/
/
/
/

إتصفت حكومات دول جنوب حوض البحر المتوسط بتعدد مكوناتها العرقية ، وتنوع قومياتها وإنتماءاتها الدينية . لكن أغلبيتها جعلت من الشريعة الإسلامية مصدرا لكتابة دساتيرها أو ربطت طبيعة الحكم فيها بالدين ، وحتى بأحدى طوائفه ، و شكل تواجد اليهود والمسيحيين والصابئة المندائيين بين صفوف شعوبها وجودا غير محبب . لذا تماشت أغلب أحزابها الإسلامية المتشددة مع مقولة ضرورة تنظيف بلدانهم من مَن ما أطلق عليهم بأهل الذمة ، فأتبعت بحقهم شتى الأساليب والأشكال الإرهابية (خلافا لما جاءت به رسالتهم) ، بكونهم حسب إعتقادهم أن تواجدهم قد يشكل ثقلا يعيق نشر شريعة حكمهم في المنطقة ، وخاصة القاعدة وداعش والمذهب الوهابي والإخواني ( إخوان  المسلمين ). متناسين أن تلك المكونات قد تعايشت بحب وسلام مع شعوب المنطقة لقرون . ومما زاد الطين بله جنوح أغلب الحكومات إلى سن قوانين وإصدار تعليمات تربط حياة الناس الإجتماعية بتعاليم شرائعهم وتجبرهم على التقيد بها  

كما أن شعوب دول حنوب البحر المتوسط ابتلت بعد الإحتلال التركي ، بغزو أمبريالي ، بريطاني وفرنسي وإيطالي أستعمر بلدانها، حتى أن فرنسا ضمت الجزائر إليها ، بينما إيطاليا ضمت ليبيا وإعتبرتهما جزءا من أراضيهما ، وعاملت شعوب الدول التي إحتلتها معاملة غير إنسانية ، وخاصة عند سيطرتها بشكل كامل على ترابها ، فإستغلت ثرواتها ومصت دماء شعوبها عن طريق ما وجدته من إستعداد عند الكثير ، من أحزاب برجوازية صغيرة و رأسمالية وإقطاعيين لخدمة أجنداتها وتحقيق مصالحها الذاتية وفاءا لما أغدق عليهم المحتلون من مكارم  ومن حماية ﻷنظمتها من غضب شعوبها.

 لقد ساعدت تلك الأحزاب المحتلين بتقديم ما يفيد الإلتفاف على حراك الجماهير الفقيرة المطالبة بالحرية والعيش الحر الكريم بأجواء ديمقراطية حقيقية وليست شم ريحتها . ولتوسيع المطامع الإمبريالية في المنطقة ، خصوصا بعد قيام بريطانيا بإصدار وعد بلفورد وتأسيس دولة الصهاينة إسرائيل ومدها بمقومات البقاء والتوسع بالعدوان على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة  ، وتطبيقها سياسة فرق تسد بين مكونات شعوب المنطقة، خلق أجواء غير مستقرة لدى الكثير من بلدان المنطقة ، التي تتكون شعوبها من مكونات عرقية غير مسلمة.

كان أول ضحايا هذه السياسة اللإنسانية سبي اليهود وتهجيرهم إلى إسرائيل على الرغم من كونهم قد لعبوا دورا رياديا مع بقية المكونات العرقية في تنمية تلك البلدان ، بنشر الثقافة والعلم في ربوع المنطقة عام . 1948. وقبل اية إعتبارات جعلت تلك الأحزاب الشعارات القومية والدينية ستاراً لتغطية حراكها السياسي والإرهابي بحق المكونات العرقية الأخرى (المسيحيين والصابئة المندائيين). وبحجة المحافظة على التعاليم الدينية والقومية . ساعدت الدول الإستعمارية الأحزاب الإسلامية للسيطرة بمفردها على مقاليد الحكم ، فخلقوا حالة من الفوضى في الكثير من دولها ، كما حصل في العراق وسوريا ومصر وتونس ، وما جرى ويجري من تخطيط للإخوان المسلمين وبعض بقية الأحزاب الإسلامية بالتعاون الخفي والعلني مع داعش والقاعدة في ليبيا والسودان ، وما يجره التخوف من ما قد يحصل في الجزائر بفعل ذلك.

 ففي العراق إختارت الأحزاب الإسلامية والقومية طريق الحرب لإسقاط النظام الدكتاتوري في العراق والحرب الأهلية في سوريا والقمع السياسي في تركيا ، فبان بشكل واضح التعامل الصريح الملتحق والمتواطيء مع المشاريع التوسيعية للطوائف والامبريالية، وبذلك تحول العراق وسوريا وكل منطقة الشرق الأوسط لساحة مفتوحة أمام الإسلام السياسي المذهبي ، حيث في الشمال تركيا (عضوة حلف شمال الأطلسي) وفي الشرق نظام ولاية الفقيه وفي الجنوب الأتجاه الوهابي والقومي لبعض دول المنطقة ،

كل هذه الدول بنت حكوماتها على أكتاف من صَعَد سياسة الإستغلال الإجتماعي والقمعي الذي لا زالت حكومات المنطقة تمارسه ضد شعوبها ، فاتحة المجال لتغلل المتشددين الإسلاميين بين صفوف الناس ، بعض الأنظمة قد صُعد فيها وتيرة أجبار المكونات العرقية على الهجرة الداخلية والخارجية ، وخاصة بعد إسقاط الصنم في العراق وإحتلال داعش لأراضي سورية وثلث العراق ومطالبتها سكان تلك المناطق الإلتزام بنهج شرائعهم الخارجة عن أصول الرسالات السماوية تواصلا مع زيادة الإستغلال الطبقي والبطالة والجوع والفقر لدى شعوب المنطقة ، كما وضعت إتفاقيات التجارة الحرة والخصخصة وسياسات حكومات المنطقة ضغوطا هائلة على المكتسبات الإجتماعية وحقوق الإنسان بما فيها حقوق الطبقة العاملة ، فغُذيت الحروب والنزاعات الأهلية والطائفية وذيولها المحلية والإقليمية مما ساعد في تصاعد أسباب أساسية لشيوع ظاهرة عدم الإستقرار في المنطقة ، كما جاء في البيان الختامي لإجتماع قوى اليسار في المنطقة الذي عقد في بيروت مؤخرا، وكان الحزب الشيوعي العراقي من ضمنها. 

 كل ما مر ذكره كَوَنَ اسبابا مقبولة عند الكثير من الناس في المنطقة لخوض تجربة الهجرة القسرية والغير شرعية لأماكن آمنة ومنها أوروبا ، فوجدها المتشددون الإسلاميون فرصة سانحة للتغلل فيها ونشر الإسلام سلميا في دول اللجوء ، مما أضطر الكثير من الدول الأوروبية التفكير بإيقافها حفاظاً على ديانتها وتقاليدها وحضارتها ، وذلك بتشديد مراقبة حدودها ، خصوصا بعد ظهور إرتباط بعض المهاجرين بالقاعدة وداعش وبالإسلام السياسي ، حيث منهم من قام بنشاطات أرهابية في الدول الأوروبية ، بينما إستجاب البعض الآخر لما حثت عليه الوهابية و الاخوان المسلمين لنشر الإسلام سلميا ، عن طريق التكاثر، عوضا عن حد السيف الذي كان يجري سابقا ، وهكذا سيبقى الشرق الاوسط ساحة سباق بين الإمبريالية والطائفية في السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة. 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل