/
/
/
/

 ولدت الطبقة العاملة في العالم الحديث كناتج للتطور الحضاري ونشوء المدن الكبيرة بعد انحسار دور الاقطاعيات الزراعية في اوربا ، كما اشار عالم الاقتصاد البريطاني فريدريك فون بقوله ..(نشأت المدن لتكون محل اقامة مجتمع لا يعتمد في حياته على الزراعة وانما يعتمد على الصناعة والتجارة)، وترافق نشوء هذه المدن مع بداية الثورة الصناعية في اوربا في القرن الثامن عشر وتحديدا في بريطانيا كونها كانت اكثر دول اوربا تقدما في المجال الاقتصادي وقد ساعدها على ذلك هو بعدها الجغرافي عن الازمات والمشاكل التي كانت تعيشها اوربا ، واكتشاف الفحم الحجري فيها ، لكن سرعان ما انتقلت هذه الثورة الصناعية لتشمل اوربا بأكملها وخصوصا بعد اكتشاف قوة البخار والطاقة الكهربائية ، وكان لهذا التطور السريع الذي شهدته اوربا ادى الى نشوء طبقة اجتماعية جديدة فيها تمثل شريحة العمال والحرفيين داخل هذه المدن،  شكلت الركيزة الاساسية لبقائها وديمومتها ، على الرغم من ان هذه الطبقة كانت تعاني من التهميش والاستغلال من قبل اصحاب رؤوس الاموال ومالكي وسائل الانتاج ، فنتج عن ذلك صراع طبقي بين فئات تلك المجتمعات وظهور نظريات وحركات قد تبدو غريبة في طرحها بعض الشيء ، لكنها تعكس الواقع الصعب والمرير التي كانت تعيشه الطبقة العمالية آنذاك ، ومن هذه التوجهات هي (الحركة النقابية) التي ظهرت في اوربا في بداية القرن التاسع عشر وسميت (بالسندكالية)،  ومن اهم منظريها (برودن وجورج سوريل) وطرحت نفسها كمذهب سياسي واقتصادي يهدف الى التغيير الاشتراكي، لكن ليس على طريقة الاشتراكية الشيوعية بل تهدف الى السيطرة على معامل الدولة ومؤسساتها ،عن طريق سيطرة العمال على وسائل الانتاج ويصبح النظام السياسي غير ذي جدوى ،عن طريق تأسيس اتحادات عمالية مرتبطة مع بعضها البعض ، وقويت شوكة هذه الحركة وانتشرت مفاهيمها بين الاوساط العمالية في اوربا الغربية في النصف الثاني من نفس القرن ، الا انها اصطدمت بالنظرية الاشتراكية الشيوعية التي كانت اكثر رصانة وواقعية في الطرح ، كونها تؤمن بامتلاك الدول لوسائل الانتاج والطبقة العاملة هم الجزء الاساس في ادارة هذه الدولة .

  وبانتصار الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 تلاشت النظرية السندكالية وحلت محلها الاشتراكية الشيوعية ، التي اخذت على عاتقها المطالبة بحقوق الطبقة العاملة، وقد نشأ اول اتحاد عمالي في العالم عام 1790 في بريطانيا، ثم تأسس اول اتحاد دولي للعمال عام 1884،لا انه لم يتم الاعتراف دوليا بوجود وحقوق هذه الطبقة الكادحة الا في عام 1919 حين تأسست (منظمة العمل الدولية) كحماية لحقوق العمال ، وكجزء من عصبة الامم المتحدة ، ونتيجة لهذا التطور السريع الذي طرأ على الصناعة في الغرب احتاجت هذه الدول الى اسواق جديدة لتصريف منتجاتها ، والى مصادر للتمويل بالنسبة للمواد الاولية الرخيصة فعمدت الى احتلال بعض بلدان العالم لتحقيق هذه الغرض الاستعماري ، وكان من نتائجه هو نزول القوات البريطانية على الاراضي العراقية عام 1914 وبداية الاحتلال الاستعماري الحديث للمنطقة بعد رحيل الدول العثمانية عنها مهزومة نتيجة خسارتها في الحرب العالمية الاولى عام 1918 ، وقد جلب معه المحتل الجديد جزء من ارثه الحضاري وتطوره التكنلوجي فنشأت الورش والمصانع الصغيرة في المدن العراقية ،والتي كان اغلبها تابعا لمستثمرين اجانب وشركات انكليزية ، وظهرت طبقة جديدة في المجتمع العراقي للعيان هي طبقة العمال والحرفيين، وشكلوا هؤلاء النواة الاساس لحركات واتحادات عمال العراق الذي اطل على القرن العشرين وهو عبارة عن قرية كبيرة ، يعاني الجهل والفقر والحرمان ، وقد شكلت هذه الطبقة قاعدة ثورية جديدة في المجتمع العراقي المطالبة بالحقوق والعدالة والمساواة، فكان اول حراك لها هو اضراب عمال شركة (بيت لنج) النهرية عام 1918 للمطالبة بمساواتهم بالأجور وساعات العمل مع نظرائهم من الجنسيات الاخرى ، وقد جوبه هذا الاضراب بقسوة من قبل المحتلين الانكليز ، لكن الحادثة التي شكلت نقطة التحول وخط الشروع لنهضة عمال العراق هي اضراب عمال سكك الحديد عام 1927 ضد شركات النقل البريطانية ، رفعوا عدة مطالب الى هذه الشركات والى وزارة الاشغال آنذاك ، وبإصرارهم الدؤوب على تحقيق مطالبهم ، استطاعوا الحصول على جزء مهم منها وهي (تحديد عدد ساعات العمل والعلاج الطبي المجاني) ، وعلى اثر هذه الحادثة تأسست اول جمعية لأرباب الحرف والصنائع في العراق عام 1929 ، وبعد ذلك سن قانون العمل رقم 72 لسنة 1936 والذي حدد فيه حقوقهم وواجباتهم ، استمر عمال العراق بالمطالبة بحقوقهم كجزء من حقوق شعبهم المسلوبة على مر التاريخ ، كأضراب عمال المطابع عام 1942 للمطابة بتطبيق الفقرة 72 من قانون 1936 والتي بقيت حبرا على ورق ، ومنها تحديد ساعات العمل وزيادة الاجور بنسبة خمسة وعشرين بالمئة ، ومن ثم اضراب عمال شركة دخان جعفر وعمال شركة دخان عبد العزيز عام 1953 للمطالبة بنفس الحقوق.

 وكان لهذا الزخم والحراك الجماهيري لعمال العراق الاثر الاكبر في تبلور قاعدة ثورية حية في اوساط المجتمع تجاوزت في مطالبها وطموحاتها حقوقها الخاصة وتعدت الى مفاهيم اكبر واوسع كالمطالبة بالحرية والاستقلال التام ، ونوع وشكل النظام السياسي الحاكم في العراق اضافة الى حضور البعد القومي والدولي في حراكها السياسي الداخلي ، خصوصا بعد تنامي الفكر اليساري في اوساطها ونجاح التجربة الاشتراكية وحكم البروليتارية في الاتحاد السوفيتي السابق ، وتوج هذا النضال بقيام ثورة تموز المجيدة عام 1958 والتي فجرها الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم حيث قام بتبني واحتواء هذه الشريحة الاجتماعية المهمة وجعلها جزء من مقومات الثورة وزخمها الدافع نحو التقدم والبناء، فقام بافتتاح ورعاية المؤتمر التأسيسي الاول للاتحاد العام لنقابات العمال في الجمهورية العراقية في تموز عام 1959 ، وبعدها انعقد اول مؤتمر عام لها في شباط 1960 تحت اشراف ورعاية ودعم هذه الجمهورية الفتية وقد شكلت الطبقة العمالية الركيزة الاساس لهذه الثورة والمحرك الرئيسي لها،  وحققت الكثير من الانجازات على الرغم من العمر القصير لها الذي لم يتعدى الخمس سنوات ، لذلك كانت اول القوى المستهدفة بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963 والذي قامت به اذناب الرجعية من قوميين وبعثيين ، فامتلأت السجون والمعتقلات بمناضليهم ، وكانت من اسوأ الفترات في المسيرة العمالية هي تسلط البعث على زمام السلطة في العراق،  فسعى الى القضاء عليها باتجاهين .. الاول كان بإنهاء كل فكر يعارض او يتقاطع مع اديولوجية البعث وقد عمل على ذلك بمحاربة كل التوجهات الوطنية واليسارية داخل الاوساط العمالية ومن ثم سيطرة البعث على كل الاتحادات والنقابات العمالية وبالتحديد بعد انهيار الجبهة التقدمية عام 1979 وقتل وسجن ومطاردة كل القوى الوطنية التي كانت منضوية تحتها من قبل النظام البعثي الحاكم ، والاتجاه الثاني كان القضاء على التحدي السياسي والفكري والتعبوي الذي كانت تمثله هذه الطبقة الحية من المجتمع للنظام من خلال محاولة اذابتها ودمجها ضمن منظومة اكبر وجعلها جزء من الحراك الذي يصب في صالح السلطة واهدافها ، فاصدر مجلس قيادة الثورة المنحل القرار رقم 150 لسنة 1987 والقاضي بتحويل جيع عمال العراق الى موظفين ، وبذلك انهى هذا النظام مسيرة نضالية دامت لعقود طويلة وصادر حقوق وواجبات هذه الشريحة الفاعلة في المجتمع ، ومن ثم اصبح عمال العراق وقودا لحروب النظام العبثية كحربه مع الجارة ايران واحتلاله للكويت ومغامراته الكارثية التي اوصلت العراق الى حافة الهاوية ، وكانت سببا احتلاله من قبل القوى الغربية ، أضافة الى تسخير خبراتهم وامكانياتهم لعجلته الحربية في مصانع ومنشئات التصنيع العسكري ، بدلا من تحويل هذه الجهود لبناء قاعدة صناعية تساهم في تطور والازدهار لبلد مثل العراق يمتلك امكانات مادية وبشرية استثنائية على عموم المنطقة والعالم .

  وبعد سقوط الصنم عام 2003 تخلصت هذه الشريحة كما الشعب العراقي بأكمله من حكم نظام البعث وبدأت تستعيد جزء من عافيتها، لكن بخطى وئيدة جدا حتى بعد الغاء قرار تحويل العمال الى موظفين الذي اصدرته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في 2011، والذي لم يطبق لغاية الان، فما زال الاف المعامل والمصانع متوقفة عن العمل والقطاع الخاص يعاني شبه شلل تام ، بسبب عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة للدولة في موضوع حماية المنتج الوطني والحد من الاستيراد العشوائي للسلع والبضائع ، ودعمه من قبل الدولة من خلال أصدار القوانين الخاصة بالاستثمارات والتشجيع على الصناعات الوطنية ، والحد من استقدام العمالة الجنبية الخارجية ، اضافة الى ان القطاع العام يعاني من شحة كبيرة من توفر الايدي العاملة الماهرة ، بسبب قلة وجود المدارس المهنية والمعاهد الخاصة بتخريج الفنيين العمال المهرة والحرفين ، وتوقف معظم مؤسساتها عن الانتاج لأسباب لوجستية وتنظيمية ، وكذلك تحول معظم الطبقة العاملة الى اختصاصات اخرى بسبب دخولهم المعاهد والكليات المسائية والاهلية مما ادى الى وصول هذه الفئة الى مرحلة التلاشي والاندثار في فترة العراق بأمس الحاجة لسواعد ابنائه لأعادة بناء ما دمرته الحروب والارهاب ، لذلك على الدولة الالتفات لهذه الشريحة المهمة من الشعب العراقي والعمل على اعادة احتضانها ودعمها بكل السبل والامكانات للنهوض من جديد ، من خلال اصدار القوانين واللوائح التي تنظم عملها ، واعادة تأهيل المعامل والمؤسسات في القطاع العام ، وفتح المدارس والمعاهد الفنية والمهنية التي تأخذ على عاتقها تخريج الايدي العاملة الماهرة ، ودعم القطاع الخاص الذي من شأنه استيعاب هذه الايدي العاملة والاسهام في القضاء على البطالة وازدهار الصناعة في العراق.

 و

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل