/
/
/
/

  العقل وعي وإرادة، والإنسان العاقل وحده ملزم بأن يتعلم كيف يجب أن يكون إنساناً،من خلال السعي الى الجمال والتعطش لفعل الخير، أي التعامل مع الحياة والناس والرغبات والحاجات بشفافية، بعيداً عن منطق الشر، وتغذية وسقي العاطفة الإنسانية بالعقل والمنطق، لتتشكل فيما بعد منظومة قيمية تُشذب السلوك الإنساني، كونها قد بنيت على المُثل العليا، والمبادئ الإنسانية، وتلك لها أهمية كبرى في بناء الإنسان وتكوينه الشخصي، فهناك الكثير من الطاقات الإنسانية غير المروّضة، لاتتصف بالمنطق، ولا التعقل لأنها لم تحضَ بوجود تجربة اجتماعية عميقة بالحياة، هؤلاء بأمس الحاجة الى محطات أحتكاك وتداول وجدل، واطلاع على المسيرة التاريخية للمجتمعات، لتغذية الحواس التي تُعد بوابة الإدراك والفهم.

لو عدنا بنظرة تاريخية سريعة الى القرنين السادس عشر والسابع عشرالميلادي، بعد ظهور حركة الإصلاح البروستانتية، أدى التنافس والصراع الى حروب دينية مذهبية استغرقت مئة وواحدا وثلاثين عاما، بين عامي(1517-1648)وهذه  الحروب جرت في مساحة واسعة جدا في أوربا شملت

   المانيا، سويسرا، بوهيميا، النمسا، هولندا، انكلترا، سكوتلندا، ايرلندا، الدنمارك، وقد وصل عدد الضحايا الى أحد عشر مليون قتيل، ولو عدنا الى ما قبل هذا التاريخ، وتحديداً القرن التاسع والعاشر، لوجدنا أن البابوات كانوا على درجة كبيرة من الفساد الأخلاقي سواء في قضايا المال، أو النساء، والكثير منهم قُتل في قضايا أخلاقية مُخلّة، مع أنهم جميعاً كانوا يدّعون الرهبانية، ويعلنون أعتزالهم مُتع الحياة،  ويشيعون الزهد في الدنيا، ويمتنعون عن الزواج، ثم يرتكبون بعد ذلك أبشع جرائم السرقات، وكذلك الزنا.

ومن الأفكار التي أشاعها البابوات والقساوسة في القرن الحادي عشر، قبل الحروب الصليبية، أن الدنيا على وشك الانتهاء، وأن يوم القيامة قد أقترب، وكانوا يفسرون كل الظواهر الطبيعية أنذاك على أنها أدلة على صدق الإشاعة، ومن ذلك مثلاً حدوث بعض الزلازل والصواعق، كذلك ثورة بركان فيزوز في ايطاليا، وكان لهذه الشائعات دور كبير في هلع الناس ورعبهم، وخوفهم المفرط من ذنوبهم، وهنا كانت الفرصة الذهبية لرجال الدين لإنقاذ الناس وتخليصهم من هذه الذنوب، وقد عزف رجال الدين على هذا الوتر و بشدّة، حيث أستغلوه في توجيه الناس الى مايريدون، وقد كان من أهم الوسائل للتخلص من هذه الذنوب هو دفع الأموال للكنيسة، الأمر الذي تطور بعد ذلك الى صكوك الغفران

هناك وسيلة أخرى أشاعها القساوسة والبابوات للتخلص من الذنوب، هو التشجيع على رحلات الحج الى أرض فلسطين مهد المسيح، والتي تستغرق جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً يصل  الى سبع سنوات، وهذه الرحلات بديل عن دفع المال الكثير للكنيسة، لذا رغب بها الفقراء، وأصبحت هذه الرحلات ثقافة عامة عند الناس، لذلك أنتشر أسم فلسطين وصار متداولاً، بل أن فلسطين صارت حُلماً للكثير ممن يريد  التخلص من ذنوبه قبل انتهاء الدنيا، من هذا كله   أستنبط الفلاسفة أن الدين هو سلوك وأراء وأعتقادات لاتقبل ولاتسمح بالنقاش، مبنية بدون أدلة مادية، لاتسمح بمراجعة وتصحيح نفسها

في عام 1789حدثت الثورة الفرنسية، وسُمي ذلك العصر بالعصر الحديث لأنه كان مصحوباً بالنهضة الأوربية، حيث تم كخطوة أولى فصل الدين عن الدولة، وغياب مفاهيمه عن العقول، وأنزياح الفكر الظلامي الذي كانت ترعاه الكنيسة في الغرب

فصل الدين عن الدولة في المجتمع الغربي أدى الى إحلال الرابطة القومية بدل الرابطة الدينية، والى انحسار سلطة الكنيسة أمام سلطة العلم والفكر الحُر، وفتح الطريق لنقد الفكر القديم القائم على المثالية والأيمان، والسعي لتشكيل منهج جديد قائم على الحس والعقل، من هنا ولدت فكرة الحداثة، والتي أشتقت من التحديث، أي كل مايهدف الى تجديد القديم وتطويره، حيث أُطلقت هذه التسمية في البداية على التحولات الفكريةالتي حصلت بعد النهضة الأوربية، فيما بعد أصبحت الحداثة مدرسة عريضة تشمل كل جوانب الحياة ومجالاتها أدباً وفناً وسلوكاً وثقافةً وفكراً، وقد كانت هذه الخطوات في غاية الأهمية لأنها مهدت الطريق الى الرُقي والازدهار الحضاري والأقتصادي والعلمي

أصبحت التجربة السوسيولوجية الأوربية تاريخياً واضحة المعالم بشقيها(الديني-العلمي) لذا تشبثت أوربا بالعلم الذي أنطلق بهم بسرعة الضوء للتطور المذهل، لكنهم صدروا تجربتهم الدينية التي تخلوا عنها دون رجعة الى البلدان الأسلامية، فصنعوا القاعدة بأفكار أوربية أمريكية، وأموال خليجية، بعد ذلك داعش، وهم ذاتهم، غيّروا الأسم فقط، وكانت النتيجة كالأتي: أن أسرائيل التي لا يزيد عدد سكانها عن ثمانية مليون نسمة فقط

1: تُدير وتملك أغلب بنوك العالم

2: تدوير لتسعين بالمئة من مياهها

3: أصبحت الدولة الأولى بالتطور التقني بالزراعة

4: تطورت بشكل مذهل بصناعة السيارات القيادة الذاتية

5: أستثمارها بالأمن السيبراني عشرين بالمئة من حجم الأستثمار العالمي أي أنهم تجاوزا مئتين بالمئة ضعف حجمهم 

6: شركاتهم تغزو العالم، أمريكا، المكسيك، الهند، أفريقيا، الصين

7الأحتياطي النقدي الأسرائيلي 110 مليار دولار:

أما المحصل بالمقابل بتلك الدول الأسلامية التي صدروا لها تجربتهم الدينية

1: سبعين مليون عربي تحت خط الفقر

2: ترليون ومئتين مليار تكلفة الفساد في الدول العربية

3: ستمئة وأربعين مليار دولار سنوياً خسارة في الناتج المحلي

4: تسعمئة مليار دولار دمار بنية تحتية

5: ثلاثين مليون عاطل عن العمل

6: أربعة مليون قتيل

7: ثمانية مليون نازح

8: أربعة عشر مليون لاجئ

بعد كل هذا يأتي من يسألك: هل أنت مسلم أم مسيحي؟؟؟

هل أنت أيزيدي أم صابئي؟؟؟

هل أنت شيعي أم سني؟؟؟

هل أنت عربي أم كردي؟؟؟

ويبقى الجواب: أنا مجرد أنسان، وهويتي هي إنسانيتي.

 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل