/
/
/
/

تعكس حالة الحيرة والتخبط في تباين تفسير  الانفجارات التي وقعت في مستودعات و معسكرات " الحشد الشعبي " طوال الأسابيع القليلة الماضية افتقار العراق لوسائل دفاع متطورة تمكنه من ضبط أي هدف معادٍ قبل وصوله إلى أهدافه وإسقاطه على الفور . ومازالت مُسيّراتها  ومقاتلاتها تسرح وتمرح في سماء العراق ، وتتوالى ضرباتها وكان آخرها على الحشدالشعبي في قضاء القائم والذي أسفر عن إستشهاد أحد عناصره وجرى تنفيذ الضربة  الأحد الماضي .     
ليس مستعصياً بطبيعة الحال على المتتبع لأوضاع العراق الراهنة وتاريخه السياسي القريب فهم الأسباب التي أفضت إلى هذه الحال المأساوية التي غدا عليها جيشه الوطني  ، بيد أن هذا  الجيش الذي كان يُعد في عصر ما من أقوى الجيوش العربية الذي يحسب له  العدو الأسرائيلي ألف حساب لا بما يمتلكه من عدة وعتاد فحسب  ، بل ولما عُرف عن تمتع ضباطه وجنوده بكفاءة عالية وجاهزية مبنية على عقيدة قتالية مبدئية صادقة ضد العدو الأسرائيلي واتصاف بالشجاعة والتضحية والغيرة الوطنية وقد شارك ببسالة في ثلاثة حروب عربية ضد إسرائيل رغم خذلانه من أنظمته المتعاقبة بدءاً من نكبة 48 بالعبارة العامية العراقية الشهيرة عربياً " ماكو أوامر " و التي تفضح ذلك الخذلان ..  نقول بيد أن هذا الجيش جرى تدميره تقريباً على يد الدكتاتور المقبور صدام حسين في حروبه ومغامراته العسكرية الطائشة التي لا ناقة للعراق فيها ولا بعير ، بدءاً من حربه على الجارة إيران التي استمرت ثماني سنوات متواصلة حرثت الأخضر واليابس ( 1980 - 1988 ) ،  ومروراً باحتلاله الكويت عام 1990 ، أي بعد عامين فقط من انتهاء تلك الحرب المجنونة الطويلة التي خرج منها الجيش منهكاً  ، فحرب طرده من الكويت على يد تحالف دولي - عربي تقوده أمريكا عام 1991 ، وانتهاء برفضه التخلي عن الحكم والخروج من العراق وتحديه الأخيرة بمنازلتها  و بدفنها  على أسوار بغداد على حد تعبيره الواهم ، ثم جاءت ثالثة الأثافي بقرار الاحتلال الامريكي غداة إسقاطه نظامه في 2003  بحل الجيش برمته  ، وأخيراً ما واجههه الجيش الفتي الجديد بقدراته الدفاعية المحدودة مسنوداً عسكرياً بالحشد الشعبي وسياسياً بقواه الوطنية وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي ، من انهاك طوال الأربع سنوات الماضية العجاف في حربه التحررية لتطهير الوطن من رجس عصابة تنظيم داعش الإجرامية ودويلتها المزعومة " دولة الخلافة الإسلامية " بعد تمكنه من دخول العراق من ثغرة " دفرسفوار الموصل " بسهولة حيث سقطت حاميتها لأسباب خيانية وفسادية معروفة في ظل حكومة المالكي ، وليتمكن بعدئذ هذا التنظيم الارهابي من أن يعيث فساداً في العراق قتلاً وتقتيلاً وذبحاً وتخريباً طاول العباد والعمران ومعالم وكنوز البلاد  التراثية والحضارية والعلمية والدينية العظيمة .  
ولما كانت إسرائيل عاجزة - لأسباب تاكتيكية مؤقتة - عن شن عدوان تأديبي شامل على لبنان يوجه ضربة قاصمة لقوات ومواقع حزب الله ، كعدوانه في 2006 ، رغم ضرباتها الإستدراجية الأخيرة في الضاحية قبل ثلاثة أيام  بطائرتين مسيرتين ، ولما كان قائده السيد حسن نصر الله أعتاد في خطبه إستفزازها بين الفينة والاخرى بالإعراب  عن امتنانه الشديد للدعم الإيراني غير المحدود  لحزبه مالياً وعسكرياً ، ولما كانت إسرائيل نفسها  كذلك حذرة - إلى حدما - من توجيه ضربات عسكرية لإيران ، لا سيما وهي ترى حذر وتردد حليفتها أمريكا من المسارعة في الإقدام على خطوة متهورة كهذه غير مأمونة العواقب بذريعة  تنامي خطر امتلاكها السلاح   النووي ، وقد كان رئيسها ترامب قد تراجع في اللحظات الأخيرة عن الرد على إسقاط إيران لطائرة دورن إمريكية ، لكل هذا وذاك وجدت في الظروف الراهنة التي يمر بها العراق داخلياً من فوضى خلّاقة متمثلة في الإنقسامات الطائفية التي جرى  تجييرها لفرض عُرف المحاصصة الطائفية ، وفي الفساد المطنب في مفاصل الدولة كافة ، وبضمنها السلطة التشريعية بما انعكس كل ذلك في ضعف الدولة الجديدة بحكوماتها المتعاقبة منذ إسقاط النظام المدحور .. نقول وجدت سانحتها  المواتية لتنفيذ انتقامها من إيران من خلال ضرباتها  للحشد الشعبي المدعوم إيرانياً والذي يتشكل من فصائل مسلحة لتنظيمات متعددة معظمها موالٍ لإيران بدرجات متفاوتة خوفاً من تنامي قوته على غرار حزب الله اللبناني كذراع ضارب ثانٍ  لإيران داخل العراق وفق مخطاطاتها باللجوء إلى الضربات الاستباقية لإرضاء ووساوسها الأمنية التي اعتادت الإقدام عليها دائماً منذ تأسيسها على أراضي فلسطين العربية عام 1948 .  والتي تشمل - كما نعلم -  أيضاً تصفية علماء وأساتذة علوم الذرة العربية اغتيالاً حتى لو لم يكن لهم أية صلة بالأنشط والأبحاث العسكرية .
والحال فإن العراق يجد نفسه اليوم في الظروف الراهنة البالغة الحساسية والدقة متروكاً وحده لمواجهة مصيره بنفسه بمعزل عن مصالح  إيران ومصالح أصدقائها فيه ، فليس وارداً  البتة في مخططات القيادة الإيرانية تزويد الحشد الشعبي أو الجيش العراقي بأدنى الأسلحة الدفاعية الجوية الممكنة  لتمكينهما من صد ما تملكه إسرائيل من أسلحة هجومية متطورة لتنفيذ اعتداءاتها على العراق ، كالصاروخ  الذي أسقطت بواحد منه إيران طائرة دورن إمريكية في سماء الخليج ، ولن تسمح الولايات المتحدة أصلاً ولا صديقتها إسرائيل بمثل هذا الدعم في ظل الأوضاع الراهنة الشديدة التوتر إقليمياً ودولياً  وهي أوضاع  تأتي في ظل أكثر الحكومات يمينيةً وعنصريةً في أمريكا وإسرائيل وشعبويةً في اوروبا ، بل وليس المراهنة أصلاً على إيران هي الخيار الاستراتيجي العسكري السليم الذي ينبغي أن يعوّل عليه العراق  . وحتى بافتراض تحققه فلن يتحقق بدون دفع  ثمن سياسي وحتى مالي ؛  ولعل تجارب الدعم العسكري الدولي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن ما من دعم قدمته دولة عظمى أو دولة متواضعة القوة عسكرياً جاء بلا ثمن سياسي أو مالي ، والذي غالباً ما يأتي على حساب حرية واستقلال قرار وإرادة الحزب المدعوم أو الدولة المدعومة في هذه القضية أو تلك القضية . ومازالت الإمكانيات الهائلة المتوفرة للجيش والحرس الثوري الإيراني بل ولحزب الله اللبناني تفوق بكثير قدرات الحشد الشعبي والجيش العراقي الفتي الجديد المرهون حجم ونوع تسلحه بالدرجة الأولى لإمريكا والغرب .
إذن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا ما العمل وكيف يدافع العراق عن سيادته ويحمي سماء وطنه وأرضه من الاستهداف  ؟ 
   لا شك بأن توفير مستلزمات قدرة العراق على الدفاع عن نفسه في مواجهة إسرائيل بالغ التعقيدات والمعوقات في ظل الأوضاع الراهنة ، لكنها غير مستحيلة ورحلة الألف ميل تبدو بخطوة وحدة متى  توفرت الإرادة الوطنية الحقيقية الخيّرة لدى كل القوى التي يعز عليها بما آل إليه وطنها من كوارث واستباحات متتالية على مدى 40 عاما بالتمام والكمال منذ أن قفز الدكتاتور صدّام حسين إلى قمة الحكم  عام 1979، وهي تبدأ بتوفير مستلزمات تماسك الجبهة الداخلية الحصن المنيع لإفشال مخططات الاعداء الداخليين والخارجيين على السواء ، وانتهاج سياسة خارجية واقعية مستقلة تقوم على التعايش السلمي مع الدول ذات الأنظمة السياسية المختلفة وفي مقدمتها دول الجوار والدول العربية عامةً بما يلبي بندية متكافئة المصالح الوطنية العليا للعراق  بمنأى عن الأدلجة وتدخلات الأحزاب الدينية ذات النفوذ المتموضع من خلال  المحاصصة الطائفية داخل الحكومة ، لاسيما حينما تكون بعض هذه الأحزاب - بوعي منها أو بدون وعي - أداة مطواعاة تحت التأثير الإيديولوجي الديني المشترك  لبعض القوى الإقليمية المجاورة ةالتي غالباً ما توظفه لخدمة أجندتها في المنطقة والتي قد يتصادم الكثير من مواقفها ويتناقض  مع المصالح الوطنية العليا للعراق . ولعل ما يجدر ذكره على سبيل المثال ، أنه تحسنت نسبياً العلاقات العراقية السعودية وهو  ما يصب في مصلحة البلدين الجارين الشقيقين الذين سعدوا بهذا التحسن واستقرار مصالح وعلاقات الشعبين بينهما  حتى تعرضت العلاقات العراقية - البحرينية أواخر أبريل / نيسان الماضي  إلى هزة خطيرة كادت أن تلحق أبلغ الضرر بمصالح وعلاقات الشعبين الشقيقين الذين تربطهما وشائج قوية غنية عن البيان . ومن هنا تكمن الأهمية الملحة لانهاء العُرف الذي تكرس لفرض المحاصصات الطائفية في التشكيلات الحكومية المتعاقبة ، وكذلك إلحاق مستودعات ومعسكرات الحشد الشعبي بالمؤسسة العسكرية ودمج قوات  الحشد الشعبي في تشكيلات الجيش كأفراد تحت اُمرة وزير دفاع مستقل يتمتع بالكفاءة ورئيس حكومة وطني مستقل ، وبحيث يتم كل ذلك في إطار من التوافق الوطني يسعى إلى بناء الدولة الجديدة على اُسس مدنية علمانية ديمقراطية حقة مرجعيتها دستور عقدي يمنح  التعددية ويكفل  تطبيق مبدأ  الإنتخاب الحر النزيه  والفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث وقيام مؤسسات مجتمع مدني حرة مستقلة وصحافة حرة   .. إلخ . إن قيام دولة جديدة كهذه هي التي من شأنها أن تكون محصّنة من آفة الفساد إلى أدنى درجاته بعد اجتثاث ما تراكم منه  من جبل تغوله واستفحاله ناسجاً في بحر عقد ونصف فقط إخطبوطاً من مراكز القوى  الفسادية داخل الدولة و متدثراً بمختلف التناقضات الطائفية والصراعات الحزبية التي يجيد أساطين الفساد الرقص على حبالها وتغذيتها والهاء الجماهير  وإشغال القوى الحية بها على حساب المصالح الآنية للشعب وبخاصة السواد الأعظم من كادحيه ومستضعفيه ومعدميه . وبدون إعادة بناء الدولة على اُسس كهذه سيظل العراق للأسف الشديد يجتر كوارثه كصخرة سيزيف في تعاقب المصائب واجترار الكوارث .  .    

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل