/
/
/
/

منذ سقوط النظام الدكتاتوري المقبور عام 2003 والى اليوم، يحتدم الصراع على أشده بين الأحزاب والقوى والكتل السياسية المتنفذة حول شكل بناء الدولة وهويتها حيث ان الأحزاب المتنفذة تريدها دولة مكونات، دولة طائفية تمثل مكونا مذهبيا واحدا. وقد أسهمت في ذلك طريقة تغيير النظام بواسطة الاحتلال الأمريكي حيث افتقد هذا التغيير المشروع الوطني الديمقراطي وكذلك ضبابية مواد الدستور الذي أقر عام 2005 والثغرات التي تضمنها، لذلك تحاول كل جهة تفسير مواقفها اتجاه هذه القضية الأساسية بناء على مرجعياتها. (1)

وقد شخص بحق التقرير السياسي للحزب الشيوعي العراقي للمؤتمر الوطني العاشر الفشل في تحقيق ما تطلع اليه العراقيون بعد التغيير في نيسان 2003 من اقامة بديل مدني ديمقراطي حقيقي للنظام الدكتاتوري المقبور يقطع الطريق على أي مسعى الى إعادة بناء نظام شمولي استبدادي قمعي تحت اية ذريعة.

ومن أبرز التحديات التي تواجه بناء الدولة المدنية الديمقراطية في العراق هي:

1) الطائفية: وتعني التعصب لطائفة معينة, والطائفي هو الشخص المتعلق بطائفته بشكل متطرف ويسعى الى الإضرار بحقوق الطوائف الاخرى متخذا سلوكا يحاول من خلاله اكساب طائفته تلك الحقوق التي تكون لغيرها تجاهلا لها وتعصبا ضدها . وهو ما يقود بالمحصلة الى تفتيت بنية المجتمعات ويقضي على مبادئ الوحدة الانسانية بصورة متطرفة ترسخ الكراهية والعداوة بين الانسان وأخيه الانسان. فالطائفية منهج سياسي يقوم على تسييس الانتماء الطائفي للمواطن وادلجته في الحياة السياسية على مستوى الأفكار والمجتمعات والسلطة. (2).وأدى نظام المحاصصة الطائفية والتوافقية الى اشاعة اجواء من الممارسات التي عمقت من أزمة العراق كدولة واهمها:

  • الفساد الذي طغى حتى عد العراق من أكثر دول العالم فسادا ضمن التاريخ الحديث والمعاصر وبشهادة منظمات دولية. والأخطر مما فيه هو أنه فساد محمي سياسيا ومن دول الجوار ومن قبل الولايات المتحدة الأمريكية بقصد ادامة ما موجود من اوضاع سياسية غير طبيعية.
  • الانفلات الأمني الذي له النصيب الكبير في عرقلة بناء دولة عراقية يسودها الأمن والاستقرار، حيث ان الاستقرار الأمني ينعكس على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتشكل المشكلة الأمنية عائقا كبيرا في وجه الحكومة العراقية , واحيانا تكون الحكومة او قوى فيها هي نفسها سببا في المشكلة الأمنية بقصد التربح السياسي من غياب الأمن.
  • غياب الوطنية والتذرع بالانتماءات الأولية والمحاصصة حيث تفتقر جميع الكيانات السياسية (المتنفذة) الى برنامج وطني موحد يجمع في طياته جميع العراقيين ويكون هدفه الأساسي بناء دولة عراقية. غير ان مصالح هذه القوى المتنفذة ضيقة ذات ابعاد طائفية وقومية وهو ما يشكل عائقا كبيرا في وجهة بناء دولة تقوم على المؤسسات والمصالح الوطنية المشتركة.

 غياب النظام العام في العراق واشتراك الحكومة والأحزاب في اضعافه، فأصل واجبات الحكومة هو حفظ الأمن الا اننا نجد ان الحكومة او بعض قواها السياسية او بعض القوى السياسية العاملة على الساحة في العراق هي نفسها مصدر اضطراب للنظام العام وتهديد السلم الأهلي.

  • غياب الدولة المدنية ودولة القانون وغياب الحكم المدني من خلال احياء حكم القبيلة والدين فضلا عن حكم المتعسكرين وهو تهديد فعلي للحكومة المدنية التي تقوم على اساس فرض القانون وسيادة حكم المؤسسات الحكومية في ادارة شؤون الدولة.

 ومن خلال ذلك فإن الحكومة العراقية تواجه تهديدا خطرا يهددها من خلال حكم القبيلة والدين التي يعطيها المواطن ولاءه بدلا من تقديم ولائه للدولة. (3)

وبعد 2003 وسقوط النظام الدكتاتوري عززت سياسة الولايات المتحدة عند احتلالها العراق من الانقسامات الطائفية والأثنية حيث انقسم المجتمع العراقي الى كتل سنية وشيعية وكردية، واثبتت التجارب ان نظاما قائما على المحاصصة الطائفية السياسية يؤدي لا محالة الى خلق حالة طائفية بكل اشكالها الفردية والمؤسساتية والثقافية والاجتماعية بكل ما ينطوي عليه ذلك من سلوكيات واصطفافات.

ومن معوقات قيام الدولة المدنية الديمقراطية الممارسات التي تضيق بالآخر المختلف الذي يسعى الى مصادرة الحريات العامة والشخصية في انتهاك للدستور ومبادئ حقوق الانسان والاعراف والمواثيق الدولية ذات العلاقة وهذا لا يستقيم مع الدعوات الى اقامة دولة المؤسسات والقانون المدنية الديمقراطية.

ومن معوقات بناء الدولة المدنية الديمقراطية السعي الى فرض الرأي الواحد وتأطير المجتمع العراقي وفق طروحات (الاسلام السياسي) وممارسة الارهاب الفكري بأشكاله المختلفة ومصادرة الرأي الآخر وتشجيع وادامة النزعات الطائفية والمناطقية والعشائرية على حساب مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية.

كذلك من المعوقات مسألة الاشكاليات التي تواجه النظام الفدرالي وبالأخص التباين حول الصلاحيات بين الحكومة المركزية واقليم كردستان. (4)

لقد حاولت النخب السياسية في العراق ما بعد عام 2003 استغلال الديمقراطية المزمع اقامتها عبر قانون الانتخابات لتحقيق مصالح الفئة التي تمثلها على حساب مصلحة الوطن من جهة ومصلحة الفئات المتنافسة معها من جهة اخرى (ورفعوا شعار ما ننطيها)، وبصورة افرزت لنا معطيات لعدم استقرار العراق حيث تم تسييس ظاهرة الطائفية بصورة تعكس فشل القوى السياسية المتنفذة في ادارة شؤون البلاد. وارتباط العراق ارتباطا وثيقا بالدول الاقليمية المحيطة به والتي تضغط باتجاه استمرار حالة عدم الاستقرار في العراق والتدخل في شأنه الداخلي. ويعد التأجيج الطائفي احد الوسائل المهمة الذي يسهم في خلق التوتر بين مكونات المجتمع العراقي. كما لعب الاعلام الغربي والأمريكي بشكل خاص على وتر مظلومية القوميات والطوائف خلال الفترات السابقة كالشيعة والكرد والمسيحيين.

ومما أسهم في عدم الاستقرار في العراق نظام المحاصصة الطائفية – العرقية في توزيع مناصب الدولة الرئيسة على اساس مذهبي – قومي وما زال معمولا به (رئاسة الجمهورية للكرد ورئاسة الوزراء للشيعة ورئاسة البرلمان للسنة).

لقد انشغل اللاعبون السياسيون المتنفذون انشغالا تاما بالمكاسب كما نلاحظ ذلك في حالات الثراء الكبير التي اسبغت على معظمهم نتيجة عدم التخطيط السليم والحازم لبناء مرتكزات الدولة المدنية. (5).

كما يشكل قانون الانتخابات (سانت ليغو 1,9) تحديا لبناء الدولة المدنية الديمقراطية لأنه يهدف الى تهميش القوى الوطنية والديمقراطية الاخرى والانفراد بالسلطة وصولا الى الدكتاتورية. وان أحد المعايير العالمية التي تشكل اساس الديمقراطية المعاصرة هو الالتزام بالتداول السلمي للسلطة فلا يحتكر حزب السلطة ويحتكم في الظروف كافة لصندوق الاقتراع يحترمه ويسلم بنتائجه بعيدا عن التزوير. لا نستطيع الحديث عن الدولة المدنية دون اقرانها بالديمقراطية الحقيقية فالصفتان متلازمتان فالدولة المدنية من دون الديمقراطية تعني الاستئثار بالسلطة من قبل فصيل واحد.

وكما يرى الحزب الشيوعي العراقي في تقريره السياسي للمؤتمر الوطني العاشر (تشبث القوى المتنفذة بالسلطة وعدم نجاحها بوضع حلول تخرج البلد من ازمته بسبب طبيعتها وبقائها اسيرة  نمط تفكيرها اللاديمقراطي وآليات عملها وادارتها للسلطة وعدم استعدادها للحوار البناء والجاد ولتقديم التنازلات المتقابلة وعدم تحليها بالمرونة المطلوبة في العمل السياسي وتمسكها بنظام المحاصصة والطائفية السياسية وتكريس مفهوم دولة المكونات واستمرار المحاصصة الذي يقود الى مزيد من التشظي المجتمعي واضعاف الوحدة الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي ويشكل  ذلك مقدمات لتقسيم الدولة. ان المحاصصة الطائفية – الاثنية هي اس ازمة النظام السياسي وفشله ولا بد من الخلاص منها واعلاء شأن المواطنة ليكون اساسا لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية وعنصرا رئيسا في اية رؤية جدية الى عملية الاصلاح السياسي والتغيير.

ويؤكد الحزب ان الطريق الى دولة المواطنة والديمقراطية الحقة يتحقق عبر نضال متواصل ومتراكم وتحالفات واصطفافات وطنية عابرة للطوائف تسعى الى تحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية وترسيخ الوحدة الوطنية وعدم توظيف الدين لأغراض سياسية كما تدين اشكال التعصب وترفض الترويج للعنصرية والشوفينية والانغلاق والانكفاء على العناوين الفرعية بديلا عن المواطنة المبرأة من التخندق والتقوقع والطائفية. وكلما جرى بناء الأحزاب والتنظيمات والكتل السياسية بعيدا عن الطائفية والاثنية والمناطقية وبالانطلاق من الفضاء الوطني وتأسيسها على اساس برامج سياسية تمثل مصالح طبقات وشرائح وفئات اجتماعية أمكن تحقيق بناء راسخ للديمقراطية نهجا وممارسة...). (6)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  1. هاشم نعمة / الدولة المدنية الديمقراطية بديل الدولة الفاشلة / 13 /12/2017 ..
  2. سامر مؤيد عبد اللطيف وخالد عليوي العرداوي / الطائفية وأثرها في بنية المجتمع المدني.
  3. د. خضر عباس عطوان / العراق معضلة بناء الدولة/ جريدة الزمان 17/4/2013.
  4. هاشم نعمة / الدولة المدنية الديمقراطية مقوماتها ومعوقاتها / الحوار المتمدن 18/5/2014.
  5. م. د. رنا علي الشجيري / الاعتدال السياسي وفق منهج الدولة المدنية / كلية الاعلام بغداد.
  6. التقرير السياسي للحزب الشيوعي العراقي للمؤتمر العاشر للحزب 1-3 كانون الاول 2016.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل