/
/
/
/

من إلياس نصر الله

عن دار الفنون والأبحاث العلمية في القاهرة، صدر أخيراً كتاب نادرٌ بمفاهيم هذه الأيام، بعنوان "عن الاشتراكية.. مسودات لن تكتمل: السان سيمونيون – فردريك إنجلز – كارل ماركس"، لمؤلفه الطبيب المصري التقدمي الدكتور حازم الرفاعي. يقع الكتاب في 184 صفحة من القطع الكبير ويتألف من تمهيد وستة فصول، بالإضافة إلى ثلاثة ملاحق يتضمن أحدها جدولاً بأعمال ماركس وتاريخ كتابتها. ووفقاً للدكتور الرفاعي فكتابه "يُقدّم للشابة والشاب المصري والعربي مدخلاً لخلفية الاشتراكية العلمية وتضافر أحداثها مع زمانها".

أما سبب ندرة هذا النوع من الكتب فيعود إلى التطور الحاصل على الساحة الدولية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث انهارت أول تجربة اشتراكية في العالم مع سقوط الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الاشتراكية في مطلع عقد التسعينيات الماضي، وتراجعت قوى اليسار العالمي إلى مستويات متدنية، واستشرى الجشع الرأسمالي على نحو لم تشهد البشرية مثله من قبل، وتلقت الحركات النقابية في العالم ضربات أضعفت من قوتها وألغي الكثير من الحقوق التي اكتسبتها الطبقة العاملة بنضالها المستمر، وجرى تغييب الفكر الاشتراكي والتقدمي، وتمادى البعض متسرعاً واعتبر هذا الفكر "دقة قديمة"، متناسياً أن هذا التراجع أجج الصراع التاريخي بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج وطبقة الكادحين الآخذة بالاتساع يوماً بعد يوم نتيجة للاستقطاب وتركز الثروة في يد قلة قليلة. فرغم قتامة الصورة في المجتمعات الرأسمالية، إلا أننا نشهد فيها باستمرار تململاً وتحركاً يصل في أحيان كثيرة حد الانتفاضة ضد الاستغلال والقهر، سواء كان ذلك في الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية، والعالم العربي ودول العالم الثالث. هذا يؤكد أن المعركة ما زالت مستمرة بين الطرفين وأن الكادحين لم يستكينوا، وليس الفكر الاشتراكي والتقدمي سوى سلاح، بل هو أمضى سلاح، بيد الكادحين والطبقة العاملة. فوفقاً لماركس، إن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع الطبقي، وهذا الصراع ما زال محتدماً اليوم.

يقول الرفاعي في تمهيده للكتاب إنه ليس "من الممكن الإطلال على الاشتراكية من دون التساؤل عمن هو كارل ماركس؟ ومن هو فريدريك إنجلز"؟ ولا يمكن لأي من الجامعات في العالم أن تتجاهل أعمال ماركس وإنجلز. لكنه يؤكد أنه من غير الممكن استيعاب ماركس ورفيقه إنجلز إلا باستيعاب زمانهما والتعرف على حياتهما. ويضيف "إذا كنا نريد أن نتعرف على الاشتراكية، فيجب أيضاً أن نتعرف على العالم الذي نشأت فيه". ويعتمد الرفاعي في كتابه على سلسلة طويلة من المصادر الأولية عن الرأسمالية والاشتراكية ورموزهما وأعمالهم، منها القديم مثل مؤلفات ماركس وإنجلز ومنها الجديد مثل كتاب توماس بيكتي "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" الصادر بالعربية عام 2016، وكتاب مارفن كينغ عن المال والمصارف ومستقبل الاقتصاد المعولم الصادر عام 2017.

يرى الرفاعي أن الثورة الصناعية التي تفجرت منذ ثلاثة قرون هي التي وفرت المناخ الفكري والاجتماعي الذي نشأت فيه الاشتراكية. فالطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة هما نتاج الثورة الصناعية التي أدخلت الإنسان إلى عصر الماكنات الحديثة وخلاله بدأت المجتمعات في التحول من الزراعة إلى الصناعة، فلم يعد هناك مجال لاستمرار الحكم المطلق، فجاءت الثورة الفرنسية وقضت على النظام الملكي الإقطاعي وقدمت للبشرية نموذجاً يُحتذى به للتخلص من الأنظمة الملكية وحررت الناس سياسياً، لكنها أبقتهم ضحايا للاستغلال.

يقول الرفاعي، إن الثورة الفرنسية أطلقت العنان للمفكرين والفلاسفة والأدباء والكتاب الذين بدأوا يناقشون بجرأة فائقة قضايا مثل الدور المركزي والاجتماعي للدولة وأن الناس مواطنون وليسوا رعايا، لهم حقوق وعليهم واجبات، وقضايا مثل علاقة الدين بالدولة مما أدى إلى فصل الدين عن الدولة، وانتشار الأفكار الليبرالية في المجتمع الفرنسي. لم يقتصر هذا الجدل على الساحة الفرنسية، بل تعداه إلى أوروبا عامة. في خضم ذلك ظهر الاشتراكيون الخياليون أو الطوباويون أبرزهم هنري سان سيمون، وكان متمرداً ومتمسكاً بقيم الثورة الفرنسية، والذي تطورت أفكاره مع الزمن وأُطلق على أتباعه اسم "السان سيمونيون" الذين رغم فكرهم المتنور لم يتمكنوا من فهم طبيعة الطبقة الرأسمالية، ودفعتهم أراؤهم الليبرالية إلى عدم رؤية التناقض الأساسي بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة وإلى إيمانهم بإمكانية التعاون بينهما وهو ما أثبتت الأيام أنه خطأ وشبيه بصداقة الذئب مع الحمل.

وبيّن الرفاعي كيف أن أفكار الليبرالية والاشتراكية الطوباوية التي نتجت عن الثورة الفرنسية مهّدت الطريق لظهور الفكر الاشتراكي الحقيقي الذي وضعه كارل ماركس وفريدريك إنجلز، وكلاهما من ألمانيا، لكنهما انتقلا في شبابهما إلى العيش في أكثر من عاصمة أوروبية قبل أن يستقر بهما المقام في بريطانيا بعدما أبعدت السلطات الفرنسية ماركس من فرنسا عندما ضاقت ذرعاً بأفكاره الثورية، حيث تعرفا على بعضهما البعض وشكلا ثنائياً فلسفياً وثورياً لا مثيل له في تاريخ البشرية.

يتوقف الرفاعي عند نشأة ماركس وإنجلز العائلية. فإنجلز يتحدر من عائلة ألمانية ثرية افتتح والده مصنعاً للنسيج في مدينة مانشستر في بريطانيا وورث عن والده حصة كبيرة في المصنع. لاحقاً انتقل إنجلز إلى بريطانيا وقضى معظم حياته فيها، حيث تعرّف من خلال عمله في المصنع على الطبقة العاملة البريطانية واهتم كثيراً في مطالعة الكتب الفلسفية ومتابعة الجدل الذي كان دائراً على الساحة الثقافية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية. فيما ولد ماركس لعائلة يهودية، لكنه اعتنق في صباه المسيحية، ونشأ في ألمانيا ودرس القانون في مدينتي بون وبرلين، وقضى معظم حياته في المكتبات منهمكاً في البحث والتأليف. لكنه انشغل في شكل خاص بالفلسفة وتعرّف على كبار الفلاسفة الألمان منهم هيجل الذي تأثر بأفكاره وخصوصاً رؤية هيجل للتاريخ على أنه ناتج عن صراع بين التركيبات الاجتماعية المختلفة، فتبنّى ماركس أفكار هيجل وانطلق منها في وضع فلسفته الجديدة ورؤيته المادية للتاريخ.

وتعرّف ماركس على إنجلز وزاره في لندن في عام 1845 قبل إبعاده من فرنسا، ونتج عن هذا اللقاء أن وضع كلاهما أهم وثيقة سياسية مؤثرة في التاريخ البشري وهي "البيان الشيوعي" الذي صدر في لندن عام 1848 والذي تُرجم إلى معظم لغات العالم وأصبح شبه دستور للحركات الاشتراكية والشيوعية في العالم إلى اليوم واعتبر أن الدولة، أي دولة، ما هي إلا "لجنة لتنظيم سيادة طبقة بعينها".

وأشار الرفاعي إلى اهتمام إنجلز بجمع أعمال ماركس وأرشفتها، إذ توفي ماركس عام 1883 وعاش إنجلز بعده مدة عشر سنوات تقريباً. فجمع إنجلز كتابات ماركس غير المكتملة وأصدر على نفقته الخاصة المجلدين الثاني والثالث لكتاب "رأس المال" الذي رغم أنه يحمل اسم ماركس، إلا أن الجزأين الثاني والثالث منه مشتركان، فيما أصدر المفكر الألماني كارل كاوتسكي الجزء الرابع من "رأس المال" لاحقاً. لكن سرعان ما تفجرت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا القيصرية وظهر الاتحاد السوفياتي في عام 1917 كأول دولة اشتراكية في العالم، حيث تبنّت الدولة السوفياتية أعمال ماركس وإنجلز وأنشأت لهما معهداً خاصاً يحمل اسمهما وأرشيفاً ضخما لأعمالهما في موسكو. وذكر الرفاعي أن هذا الأرشيف تمكن حتى نهاية عقد العشرينيات الماضي من جمع 175 ألف وثيقة منها 15 ألف مسودة.

وتوقف الرفاعي قليلاً عند الأممية الأولى التي ساهم ماركس في تنظيمها وشارك فيها مندوبون غير متجانسون فكرياً من بلدان أوروبية مختلفة وانعقدت عام 1864 في لندن. حيث انبثقت عن المؤتمر الأول للأممية لجنة مصغرة كان ماركس عضواً فيها ولعب دوراً حيوياً في الحفاظ عليها، رغم الخلافات الداخلية بين المشاركين. ويقول الرفاعي أنه كان من المشكوك فيه أن "تستمر الأممية الأولى من دون ماركس الذي كان إيمانه بالدورالتاريخي للطبقة العاملة البروليتاريا هو سبب استمرار المنظمة". والسبب في ذلك تباين وجهات النظر بين المشاركين، لكن ماركس ومعه إنجلز أيضاً كانا جزءاً من المناخ العام في أوروبا، وكانا شاهدين على الأزمات المتعاقبة في مجتمعاتها والانفجارات الجماهيرية التي انتشرت فيها بعد الثورة الفرنسية، خصوصاً الصراع مع الإقطاع والأنظمة الملكية والكنيسة. ويقول الرفاعي هذه الانفجارات "صاحبها ظهور جنين الوعي بظلم النظام الرأسمالي"، هذا الوعي الذي تطور بسرعة وأدى إلى ظهور الاشتراكية كتيار يرفع شعار العدالة الاجتماعية، قام أتباعه ببضع محاولات لوضع هذا الشعار موضع التنفيذ، منهم من فشل ومنهم ما زال مستمراً في محاولته، لكن الشيء الأساس في هذه المعادلة هو ما دام هناك نظام حكم رأسمالي، ستبقى هناك حتماً حركات اشتراكية تدافع عن الطبقة العاملة وتسعى لرفع الظلم الواقع عليها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل