/
/
/
/

الرابع عشر من تموز يوم اكتحلت فيه عيون العراقيين بشكل عام وأبناء مدينة الحي بشكل خاص وعادت البسمة على الوجوه والشفاه التي افتقدتها طيلة أكثر من عقد من الزمان، بسبب المعاناة من الاعتقالات والسجون والإبعاد والفصل من الدراسة وجريمة إعدام اثنان من شبابها. وصدور احكام قاسية على مجموعة من ابنائها، صورة انتفاضة مدينة الحي اكتمل انتصارها فجر يوم الرابع عشر من تموز الخالد عام 1958. وبعد تحالف القوى الوطنية واعلان قيام جبهة الاتحاد الوطني مطلع عام 1957، وحدة وتصميم الجماهير تحقق النصر المؤزر.
لقد انتصرت الإرادة التي ناضل من اجلها أبناء المدينة مع سائر أبناء الشعب العراقي طيلة الفترة الماضية، ودفعوا الثمن غاليا، ولكن انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية فجر الرابع عشر من تموز الخالد هو النتيجة الحتمية لمصير الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية، جاء حصد الثمار من تلك التضحيات التي قدمها أبناء شعبنا التي لم تذهب سدى طيلة العقود التي سبقت الثورة.
عاشت المدينة أوضاعا خاصة بعد ما آلت إليه نتائج الانتفاضة المسلحة التي قادها أبناؤها في كانون الأول من عام 1956 م ، وإعدام اثنين من أبطالها مطلع عام 1957 والسجن بمدد مختلفة لمعظم الذين شاركوا فيها ، ترك ظلاله على أوضاع المدينة بشكل عام ، ونفسية أبنائها بشكل خاص . إذ صارت في شبه عزلة عما يدور على الساحة العراقية ، بانحسار مدها الجماهيري
تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، التي كانت مهيمنة على الأوضاع قبل الانتفاضة ليس من السهل معرفة انتظامها أو ارتباط الخلايا فيما بينها بشكل منظم . ولكن أجهزة السلطة ما زالت تتابع وترصد التحركات لكل من تحس له نفس بالنشاط الوطني، السياسي من خلال التقارير الأمنية التي يرفعها انصار السلطة
..
اذ ورد في احد تلك التقارير .."عن تكرار الزيارات التي يقوم بها (المحامي الشيوعي فوزي الأحمر إلى مدينة الحي ، ولقائه مع مجموعة من الشباب من بينهم المرحوم ماجد عبد الأمير بقال باشي وتوثق تلك التقارير .. إن الزيارات و اللقاءات المتكررة تنصب في إعادة تنظيم الشيوعيين العراقيين في القضاء، ... ولكنهم لم يبخلوا في التركيز على تلك المراقبة ، والمتابعة لتلك النشاطات ، و الاجتماعات )
من الجدير بالذكر إن المرحوم فوزي الأحمر هو من المحامين التقدميين المعروفين و احد أعضاء لجنة معاونة العدالة التي مارست نشاطا ملحوظا في الدفاع عن السجناء والمعتقلين السياسيين في العهد الملكي ، وهو أيضا زوج شقيقة
المرحوم الشهيد عبد الرضا الحاج هويش ، المعروف من قادة الانتفاضة والمحكوم عليه غيابيا بالإعدام شنقا حتى الموت . الحياة في المدينة تسير بشكل طبيعي .. لا تظاهرات ، او اعتصامات ، أو إضرابات طلابية ، كما كان يجري قبل أيام الانتفاضة . وهم كانوا سباقون في فعالياتهم التضامنية على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي . ولربما البعض صار على قناعة بما أعلنه رئيس الوزراء نوري السعيد عام 1957 في احدى خطبه من دار الإذاعة قائلا : ما من احد يتجرأ على النظام القائم مختتما تلك الخطبة بأهزوجته الشهيرة (دار السيد ما مونه) .
لا ندري لربما هناك توجيهات كانت تصل بشكل سري حرصا على سرية العمل وتكليف العناصر غير المكشوفة ، ولكن حسب تقارير لأجهزة الأمنية تشير إلى عودة الشيوعيين في القضاء وتمكنهم من إعادة بناء تنظيمهم ، ونشاطهم السري .
صبيحة يوم الرابع عشر من تموز وكالمعتاد لابد لاحد من الأولاد في العائلة أن يستيقظ مبكرا لجلب فطور الصباح من السوق وخصوصا الخبز، وفجر ذلك اليوم كانت تلك المهمة من واجبي. وكان من السهولة الحصول على الخبز من الخبازة الوحيدة القريبة من الدار التي نسكنها، في ذلك اليوم اعتذرت عن عدم وجود الخبز و ممارسة عملها لإصابتها بوعكة صحبة .
(
وبعدها صرنا نمازحها بانها كانت على علم بموعد تنفيذ الثورة)
تركتها ذاهبا إلى عكَد الخبازات الذي تتواجد فيه مجموعة من النساء اللائي يمارسن المهنة. ولكني عشقت خبز المرحومة غزالة لجودة خبزها وتقع دارها في عَكَد الحدادين، واهتمامها بسرعة تجهيزي من الاحتياج ومهما كان عندها من الزحام،
رحم الله تلك الإنسانة الطيبة. الطريق اليها يمر عبر السوق الكبير للمدينة الذي انتشرت فيه المقاهي ومنها على سبيل الذكر ، مقهى الحاج جميل الحاج حسون الرويشد الذي يقع في رأس الشارع الذي نسكنه ، والقريب منها مقهى المرحوم إبراهيم آبه يقابله مقهى خالي دخيل شملوص ، وكان في تلك المقاهي الثلاث المتقاربات راديوهات من الحجم الكبير والتي تعددت تسمياتها وقت ذاك السيرا ، والفيلبس ، وغيرها من الأسماء .
عندما صرت قريبا من مقهى الحاج جميل سمعت صوتا غير معتاد على سماعه وكان عامل المقهى غير مكترث بسماع صوت المذياع وبأعلى صوته، سرت قليلا نحو الأمام وإذا بالصوت نفسه والكلمات الحماسية نفسها اسمعها من مذياع مقهى إبراهيم ومقهى خالي. رجعت و سألت العامل الذي يعمل في مقهى الحاج جميل عن الأمر .." ؟ قال صارت ثوره ضد الملك .." عدت إلى البيت مسرعا وفتحت الراديو بأعلى صوته كانت النتيجة أن استيقظ الوالد فزعا هو يصيح بصوت مسموع (تطلبوني بطلابه من الصبح تسمعون إذاعة موسكو والله راح أتهجمون البيت علينه من الصباحيات) ونالني منه ما نالني من الكلام الخشن
ووسيلته الأخرى التي سهل عليه استخدامها، معنا وأنا أجيب على تساؤلاته وإقناعه بحقيقة الأمر .. (بابه والله العظيم هذي مو إذاعة موسكو هذي إذاعة بغداد وبالسوَك الراديوهات كلها أتذيع هذا الصوت وأسمعت موسى عامل كَهوة حاج جميل كَاللي صارت ثورة ضد الملك). الوالد اخذ يتحكم بمزول المذياع وأيقن أخيرا ان البث هو من إذاعة بغداد وليست إذاعة موسكو او صوت العرب او غيرها من المحطات الإذاعية التي تعودنا سماعها خلسة. استيقظ شقيقي الاكبر الذي كان محكوم نتيجة الانتفاضة سنة تحت المراقبة.
ربحت المعركة مع الوالد، بالرغم من التأنيب الذي نالني، وبعض الضرب، ولا أحد سألني عن الخبز والفطور..."" ولكن الوالد اخذ يصدر أوامره علينا أشبه بأوامر منع التجوال. ممنوع الخروج إلى السوقَ ..الخلود إلى الهدوء والسكينة ، حتى تنجلي الأمور ." ، ولكن سرعان ما تبخرت تلك الأوامر والتمرد عليها .
بدأ الناس يتواجدون في الشوارع ، والازقة ، وبعض العوائل تتجمع أمام مساكنها يتصافحون ويتعانقون مهنئين بعضهم بعضا، بهذا الحدث التاريخي و يتناقلون الخبر، والحديث عن أخر البيانات التي تصدر ، من إذاعة الجمهورية العراقية ،علامات الفرح والاستبشار بالنصر صارت واضحة على وجوه أبناء ، المدينة ،بالرغم من مصير رئيس الوزراء نوري السعيد المجهول ، اخذ الناس يتجمعون في سوق المدينة الرئيس ، و أمام المقاهي ، والإنصات إلى البيانات التي تصدرها حكومة الثورة ، وقام مجموعة من الشباب بإنزال صور الملك ، والوصي التي علقت في بعض المقاهي والمحلات العامة. خرجت تظاهرات حاشدة مؤيدة للثورة، بالرغم من الهاجس الذي كان الحديث يدور عنه بسبب عدم إلقاء القبض على رئيس الوزراء نوري السعيد واختفائه المؤقت. البعض من الذين سبق لهم الاختفاء عن أنظار السلطة البائدة في مناطق قريبة من المدينة اخذ يظهر إلى العلن، وينظم الى تلك التظاهرات، جل هتافات المتظاهرين
كانت بحياة الرئيس المصري جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة وسقوط الاتحاد الهاشمي، ولا أحد خطر بباله الدعوة إلى تمجيد قادة الثورة العراقية. واليوم الخالد.
كان يوما مشهودا لم تألفه المدينة من قبل من حيث الفرح والاستبشار. عكس التظاهرات الاحتجاجية التي تجوب شوارع المدينة قبل انتفاضتها.
يوم الخامس عشر من تموز كان للتظاهرات شكل آخر من حيث سعتها في كثرة المنضوين تحت لوائها وتنظيمها ، وظهرت بيد المتظاهرين صور شهداء انتفاضة الحي البطلين علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس ، وفي عصر ذلك اليوم خرجت تظاهرة شارك فيها لأول مرة ضابط التجنيد في الحي الرئيس الأول عزت الذي نسيت اسم أبيه ، بملابسه العسكرية ، وهو يتقدم تلك التظاهرة ويبدي حماسته ، وأمام مقهى الحاج جميل ارتجل كلمة حيا فيها الثورة وقادتها ، و اعتبر انتصارها السريع جاء من خلال الدعم غير المحدود الذي قدمه أبناء الشعب العراقي ، وشكر أبناء المدينة على دورهم النضالي المشهود واعتبر انتصار الثورة حصيلة إعدام علي الشيخ حمود وعطا الدباس وسائر الشهداء . وخلال كلمته المرتجلة وجه نقدا لاذعا للمتظاهرين، بسبب الشعارات التي كانوا يرفعونها، والهتافات التي يطلقونها قائلا .. : إن ثورة الرابع عشر من تموز هي من بطولة وانجاز إخوانكم وابنائكم العراقيين في القوات المسلحة علينا من هذه اللحظة ان نحيي بإجلال قادة الثورة الإبطال عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وسائر الضباط الأحرار ، ومنذ تلك اللحظة صاح المتظاهرون (ماكو زعيم إلا كريم)
(
وكلنا جنودك يا كريم) (عمال وفلح نبنيها اشتراكية) (جيش وشعب وباك يا قائد الثورة) وكان المرحوم محمد علي جلاب شقيق المناضل هاشم جلاب يرفعه المتظاهرون على أكتافهم ليهتف لهم بأهازيجه وهوسا ته المعبرة عن الفرح والتأييد للثورة وقادتها ومعه بعض الإخوة من الشعراء ، واستمرت تلك الفعاليات بالابتهاج بانتصار الثورة طيلة ساعات النهار ، و قام بعض الشباب بدورهم في الحراسات الليلية و مراقبة التحركات للعناصر المشتبه فيها ، ومتابعة البيانات والمراسيم الجمهورية التي تذيعها محطة الجمهورية العراقية ، في الأيام الأولى للثورة. التأم شمل بعض العوائل بعودة أبناءها الذين تركوا المدينة بعد انتفاضة كانون الأول عام 1956 م هكذا كان عرس الثورة في مدينة الحي التي اكتحلت عيون بناتها وأبنائها بانتصارها يوم الرابع عشر من تموز ذلك اليوم الذي أعاد البسمة إلى الشفاه وتحقيق المنجزات الوطنية والديمقراطية . وأقدمت حكومة الثورة على إطلاق سراح كافة المعتقلين والموقوفين
السياسيين في وقت لاحق من عمرها وكان أبناء المدينة سباقون في استقبال أبنائهم ليلة إطلاق سراحهم من سجن بغداد المركزي بعد أسابيع قليلة من انتصار الثورة وكأن صورة الشاعر الراحل ابن مدينة الحي زاهد محمد زهدي ماثلة الآن أمامي وهو يقود التظاهرة التي انطلقت في المدينة ابتهاجا بإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين من أبطال الانتفاضة الباسلة لعام 1956 م
التلاحم الوطني صنع ثورة 14 تموز 1958 وعزز روح المواطنة
مجدا لثورة الرابع عشر من تموز في عيدها الخالد
وتحية إجلال وإكبار لقادتها الميامين.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل