأيْتُ أن أتساءل: ما هو الفساد؟

وزاد اندفاعي لكتابة هذه المادة ظهور أحد المسؤولين العراقيين على شاشة احدى الفضائيات ليتحدث عن الفساد في الدولة العراقية، وأنه منظومة، ولا بد للناس من أن يُشكلوا منظومة للقضاء على الفساد، تتضمن الجميع، ومنها المرجعيات الدينية.

إلى هذا الحد، هذا كلام قد يكون مقبولا، لكن قبل قبوله أو رفضه، لا بد من التساؤل عمّا إذا كانت للفساد منظومة واحدة يمكن كشفها، ومصارعتها فعلا، حتى نتجمع على شكل جيش عرمرم، نقوم بمقاومتها؟!

الواقع يقول أن للفساد، منظومات متعددة، لكل منها أيادٍ ضاربة، وألسنة حادة، وأنياب كثيرة قاطعة، ومخالب قوية، لا بد من كشفها، للتعامل مع كل منها بالطريقة التي تُناسبها، تماما كما يتم التعامل مع الجراثيم المَرَضية، فأنت لا تتصدّى لمرض التدرن الرئوي، بدواء يُعالج الزكام أو ذات الرئة.

أنت محتاج إلى معرفة المرض، ثم وضع المريض تحت يد طبيب نطاسي يُعالجه، لذلك نعود الى التساؤل: ما هو الفساد، حتى نُعالجه؟

وكيف يمكننا أن نُعالجه فعلا بأسلوب علمي رصين؟!

حين نسأل وسائل الإعلام المتسرِّعة، عن مواطن الفساد في وزارة التربية مثلا، فستُسارع إلى القول بأنهم يهدمون المدارس، ولا يُعيدون بناءها، بل لا يُريدون بناء مدارس جديدة، وهذا صحيح، فلماذا؟!

ثم هم لا يوزِّعون الكتب والقرطاسية الكافية، في الأوقات المناسبة، وهذا صحيح أيضا، فلماذا؟!

ثم هم لا يوزعون المربين توزيعا يتناسب مع كفاءتهم ومدة تدريسهم، بل يتقاضون الرشا لتعيين مَن يتم تعيينهم.

وبغض النظر عن جدية هذا كله وغيره، فالمؤكد أن جوانب من هذا كله، صحيحة، بهذا المستوى أو ذاك، منذ عقود.

والعاقل، يتساءل: لماذا تتجمع هذه الأشياء كلها، ثم يُعلن عنها في وقت واحد محدد هو ما بين منتصف العطلة الصيفية، وبداية السنة الدراسية؟!

سيقول محق: -لأن هذا هو الوقت الذي تُعلن فيه النتائج المدرسية، كما أنه الوقت الذي يتطلب وجود الرحلات في الصفوف، استقبالا لطلبة العام الجديد، ثم أن الطلبة محتاجون إلى الكتب والقرطاسية، للاستناد إليها، واستعمالها في هذه الدراسة.

وترى أن هذا كله صحيح، لكنك/ بوصفك عاقلا\ تتساءل:- لماذا يتجمع هذا الضجيج كله في هذا الوقت؟!

لماذا لا تتم مناقشة وزارة التربية، ونقابة المعلمين، والجهات الساندة في هذه الأمور، والوزارة مسترخية، في غير هذه الأوقات الحادة؟!

ثم لماذا لا يلجأ الإعلام إلى ذوي الخبرة المتخصصين، ويعتمد الإعلاميين المهرجين في العادة، وكأن القضية قضية إساءة وإذلال لوزارة التربية التي ينبغي أن تخصَّهم بإعلاناتها المدفوعة الثمن، أو تُعاني من التهريج؟

هنا، يتعاون الفساد والجهل، فالإعلاميون المأجورون، مسخَّرين للصراخ في هذه الأوقات، لنيل جانب من كعكة الإعلانات المدفوعة الأجر، لوسائل الإعلام الحزبية، فالقطاع الخاص، موجود في ساحتَي الفساد الإعلامي والتربوي.

أما الإعلاميون الجاهلون، فيرقصون لكل مطبِّل، كما يلطمون في كل عزاء، وكفى الله المؤمنين القتال.

إذن، فالفساد ظاهر في وزارة التربية، وكل ما فيها معيب، ولا أمل في تفوُّق أو نجاح إلا عن طريق التعليم الخصوصي، أو المدارس الأهلية، ولا كتب أو قرطاسية إلا في مكتبات القطاع الخاص.

هنا مربط الفَرَس: -التعليم الخصوصي، والمدارس الأهلية التي تؤسسها الأحزاب التي تتموَّل منها.

أما مكتبات القطاع الخاص/ بالجملة والمفرد\ فهي تستفيد على الهامش إن لم تكن تمارس اللعبة الحزبية

إذن، فلا بد من إظهار فساد وزارة التربية، وخسارتها كل شيء، وتخلفها في كل شيء، للوصول إلى أنه لا أمل في وزارة التربية، فتنتشر المدارس الأهلية، وينتخم المدرسون الخصوصيون، لكن ماذا يُسمّى هذا؟!

إنهم لا يسمّونهم اسمه الحقيقي (الخصخصة)، بل يُسمّونه (الفساد).

جهة أخرى للفساد في وزارة التربية، وفي وزارة الهجرة، فلو تم بناء المدارس/ ولو بصورة سيئة كما كان يحدث في العمل الشعبي\ فكيف يتعاملون مع صنّاع الكرفانات، ليشتروا ممن يدفع أكثر، ثم تتلف هذه الكرفانات، فتشترى كرفانات جديدة، على الرغم من شحة الإمكانات المالية للدولة، فالرشوة أفضل من البناء، ومن الذي يصنع الكرفانات، ويدفع الرشوة؟!

هل هو شخص عادي مثلا؟!

إنه من صناعيي من القطاع الخاص المدلل، لذلك تبقى المخيمات، لتبقى مصانع الكرفانات، ولذلك، لا يعود الكثير من المهجرين إلى بيوتهم في مدنهم، فلو عادوا فمن يدفع الرشا؟!

وعلى من يُصرِّفون الكرفانات المصنوعة، والتي سيتم صنعها؟!

الآن، ظهرت حاجة جديدة للمخيمات، ومن ثمة للكرفانات، ولخدمات الأمم المتحدة، والمنظمات الخاصة، وما يترتب على هذا كله من رشا وفساد، فهناك من يُريد استعادة 32000 من الداعشيين العراقيين من سوريا، إلى مخيمات في العراق، لتتكرر مآسي الفساد، واحتمالات استيلاء داعش/ أو غيرها من المنظمات التي فرختها\ على مدن العراق وقراه، تستنزف دماء أبنائه وأموالهم وجهودهم، وتفتح للمهرجين والمأجورين من الإعلاميين، أبوابا فسيحة للدخول منها إلى عقول الناس، فهل في الدولة، جهة تصنع الخيام أو الكرفانات؟!

إنه القطاع الخاص المدلل، يصنع كل هذا وغيره مما يصل إلى المخيمات، رضي أهلها أم رفضوا، تكلم الإعلاميون المأجورون أم صمتوا، وفي سنوات سابقة، دار كلام كثير حول الفساد في صفقات الخيام، الكرفانات، وسوء الأغذية، لكنها/ جميعا\ تطمطمت، وانتهت إلى خير على الراشي والمرتشي بعيدا عن نيران القضاء، وننتظر نيران الله/ تعالى\ التي يُخوِّفوننا بها، لكنهم لا يخافونها كما يبدو، وإلا، فكيف استحلّوا حرام الله؟!

 

سؤال لا جواب عندي عنه.

 

وقبل أن نترك وزارة التربية، نتساءل: -لو صارت مدارس وزارة التربية، كما نُحب ونرضى؟ بل كما يجب، فمن الذي سيذهب بأبنائه إلى المدرسين الخصوصيين، أو المدارس الأهلية التي تقيمها بعض الأحزاب لبث أجنداتها الخاصة، وللحصول على التمويل الذي تحتاجه لتمشية أمورها؟!

إذن، فسبب فساد وزارة التربية، والمدارس فيها، واضح، إنه (الخصخصة).

وننتقل إلى وزارة التعليم العالي، لنجد فيها كل عيوب الشرع التي يتقدم بها الإعلام، على أطباق من ذهب، حتى يصل إلى ماذا؟!

إنه مطلوب إنشاء الجامعات الأهلية الحزبية المنشأة لبث أفكار تلك الأحزاب خلافا للقانون، ولتمويلها، فهي خصخصة، لكنها تسمّى (فسادا)، ولو صارت جامعات وزارة التعليم العالي كما يجب، فهل سيذهب أحد إلى الجامعات الأهلية؟!

مرة أخرى ينبغي فساد الجامعات الحكومية، لتنتعش الجامعات الأهلية.

وننتقل إلى وزارة الصحة، فكل ما فيها عيوب، وفيها عيوب كثيرة حقيقية، حتى نصل إلى ماذا؟!

إلى المستشفيات الأهلية التي تُموِّل الأحزاب أو جهات أخرى محسوبة على الدين، أو السفر خارج العراق.

إذن، فهي (خصخصة) يسمّونها (فسادا)، ولو صارت المستشفيات الحكومية كما ينبغي، فمن الذي سيذهب إلى المستشفيات الأهلية، أو سيسافر للعلاج خارج العراق؟!

وعلى هذا، فلا بد من فساد المستشفيات الحكومية، لتنتعش المستشفيات الأهلية، والعلاج خارج العراق.

ويُبوِّق الكثير من الاقتصاديين والسياسيين والإعلاميين، للمصارف الأهلية، والناس لا تدري، تأمل فيها خيرا، وتُنشئ تلك المصارف، وينثر البنك المركزي، بينها الملايين من الدولارات، بلا حسيب أو رقيب، لتستثمر تلك الدولارات كما تُحب، مما لا ينبغي، وبعد خراب مالطة، ينتبهون إلى ما فيها من فساد، ناتج عن أجندات الأحزاب المنشئة لها، المتموِّلة مما تشتريه من دولار رخيص، لتتصرف فيه بطريقة غير سليمة، تمويلا لتلك الأحزاب الفاسدة المفسدة.

والكهرباء، وما أدراك ما الكهرباء؟

تستمر ثلاثين سنة دون أن تُحقق للمستهلك العراقي حقه من الكهرباء، بألف حجة كاذبة، حتى يصل الناس إلى (تصوُّر وجوب خصخصة) الكهرباء، فهي (خصخصة)، لكنها تُسمّى (فسادا)، ومن المضحك أنهم لا يعدون عمل المولدات الكهربائية الأهلية، وما يترتب عليها من سرقة ورشوة، وما إلى ذلك (خصخصة) تخرج مليارات الدولارات سنويا لاستيراد هذه المولدات، وأدواتها الاحتياطية.

إنهم يُريدون شركات كبرى، تسرق مال الدولة والشعب، وتفرُّ به بلا حساب لصالح بعض الأحزاب.

مثل هذا ما يُقال في الماء، فلا يوجد ماء، ولا تدري من أين يأتي أصحاب منظومات المياه في منطقتك المحرومة من الماء، بالماء، وحتى حين يكون في بيتك صنبور فيه ماء، فهو غير صالح للاستعمال، لذلك، فأنت تشتري (البرّاد)، وما تضعه عليه من ماء مصفى، ثم تشتري عبوات الماء الكبيرة، والمتوسطة، والصغيرة، وكؤوس الماء المصفاة، المستوردة، من بلاد صحراوية، ومع ذلك، فأنت تشتريها مصفاة، يأتي بها تجار من القطاع الخاص المدلل، وتجار أو صناعيون/ يدَّعون لهم الوطنية\ من القطاع الخاص، يُصفون لك الماء في معامل لا تدري إن كانت صالحة للعمل أم لا، لكن مياهها صالحة للشرب، وأنت تشربها، فماذا تفعل غير أن تُصدِّق بصلاحيتها  للشرب؟!

ثم إن شركات فلاتر الماء، تملأ البلد، لتزعم أنها تُصفي لك الماء الذي يأتيك من الحكومة، فماذا تُريد أكثر من ذلك لتنسى هذا كله ثم تقول:- (فساد)، ترى هو فساد أم خصخصة؟!

ويتم تخريب مصانع وزارة الصناعة، لسبب بسيط هو أن تُباع خردة، للقطاع الخاص الذي سيعيدها إلى العمل، ولا تدري لماذا يستطيع القطاع الخاص أن يُعيدها إلى العمل، بينما تُخرِّبها الحكومة، فإذا سألتني قُلْتُ لك يسمّونه الفساد، وأسمّيه (الخصخصة القادرة على الرشوة، والممكنة من السرقة، والمتيحة لأحزاب الظلم، فرصة التغوُّل على المواطن المسكين، وعلى أمواله المستباحة.

وتسير على هذا المنوال، في كل شيء آخر، في الزراعة، وفي الإسكان، وفي دار الشؤون الثقافية، وغيرها، فأنت تُسمّيه (فسادا)، وأسمّيه (خصخصة)، فلو تمكنت دار الشؤون الثقافية مثلا من نشر 500 كتاب سنويا/ وهو عدد غير كبير\ ثم تمكنت من تسويقها، أولا ينتشر الكتاب العراقي في كل الأقطار العربية وغيرها؟!

أما كان المثقف العراقي، معروفا على أعلى نطاق، مما يؤدي إلى غناه، مع غنى دار الشؤون الثقافية، بدل افتقارها إلى كل من هب ودب؟!

لماذا تربح كل دور النشر على الأرض، ولا تخسر إلا دار الشؤون الثقافية؟!

سؤال آخر، لا جواب عندي عنه غير أنه ينبغي أن تهدر، ليتغوَّل المتطفلون على الثقافة العراقية، المتاجرون بها في الداخل والخارج، فهل يستطيع المتنفذون الوقوف ضد الفساد، بمعنى الوقوف ضد الخصخصة التي يدعون إليها؟!

سؤال أشك في أن يُجيبني عنه أحد.

أما مسائل السرقة والرشوة، وما إلى ذلك، فهي موجودة، وستبقى، ما دام الفساد (الخصخصة، قائمين، فكيف تتنافس شركتان/ أو أكثر\ على الحصول على صفقة واحدة، دون أن تمتد أيدي الرشوة إلى المتنفِّذين؟!

إن ما ثبت من سوء تعاقد مع شركات الاتصالات والأنترنيت، وما أشبهها، ثم سوء العقود النفطية التي عقدتها الحكومة، أو الإقليم، لمما يدلُّ على حتمية الرشا الفاضحة، وإلا، فليس معقولا أنه لم يكن بين كل أعضاء الوفود، اقتصاديون متخصصون، أو استشاريون، يمكن الاعتماد عليهم، والثقة بهم إلى هذا الحد، فكلهم سياسيون خبراء، يلعبون بالبيضة والحجر، ويتلاعبون بإخوانهم كما يلعب الطفل بالطير، فكيف تغلبهم شركات القطاع الخاص/ أيا كانت\ بدون أن يستلموا الرشا السادة للأفواه، والمغلقة للعيون؟!

ثم كيف تُشغل كل العمال  عند الدولة؟!

وحينما لا تستطيع تشغيل كل العمال عند الدولة، ، بل تستطيع تشغيل البعض، فستعمل الرشوة والوساطات، عملهما السحري.

ولو حدث تشغيل كل القادرين على العمل لدى الدولة، ، فمن الذي سيشتغل عند القطاع الخاص المدلل؟!

وإذا خلقْتَ فرص عمل لكل القادرين على العمل، المحتاجين إليه، الراغبين فيه، فكيف سيتحكم القطاع الخاص، في أجر العامل ووقت تشغيله؟!

ولماذا تستورد عمالا أجانب؟!

هل هناك سبب غير تشغيلهم عند القطاع الخاص بدل عمال بلدك؟!

ولماذا يُشغلهم القطاع الخاص؟

هل يُحبهم مثلا؟!

إنه يستغلهم، فإن أحببْت، اشتغلْتَ مثلهم، وإلا فلا حاجة للقطاع الخاص بك، فهناك بدلاء عنك من العمال الأجانب، ولا سيما من لا يملكون الإقامة، أو حق الإقامة.

ثم لو تم تشغيل كل الشباب القادرين على العمل، الراغبين فيه، عبر خلق فرص عمل مناسبة لهم في أي قطاع كان، فكيف ستستمر موجات  هجرة العقول/ العلماء\ والقوى الفاعلة الأيدي العاملة الخبيرة؟!

هنا نتساءل:- هل فهمنا معنى الفساد، وأدركنا أنه (الخصخصة)؟!

أرجو ذلك.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل