/
/
/
/

بات الإصلاح والتغيير المطلب الأول في الشارع العراقي في السنوات الأخيرة أو بالأحرى الأشهر الأخيرة فإذا كان الإصلاح أو التغيير يحتاج إلى مشاركة مؤسسات المجتمع المختلفة فإن دور منظمات المجتمع المدني في العالم العربي يثير تساؤلات عدة ليس فقط حول القدرة الفعلية لتلك المنظمات على دفع عملية الإصلاح في البلدان العربية وإنما حتى حول ما تطرحه من مفاهيم ولدت للمرة الأولى في مجتمعات تختلف جذريا عن المجتمعات العربية وعلى رأسها مفهوم المجتمع المدني نفسه، فالمجتمع المدني في البلدان الديمقراطية يتجلى في مشاركة حقيقية للمواطنين في صنع القرار والقدرة الفعلية على مراقبة تنفيذه وضمان الشفافية في إدارة الشأن العام وتسليم تام بالتداول السلمي للسلطة وهو ما تحقق لهم كنتيجة لمراحل طويلة من الكفاح ضد استبداد الدولة فهل توجد بالفعل مؤسسات للمجتمع المدني بهذا المفهوم في العالم العربي؟ وما طبيعة علاقة الدولة العربية بهذه المؤسسات؟ وما أدوات الحوار بينهما؟ وكيف تمول المنظمات العربية غير الحكومة نشاطاتها؟ وهل تؤثر مصادر تمويلها على مصداقية نشاطها؟ وما التحديات والعقبات التي تواجهها من أنظمة الحكم في بلدانها أو من الضغوط الخارجية؟ هذه التساؤلات وغيرها حول منظمات المجتمع المدني ودورها في الاصلاح والتغيير.
ما المجتمع المدني؟
في البدء يمكن القول إننا حين نتحدث عن " المجتمع المدني " يتبادر الى الذهن ذلك المجتمع غير الخاضع للمؤسسة الدينية، أي مجتمع علماني، ومن جهة ثانية مجتمع غير خاضع للسلطة العسكرية (المجتمع العسكري)، وثالثا مجتمع مستقل عن المؤسسة السياسية وعن أجهزة الدولة الدائمة.
ونستطيع، إذاً، أن نستنتج من الاطروحة اعلاه، وهي اطروحة خام، لا يمكن الاركان اليها كتعريف جامع، بأن عبارة " المجتمع المدني " تعني ذلك المجتمع الذي ينشئ كيانه الذاتي ويحافظ على قوانينه ويصوغ مبادئ تنظيمه واشتغاله، ويقيم قانونه أو عقده الاجتماعي الخاص به والمميز له. إن هذا التصور، المتطابق مع مواقف طليعي القرن الثامن عشر، يتفق وأفكار معينة من قبيل التحضر والاحترام وكذا فكرة القانون المدني. وبحسب هذا الافق المعرفي فإن المجتمع المدني هو عبارة عن مجتمع يتألف من مواطنين أحرار، يستطيعون وقادرين على العيش معا وبشكل مشترك، بحسب القواعد التي اختطوها، والتي أصبحت عادات لا يمكن تجاوزها.
ينبه التداول الواسع لمفهوم المجتمع المدني في الخطاب المعاصر، وخصوصا في الخطاب الثقافي العربي، الى ضرورة العمل على المستوى المفاهيمي لتأصيل المفهوم عبر «اعادة صياغة المفهوم وتحديد مدلولاته النظرية والعملية، مما يستدعي رصد مكوناته المعرفية، والعودة الى الفضاء الزماني الذي شهد ولادته، ورسم الملامح العامة للتطورات والتمايزات التي طرأت عليه في سياق صعود اوروبا البرجوازية الصناعية باقتصادها وفلسفتها والحركات والثورات الاجتماعية التي ساهمت في تكريس قطعية متعددة الوجوه مع عالم العصور الوسطى.. التقاط الجوهري والدال في مسيرة تمتد ثلاثة قرون.... حيث تكون المفهوم في إطار الفلسفة الليبرالية ومفرداتها: الميثاق او العقد الاجتماعي، مقابل نظرية الحق الالهي للملوك ـ التعددية السياسية مقابل الحكم المطلق ـ الحريات العامة في الحياة والملكية والعمل والرأي والمعتقد، مقابل حرية الأقلية الارستقراطية.... حق المواطنة تجاوزاً للانتماء الضيق: ديني، مذهبي، اثني، عرقي السيادة للشعب فصل السلطات.. الخ».
لم تكن ولادة منظمات المجتمع المدني العراقي ولادة طبيعية وسهلة رغم تاريخ نشأة هذه المنظمات الذي يعود لبدايات القرن الماضي. لقد شهدت الفترة التي أعقبت احداث عام 2003 تأسيس المئات من منظمات المجتمع المدني في عموم العراق مع عدم فعالية بعضها. ولا يخفى على احد الدور الكبير الذي لعبته المنظمات الدولية التي عملت في العراق بعد التغيير من تقديم يد العون والمساعدة لإعداد كبيرة من المنظمات تمثلت في التدريب وإعداد كوادر المنظمات في دورات داخل وخارج البلد وتمويل البرامج والأنشطة التي ساهمت بشكل ملحوظ في بناء هذه المنظمات. لقد استطاعت منظمات المجتمع المدني وخلال فترة زمنية قصيرة من لعب أدور مهمة وأساسية شملت تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب واعمال العنف وتوفير الدعم القانوني للفئات المهمشة والمستضعفة ونشر وترسيخ مبادئ السلام والتعايش السلمي وثقافة حقوق الإنسان والمساواة في النوع الاجتماعي وتمكين المرأة ومكافحة الفساد ومراقبة الانتخابات البرلمانية ومجالس الحافظات وغيرها الكثير من المواضيع. لكن ورغم هذه الأدوار المهمة واجهت العديد من منظمات المجتمع المدني العراقي الكثير من المشاكل والتحديات والمصاعب نتيجة للوضع السياسي والأمني الذي تمر به البلاد وانحسار مصادر التمويل النزيه الذي يشكل عصب الحياة لهذه المنظمات، والفساد المالي الذي نخر مصداقية بعضها.
تساهم مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في العديد من النشاطات السياسية العامة، والاجتماعية، والتربوية، والثقافية، والإعلامية، والقانونية. ففي مجال دعم العملية السياسية والتحول السلمي للسلطة تعمل مؤسسات المجتمع المدني على تثقيف المواطنين على الحقوق السياسية كالتصويت والانتخاب والترشيح للمناصب السياسية، والتعريف بالمفاهيم الدستورية والانتخابية والحقوق العامة، وتوضيح علاقة المواطن بالدولة وكيفية التعبير عن حقوقه وواجباته، وشرح دور ومهمات السلطات الثلاث في الدولة، وتتبنى ثقافة نبذ العنف ومركزية الرأي.
وفي المجال الإعلامي، تواصل مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية مطالبها المشروعة من خلال وسائل الإعلام المتاحة لتخصيص مساحات إعلامية للتعريف بمؤسسات المجتمع المدني، وضرورة إنشاء إذاعة وصحيفة توعية الشعب بدور مؤسسات المجتمع المدني ومساهمتها في بناء هذه المؤسسات، وتشريع قانون يضمن حماية الصحفيين، وتوجيه الإعلام حول تثقيف علمي مفهوم والمساواة وإشراك المرأة في صنع القرار، والدعوة إلى توجيه الإعلام إلى كيفية إعادة بناء روح المواطنة.
وفي المجال القانوني والقضائي تسعى مؤسسات المجتمع المدني إلى مراقبة حسن تطبيق القوانين التشريعات والإجراءات المختلفة في الدوائر القضائية ومفاصلها، وتوجه الإعلام نحو بيان المزايا والعيوب التي تعتري التشريعات العراقية مع وضع التشريعات البديلة أو تعديلها، وإعداد برامج قانونية تبث عبر وسائل الإعلام تعمل على تثقيف المواطن قانونياً.
منظمات المجتمع المدني بما تشمله من (جمعيات، اتحادات، روابط ونقابات، تعاونيات، وهيئات...) هي تنظيمات تطوعية حرة غير حكومية، ملتزمة برعاية مصالح الأفراد وتعظيم قدراتهم للمشاركة في الحياة العامة وفق معايير الاحترام والتراضي والتسامح وقبول الاختلاف بين الذات والآخر، وقد اختلفت وتعددت أدوارها بين منظمات حقوقية غرضها حماية حقوق المواطنين والدفاع عنهم، ومنظمات للنهوض بالبيئة والصحة ونشر الثقافة، ومنظمات تسعى لمكافحة الفقر والبطالة، وأخرى تعتني بالمرأة والشباب والطفولة، وجمعيات خيرية تسهم في التنمية الاقتصادية، ومنظمات تهتم بمراقبة الحكومات ودفع التطور السياسي وإيجاد السبل المناسبة لتوعية الناس ومساندة القرارات المطورة للبلد ومحاربة التطرف والإرهاب، يتحدد نطاق عملها في تقديم الأفكار والحلول المبتكرة بغية الوصول إلى حل للمشكلات المحلية وتحسين الأداء والخروج بالمجتمع من حالة العزلة وتلبية احتياجات شريحة واسعة من الناس إضافة إلى إشراك الأفراد بقضايا مجتمعهم، بحكم هذه الطبيعة تصبح أكثر ديمقراطية من النمط الحزبي التقليدي وأقدر على رسم ملامح المستقبل؛ كونها أكثر انفتاحاً على البهجة وأقل كآبة من الممارسات الحزبية وأكثر قرباً لملامسة الواقع اليومي المُعاش.
وقد فُتحت الساحة في العراق لقيام المنظمات وتأدية عملها على الوجه المنوط به قانونياً ولعب دور بارز وثقل أكبر داخل المجتمع، فشهدت الفترات الأخيرة نشاطاً شبه ملحوظ لتلك المنظمات والجمعيات إلا أن هناك الكثير من المآخذ عليها نتيجة اختلاف النظرية عن الواقع وعجزها عن تغيير الواقع قيد أنملة أو إحداث أي حراك اجتماعي، فبرغم أعدادها المهولة في الفضاء العام لا يزال دورها محدوداً وخجولاً، فمعظمها جامد من دون حراك و من دون أية فوائد تُذكر، وبعضها الآخر تمارس نشاطها موسمياً رغم حصولها على منح مالية تفتح الشهية للعمل المتواصل لكنه لا يتجاوز بعض حلقات نقاشية هزيلة وندوة في السنة لا يستفيد منها إلا فئة صغيرة، بينما القلة منها تسير في اتجاه معالجة قضايا آنية وتكون اهتماماتها ومجال أدائها في أضيق الحدود، يضاف إلى ذلك سعي بعض منظمات المجتمع المدني إلى الربح المادي والاستثمار، وهذا ما يبرر اختفاء المنظمات والجمعيات التي تهتم بالبحوث والدراسات الأكاديمية والتثقيفية ، ويعد الفساد المالي المتفشي داخلها عائقاً يحد من نشاطها داخل المجتمع.
في ضوء المآخذ الأخرى على منظمات المجتمع المدني هو ما تعانيه من فساد إداري يتمثل في تمسكها بالإدارة التقليدية وديكتاتورية القيادة واحتكار أقلية مراكز صنع القرار غالباً ما يكونون من الأقارب والأصدقاء والمدينين بالولاء وعدم تجديد الدماء أو إتاحة الفرصة للقيادات الشابة، جاء افتقارها للجانب الديمقراطي نتيجة عملها العشوائي الفردي غير المنظم ونقص الخبرة وعدم وضوح الأهداف وتسخيرها من قبل بعض الأشخاص لتحقيق مكاسب ذاتية أو اللجوء إلى تسييسها بعيداً عن مجال تخصصها لتحقيق أغراض سياسية شخصية أو حزبية.
إن كثرة المآخذ لا تنفي حاجة المجتمع لتلك المنظمات، شريطة أن تتحلى بالشفافية والنزاهة لتشكل قاسماً مشتركاً في عملية التغيير.
وفي ختام هذا المقال نؤكد بصورة سريعة طبيعة مفهوم المجتمع المدني وبعض التصورات (العامة)
حول آليات تفعيله وعلاقته بالتطور الديمقراطي الذي سيشهده العراق في الأشهر القادمة، يمكننا الاستنتاج، بان عملية إعادة بناء الذات السياسية للفرد والمجتمع العراقي يمكن أن تنجز في إطار مؤسسات المجتمع المدني وبالتعاون والتنسيق مع كل الجهات الرسمية وغير الرسمية ومشاركة جميع الفعاليات السياسية والإعلامية وتضافر وتوحد جهود كل أبناء الشعب العراقي ذلك إن هذه الخطوة ضرورية ومهمة في إعادة بناء ما دمره حكم البعث والتي من الضروري أن تمر عبر هذه المؤسسات برأينا لتصبح واجبا أخلاقيا واجتماعيا على كل مواطن المشاركة في نشاطاتها وانسجاما من القاعدة المتعارف عليها أخلاقيا واجتماعيا التي تقول "إن ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب"، فإذا كانت عملية البناء المادي والمعنوي انسانيا في الوقت الحاضر، للفرد العراقي تعد واجبا وطنيا ومؤسسات المجتمع المدني تصبح ضرورة حضارية ومهمة لعملية البناء بوصفها آلية أو صيغة مؤسسية وتنظيمية فاعلة ومؤثرة، اثبت نجاحها في التأثير في السياسات العامة للدولة في كثير من دول العالم. ومن هنا يمكن أن نخرج بعدد من الاستنتاجات الأساسية حول دور منظمات المجتمع المدني في تعزيز البناء الديمقراطي في العراق هي:
أولا: على مؤسسات المجتمع المدني أن تعمل على جذب العناصر المثقفة والواعية الفاعلة وتشجعيهم ماديا ومعنويا للقيام بدور مجتمعي ناجح، وتنمية قدراتهم العلمية من خلال توفير وسائل الاتصال الحديثة.
ثانيـا: أن تشـكل هـذه المؤسسـات قنـوات اتصـال دائمـة وبصـورة مسـتمرة مـع المـواطنين مـن خـلال متابعـة شؤون حياتهم اليومية ومحاولة حل مشاكلهم الاجتماعية وان يبادروا إلى عقد الندوات والنقاشات حول هـذه المشاكل في قاعات الدولة العامة وغيرها والإعداد لها إعداد ناجحا وبصـورة دوريـة ومسـتمرة. وحينمـا تمثـل هذه المؤسسات (جمعيات خيرية، مؤسسات ثقافية، أحزاب، روابط، ومنتديات ثقافية، نقابات،...الخ) قنوات حقيقية للتفاعل الجماهيري، يمكن من خلالها تنظـيم عمليـة تفاعـل الأفكـار والأذواق والحـؤول دون حصـول الفوضـى فـي المجتمـع فحسب بل أنهـا سـتمكن العـراقيين بمختلـف أطيـافهم الفكريـة والسياسـية مـن ضـمان
حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضمان مستقبل افضل لبلدهم.
ثالثا: ضرورة أن تشجع هذه المؤسسات كافة أبناء المجتمع على ممارسة دورها في عملية البناء، والإعلان عن تصوراتهم وأفكارهم التي يؤمنون بها بكل وضوح وشفافية وبروح من النقد البناء والتقييم الموضوعي لنشاط هذه المؤسسات.
رابعا: أن تكون مؤسسات المجتمع المدني بمثابة الجهة التي تجتمع فيها آراء الناس ومطالبهم المتفاوتة والمتنوعة وتسيرها في قنوات حضارية وديمقراطية، ومن ثم تقييمها وتوجيهها في ضوء المشتركات بينها، بحسب ما تتطلبه طبيعة المرحلة الراهنة وبما يخدم الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.
خامسا: أن أطروحة المجتمع المدني التي تطرح نفسها كآلية مهمة من آليات تجاوز الأزمة المصيرية من تاريخ العراق المعاصر والتي يمكن لها أن تلعب دورا بارزا في معالجتها، لا يمكن لها أن تنجح إلا من خلال الشروع بتأسيس ثقافة سياسية جديدة يتجاوز من خلالها العراقيون الصفات السلبية التي أثرت في شخصيتهم، من خلال عملية تربوية ونفسية واجتماعية مكثفة يرتبط فيها عنصري التنظير والممارسة.
سادسا: على مؤسسات المجتمع المدني التي نتوسم لها مستقبل افضل أن تعالج كافة المشاكل التنظيمية الداخلية والمعوقات الأساسية التي تواجهها بأسلوب حضاري وعقلاني يعتمد على مبدأ الحوار الديمقراطي والالتزام بما تم تحديده في قانون المنظمات غير الحكومية الذي عالج في بعض فقراته الية عمل وتمويل منظمات المجتمع المدني ولاسيما مشكلة التمويل ومصادره كونها الأكثر خطورة في مستقبل نشاط هذه المؤسسات. واخير يمكن القول إن الكثير من الآراء والتصورات التي وردت في البحث قد يثبت الواقع صحتها أو خطئها، وهذا كله متوقف بالأساس على طبيعة الظروف والمتغيرات الداخلية والخارجية وإرهاصات العملية السياسية التي تؤثر ومن دون أدنى شك على مستقبل هذه التجربة بما توفره لها من مناخ قانوني ودستوري ملائم والذي تم توفيره بالفعل بموجب قانون المنظمات غير الحكومية رقم ١٢ لسنة 2010 وعلى الرغم من المزايا والايجابيات التي تضمنها هذا القانون الا انه بحاجة الى قراءة نقدية ربما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
صالح ياسر / المجتمع المدني والديمقراطية
د. عدنان عويد / قضايا التنوير
آفاق النهوض بالمجتمع المدني في العراق /تأليف نخبة من الكتاب

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل