/
/
/
/

بعد حقبة مظلمة مرت على العراق وشعبه طوال خمسة وثلاثين عاما مارس فيها البعث المجرم وجلاوزته أعتى أشكال الظلم بدأت بعد انهيار الديكتاتورية عام 2003 مرحلة جديدة لتأسيس الدولة العراقية بشكلها الحالي وأمل الشعب العراقي في استعادة حريته وسلطاته الشرعية والقانونية وفق أسس المشروعية الدستورية التي تكفل لهذا البلد كرامته وعيشه الرغيد، فقد صوت العراقيون على دستورهم في (15) تشرين الثاني من عام 2005 لينال الثقة من غالبية الشعب ويدخل حيز التنفيذ بعدها ليصبح الوثيقة الأساس التي تنظم العلاقة بين السلطات نفسها وبين السلطات والشعب. إن أهم ما جاء به دستور العراق في المادة الأولى هو ان العراق جمهورية اتحادية واحدة ونظام الحكم فيه برلماني ولو عدنا للفقه القانوني ومفهومه للأنظمة الفيدرالية لوجدنا أنها شكل من أشكال الحكم يقوم على أساس توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية أو الاتحادية وبين الحكومات المحلية، فقد يكون الاتحاد الفدرالي بين عدة دول تتشابه ثقافاتها ولغاتها وترغب بتبني نهج حكم إداري وفق هوية مشتركة تمثل شكل ذلك الاتحاد شريطة أن يكون ذلك الاتحاد وفق أسس دستورية صارمة ومحددة وغير فضفاضة تحقق نشاطا اتحاديا مستقرا وسلسا خاليا من الاستعصاءات التي تربك نظام الحكم وأهداف ذلك الاتحاد.
جاء دستور جمهورية العراق النافذ بنظريتين للأقاليم أحدها التعامل مع إقليم كردستان العراق كإقليم اتحادي قائم بسلطاته ضمن حدود محافظات الإقليم الثلاث (سليمانية وأربيل ودهوك) وعاصمته أربيل مادة /117/ أولا، وهذا ما يسمى وفقا للمنظور القانوني بـ (الإقليم الواقع) نظرا لتاريخية استحقاقات الإقليم قبل نفاذ الدستور والأخرى بينتها المواد (116 – 117/ثانيا ) بأحقية المحافظات المتجاورة منفردة أو مجتمعة تشكيل أقاليم خاصة بها كأقاليم مستحدثة، عدا العاصمة التي منع دستور العراق وفقا للمادة (124/ثالثا ) جعلها أو ضمها لإقليم.
إن الدستور لم يمنع محافظة البصرة من حقها الدستوري في اختيار شكل الحكم فيها كإقليم إداري ضمن الدولة الفدرالية ويتطلّب ذلك إجراءات بحسب نص المادة (118) التي كانت الأساس في صدور قانون الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم النافذ المرقم (13) لسنة 2008 وبحسب هذا القانون فأن مجلس محافظة البصرة أصدر قراره المؤرخ بتأريخ 3/4/2019 بموافقة عشرين عضوا بتحويل المحافظة الى إقليم بأغلبية مريحة رغم أن القرار كان يتطلب موافقة (12) عضوا فقط من الأعضاء المشكلين للنصاب وبغض النظر عن أهلية المجلس المنتهية ولايته فقد وجه بتأريخ 7/4/2019 طلبا إلى رئاسة الوزراء للمباشرة بإجراءات إنشاء الإقليم وحسب المادة (3) من قانون رقم (13) لسنة 2008 وعلى مجلس الوزراء البت بالطلب خلال (15) يوما وإرساله للمفوضية المستقلة العليا للانتخابات للاعداد لاستفتاء شعبي بصري على الطلب خلال مدة ثلاثة أشهر من قرار مجلس الوزراء للمفوضية (م/5) ويتطلب إقرار إقليم البصرة بالاستفتاء الشعبي موافقة أكثر من خمسين بالمئة من ناخبي محافظة البصرة أي بما يعادل مليون مواطن بصري م /(6) ثم يصدر بعدها قرار رئيس مجلس الوزراء بتشكيل إقليم البصرة ونشره في الجريدة الرسمية م(8).
والسؤال المطروح هنا من الناحية الدستورية هو هل أن الإقليم سيضيف شيئا للبصرة؟ وفيما لو كانت الإجابة بنعم هل أن الكتل السياسية هناك صالحة لتحقيق أهداف ومصالح البصريين المشروعة؟ الحقيقة هنا أن الأقاليم هي محكومة بموجب دستور العراق الذي حدد الصلاحيات الممنوحة، والحقوق والواجبات المترتبة عليها، وبالإمعان في أحكام الدستور نرى أنها قد حددت الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية في الباب الرابع وبموجب المواد المحصورة بين (م/ 109- م/ 113) ونظرا لأن الدعوة إلى إقليم البصرة هي ردة فعل على الواقع الاقتصادي بصورة أساسية لأن الحديث عن الواقع السياسي لا يمكن أن يصلحه الإقليم نظرا لوجود كانتونات سياسية واقتصادية مؤهلة أن تستحكم في القرار السياسي ومقدرات البصرة وخاصة أن المفوضية المستقلة للانتخابات في البصرة مازالت تعاني من ذات التوافقات السياسية والتي تعتبر ربما النواة لأية تشكيلة حكم في الإقليم، وبرأينا لو أن التشكيلة الإدارية لحكم الإقليم أسست لإرادة سياسية تمثل مصالح البصريين فماذا سيضيف الإقليم للبصرة عما لو كان محافظة؟ إن الباب الخامس - الفصل الأول من دستور العراق تحدث عن أسس النظام الاتحادي في العراق والمكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية (م116) أما المادة (120/ثالثا ) فقد خصصت للأقاليم والمحافظات حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحاديا تكفي للقيام بأعمالها ومسؤولياتها مع الأخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها ونسبة السكان فيها. وهذا يعني أن هناك مبدأً أساسياً وهو الزم السلطات الاتحادية بحسم نسبة من إيراداتها لسلطات الأقاليم والمحافظات وفقا لحاجاتها ونسبة السكان فيها بالاعتماد على ما تملك من موارد والتي هي نفسها موارد اتحادية ذلك لأن النفط والغاز وفقا للمادة (111) الدستورية هو ملك لكل الشعب العراقي في الأقاليم والمحافظات وهذا ما أيدته المادة (112/أولا /ثانيا) بذات المضمون وإن كانت بشراكة إدارية في عملية الاستخراج لكن التصرف بها من ضمن الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية وتضاف الى الموازنة العامة، حيث هنالك فرق بين حق التصرف وحق الإدارة، كما أن المنافذ الحدودية والكمارك ما هي إلا حدود جغرافية للدولة الاتحادية وتخضع لسلطاتها وهذا له سنده بمضمون المادة (110/أولا وثالثا وسابعا) والتي أوردت أن رسم السياسة الاقتصادية والتجارة الخارجية ورسم السياسة المالية والكمركية وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات داخل الدولة الوطنية الاتحادية ووضع الميزانية العامة والاستثمارية للدولة (ككل) هي من صلاحية الحكومة الاتحادية اما مصطلح الشراكة في إدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول في الأقاليم والمحافظات وفقا للمادة (112) المشار إليها فأن الصلاحيات المشتركة الوارد ذكرها في المادة (114) كالمشاركة في رسم السياسات الاستراتيجية وإدارة الكمارك ورسم سياسات التنمية والتخطيط العام تكون بالتنسيق مع حكومات المحافظات والأقاليم، وهي هنا إدارة أيضا وليس لها حق التصرف بها ولوحدها، لأن الصلاحيات الممنوحة للأقاليم هي استثناءات من الأصل العام ومحكومة بنصوص دستورية ولا يجوز أن تتجاوز بذلك الصلاحيات الحصرية للسلطة الاتحادية حيث أن السلطات الاتحادية لها الولاية العامة على كامل الحدود الوطنية وهي المسؤولة بموجب الدستور عن حسن تطبيقها، كما أن المادة (113) اعتبرت الآثار والمواقع الأثرية والبنى التراثية الخ من ضمن الثروات الوطنية وهي من اختصاصات السلطات الاتحادية ايضاً وتدار بالتعاون مع الأقاليم والمحافظات.
إن الدستور منح الأقاليم مزايا اقتصادية هي ذات المزايا الممنوحة للمحافظات اللامركزية ولم يعط للأقاليم ميزة أضافية سوى ما يرد ذكره أدناه والذي لا يعتبر مزايا بقدر ما يعتبر عوامل تنمية محلية، فالدستور منحها حق البترودولار ونسبة من الإيرادات المحلية الأخرى، كما منحت صلاحيات تشريعية وإدارية واسعة بما لايتعارض وأحكامها المنظمة في الدستور لكن ما يعيب مطلب البصرة أن إنشاء الأقاليم يكلف الموازنة العامة ميزانية تشغيلية باهظة قد تؤثر حتى على الموازنة الممنوحة لها ذلك لأن الأقاليم تتطلب إنشاء دستور يحدد هيكل الإقليم وصلاحياته وآلية ممارستها شريطة عدم تقاطعها مع الدستور العراقي (م/120) وكذلك يتطلب بموجب المادة (121) إقامة برلمان للإقليم وسلطة تنفيذية (رئاسة وزراء ووزارات ومديرياتها وتوابعها بكافة أشكالها وممثلياتها) وقضائية وتدرجاتها، وكذلك هيئات مستقلة من مفوضيات حقوق الإنسان وانتخابات ومؤسسات دستورية أخرى، مما يسبب ذلك ترهلاً في الجهاز الإداري لن يستفيد منه إلا السياسيون المتنفذون على حساب موازنة البصرة التي لن تزيد كما أسلفنا بفعل المبادئ الدستورية التي أشرنا أليها ذلك أن قانون الموازنة يعتمد سنويا توزيع حصص المحافظات وإقليم كردستان توزيعاً متساوياً على أساس عدد السكان في المحافظات والأقاليم فمن أين تتم تغطية نفقات إقليم البصرة ومؤسساته الكبيرة فيما لو تم إقراره؟ بالتأكيد ستكون البصرة أمام مأزق في كيفية تغطية نفقاتها التشغيلية المستحدثة ويضعها أمام عائق خطير في الاستثمارات والعجز عن حل أية مشكلة حالية أم مستقبلية تعاني منها. فالمسألة الحقيقية تتلخص في حاجة البصرة لمخصصات البترودولار ومخصصات إضافية أخرى واستثنائية تقررها الحكومة الاتحادية لحل مشاكلها والأهم أيضا تشريع قانون النفط والغاز الذي يحل مشكلة عدم التوزيع العادل للثروات والذي ينهي أية دعاية لقوى سياسية خسرت رصيدها في السلطة الاتحادية وبدأت تبحث عن موطئ قدم للتموضع السياسي والتنفيذي قرب أكبر مورد اقتصادي والذي يعتبر عماد الموازنة الاتحادية على حساب طموحات الشعب البصري المشروعة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل