/
/
/
/

برزت العولمة كظاهرة دولية خلال العقود الأخيـرة مـن القـرن العـشرين عجلت في بروزها الثـورة العلمية وتقنية الاتصالات والمعلومات. واقترن ظهورها بترويج الصحافة المالية والاقتصادية لمصطلحات الاقتصاد الموحد والاقتصاد العالمي والاقتصاد المعلوماتي والغرض من ذلك تمرير خطاب إيديولوجي لما يسمى بالنظام العالمي الجديد وما يعرف اليوم بالعولمة الرأسمالية بهدف تكريس هيمنة الرأسمالية على العالم.

 ان العولمة مرت خلال تطورها بثلاث مراحل، تقع المرحلة الاولى في الفترة بين عامي 1870-1914 وتميزت بتطور طرق المواصلات التي شجعت التعاون بين البلدان وانتقال رؤوس الاموال وهجرة العمال من البلدان الاكثر كثافة الى البلدان الاقل كثافة، والمرحلة الثانية بين عامي 1950 و1980  وركزت على التكامل بين الدول الرأسمالية الغنية من خلال عمليات التجارة الحرة في اطار اتفاقية الجات للتعرفات الكمركية، والمرحلة الثالثة بدأت منذ عام 1980 وارتبطت بتقدم تقنيات المعلومات والاتصال، وادى هذا التطور الى  زيادة تجارة البلدان الرأسمالية المتقدمة ومواردها المالية بنسب عالية وفرض هيمنتها على البلدان الاقل تطورا.

ان العولمة تجسد مرحلة ما فوق الامبريالية ويتلخص هدفها الرئيس في إخضاع العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا إلى بلدان مركز العولمة الدولي الذي يتشكل من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي وكندا واليابان. ويمارس مركز العولمة الدولي ضغوطه وسيطرته الاقتصادية على العالم عن طريق مجموعة من المؤسسات كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومؤسسات اعلامية تتحكم في صياغة الرأي العام وتسيطر على دور النشر لتحقيق هدف العولمة الرئيس وهو خلق سوق عالمي مفتوح لا يخضع  لضوابط  كمركية  أو إدارية  وجعل العالم  منطقة  واحدة  تخضع لهيمنة الدول الرأسمالية. ووفقا لما يشير اليها ريتشارد هجوت في كتابه "العولمة والأقلمة"، "ان العولمة هي ما اعتدنا على تسميته في العالم الثالث الاستعمار وهي غزو غربي تقني ثقافي اقتصادي وسياسي اشد ضراوة وشراسة من اي لون من ألوان الاستعمار الغربي الذي شهدته الانسانية، ان العولمة دعوة لنفي الحضارات الاخرى غير الغربية او بالأحرى غير الامريكية". فالعولمة ترتبط بالليبرالية الجديدة باعتبارها ايديولوجية الرأسمال المعولم.

وعلى ارض الواقع فان العالم معولم اقتصاديا اكثر مما هو معولم ثقافيا وسياسيا، ان العولمة الاقتصادية تعني ازالة العوائق امام الرأسمال الطفيلي والعمل بآلية اقتصاد السوق وتهميش دور الدولة في تأدية وظائفها وازالة الحواجز امام تدفق السلع والقوى العاملة والثقافات والمعلومات وحرية انتقال رؤوس الاموال والاستثمارات المباشرة واندماج اسواق العالم في اطار حرية الاسواق وبالتالي اعادة صياغة التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل لمصلحة الدول الرأسمالية. وحسب ما يشير اليه عالم الاجتماع الالماني هابرماس فان العولمة الاقتصادية اتخذت في عقد التسعينيات اربعة اتجاهات: توسع وتعمق تجارة السلع بين البلدان، وتنامي الاستثمارات الخارجية المباشرة، وتعاظم عدد الشركات المتعددة الجنسية، وتعولم شبكة انتاجها.

ان معارضي العولمة يرون انها نظام جائر يهدد السيادة الوطنية ويصادر القرار الاقتصادي الوطني وينتهك خصوصية المجتمعات الثقافية، ويرون ايضا ان للعولمة اهداف خفية تتلخص في هيمنة البلدان الرأسمالية على الاقتصاد العالمي واخضاع اقتصاديات البلدان النامية الى مشيئة البلدان الرأسمالية الاحتكارية ونهب ثرواتها باستخدام الشركات المتعددة الجنسية وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. اما مؤيدو العولمة يرون ان العولمة تزيد حجم التجارة وتنعش الاقتصاد العالمي وانها تحل المشكلات الانسانية المشتركة التي لا يمكن ان تحلها البلدان بمفردها كانتشار اسلحة الدمار الشامل وانتشار المخدرات وقضايا البيئة. وتؤدي إلى الإسراع في عملية التطور الديمقراطي في العالم.

لقد افضت العولمة الرأسمالية الى سيادة الليبرالية الجديدة كفكر سياسي واقتصادي يخدم ويدافع عن مصالح الشركات الاحتكارية ومصالح الدول الرأسمالية الكبرى، وان البلدان الرأسمالية المعولمة تعمل على تخريب الدول الرافضة لنزعاتها العدوانية من خلال اثارة النزاعات الداخلية والعقوبات الاقتصادية والتدخلات العسكرية واثارة الحروب الاهلية والنزاعات الدولية. وبذلك اثرت تأثيرا سلبيا ومدمرا على الاقتصادات الوطنية ومن الآثار السلبية الواضحة:

   1- تزايد تبعية الاقتصادات الوطنية للاقتصاد الرأسمالي العالمي مما يعرضها الى التقلبات والازمات التي تصيب البلدان الرأسمالية.

2- فرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية واثارة النزاعات الاهلية  لعرقلة تطور الأنظمة الوطنية  وتمكين الفئات الكومبرادورية  وجعلها حليفا للمصالح الرأسمالية.

3-  تعريض القطاعات السلعية والخدمات المالية والاتصالات والنقل وغيرها من القطاعات الاخرى الى هجمات تنافسية من السلع المستوردة من البلدان الرأسمالية مما يؤدي الى تدمير الصناعات الوطنية.

4- ان الغاء الدعم الزراعي وتطبيق برامج الاصلاح الزراعي لمنظمة الجات (التجارة العالمية) يؤثر بشكل مباشر على موازين المدفوعات في الدول التي تستورد الغذاء.

وتؤكد تقارير التنمية البشرية وتقارير البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة، أن العولمة الرأسمالية في حالتها القائمة تهدد على نحو خطير الدول والمجتمعات والبيئة، ويصل حجم هذا التهديد إلى الكارثة والخطر. وتشير الارقام الى دور العولمة في افقار وتدهور مستويات المعيشة لقطاعات واسعة من المواطنين في البلدان الرأسمالية الصناعية والبلدان المتخلفة. ففي الولايات المتحدة هناك ( 5،34) مليون فقير. وفي انكلترا (12) مليون محروم وفي فرنسا (6) مليون محروم، وهناك ملياران و(200) مليون انسان يعيشون بأقل من دولار في اليوم الواحد.  وبالمقابل فان دخل (200) شخص الأكثر غنى في العالم يساوي(1000) مليار دولار وهو ما يعادل دخل (41) في المائة من سكان العالم. وهذا يعني أن دخل كل واحد من هؤلاء الـ (200) يساوي دخل (12) مليون شخص، وهناك ثلاثة من أغنياء العالم تفوق ثروتهم الدخل القومي لـ(48) في المائة من دول العالم الثالث الفقيرة. وأدى النظام الاقتصادي العالمي الجديد او ما يعرف بالعولمة الرأسمالية إلى أزمة ديون مالية أثقلت كاهل البلدان، ومن أخطر مفارقات قضية الديون أن حجم المديونية الخارجية كان في عام 1980 يساوي 529 مليار دولار، وتزايد في عام 2001 إلى 1956 مليار دولار، بالرغم من تسديد هذه البلدان نحو3784 مليار دولار وما زال مطلوب منها تسديد 1828 مليار دولار. (ان العولمة الليبرالية الجديدة كما يشير التقرير السياسي لحزبنا الشيوعي العراقي في مؤتمره الثامن عام 2008. تنطوي على نزعة لابتلاع العالم عن طريق آليات السوق المعولمة).

لقد كان من الاسباب المباشرة في تسارع ونمو وبروز ظاهرة العولمة الرأسمالية تفكك الامبراطورية السوفيتية وتحول نظامها الكلي الى النظام الرأسمالي الدولي مما ادى الى الاخلال بالتوازن العالمي واستفراد الولايات المتحدة الامريكية بالعالم واخضاعه لإرادتها. كما ان التراكم الضخم في الانتاج الرأسمالي العالمي دفع البلدان الرأسمالية الاحتكارية الى البحث عن اسواق ومنافذ لتصريف هذا التراكم السلعي والبحث عن مناطق استثمار خصبة لتشغيل السيولات النقدية المتراكمة في خزائن الدول الغربية في مناطق الايدي العاملة الرخيصة لجني الفوائد والارباح التي لا تستطيع تحقيقها في بلدانها.

 آليات العولمة الرأسمالية

  من الضروري ان نميز بين العولمة كظاهرة موضوعية تستند الى التقدم الهائل في تقنيات المعلومات والاتصالات وتحول المعرفة العلمية الى قوة انتاجية مباشرة وبين اشكال تجلياتها والقوى المتحكمة في اتجاهاتها ومسارها الخاضع لمنطق الرأسمال والربح. ان العولمة الرأسمالية تعمل في تنفيذ سياساتها وفق آليات متعددة منها:

1- صـندوق النقـد الـدولي والبنـك الـدولي: فقد أنـشأت الـدول الغربيـة هذه  المؤسسات المالية  بحجة اعادة بناء البلدان الغربية التي دمرتها الحرب العالمية  وتقديم المساعدة للبلدان النامية غير ان الواقع اثبت ان هدف هذه المؤسسات  نهب ثروات العالم الثالث  من خلال اغراقه  بالديون الخارجية لتحقيق الفوائد والارباح الخيالية، وقد ادى ذلك الى عجز الغالبية العظمى لهذه البلدان عن الوفاء بخدمــة ديونها، وخضوعها لشروط صندوق النقد الدولي الجائرة التي  تتمثل في الخصخصة واقتصاد السوق الحر وتعويم العملة الوطنية ودعم  القطاع الخاص الطفيلي.

2-  منظمة التجارة العالمية: تلعب منظمة التجارة العالمية دورا كبيرا في تحقيـق شروط العولمـة، فالمنتجـــات الغربيـــة تصل الى الأسـواق العالميـة دون عوائـــق أو ضـــوابط وبالتالي فان هذه الـــدول لا تستطيع  مواجهـــة المنتجـــات المـستوردة ومنافـستها، ممـا يؤدي الى تدمير اقتصادها ويكـون البـديل المتـاح التوجه نحو الاستيراد والوقوع في كماشة صندوق النقد الدولي. وقد أظهرت تقارير منظمة الأغذية والزراعة الدولية أن العولمة والتحرر الاقتصادي تزيد من التصحر والتلوث وبخاصة الأنشطة القائمة على قطع الأشجار والاعتداء على الأراضي الزراعية.

3- الشركات المتعددة الجنسيات: اصبحت هذه الشركات محور اقتصاد العولمة، وتعمل على تحويل العالم إلى سوق عالميـة واحـدة تخـضع لـسيطرتها. ووفقا لتقرير منظمـة الأمـم المتحـدة للتجـارة والتنميـة ارتفع عدد الشركات بين عـام 1970و1995من 7000 شـركة متعـددة الجنـسيات، إلـى 37000 شـركة  في عـام 1995 ولهذه  الشركات  200 ألـف فـرع فـي العـالم،  يعمل فيها  73 مليون شخص، وتدير سيولة نقدية بمقدار 5000 مليار دولار حتى عام 1995. وتلجأ الشركات الأجنبية في الدول النامية إلى الضغط خلف الكواليس والرشوة للحصول على امتيازات وتسهيلات تضر باقتصاد هذه البلدان.

4- التكتلات الاقتصادية: من ابرز هذه التكتلات الاتحـاد الأوروبـي ومنظمـة التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية التـي تـضم الولايـات المتحـدة الأمريكيـة وكنـدا والمكـسيك وتعمل هذه التكتلات على عولمة اقتصادات البلدان النامية من خلال فرض سياسات اقتصادية تخدم مصالح هذه التكتلات على حساب مصالح البلدان الفقيرة مما ادى الى وقوع هذه البلدان في ازمات اقتصادية ومالية واجتماعية عويصة.

5- وسائل الاعلام: تلعب وسائل الاعلام الغربية دورا مضللا للرأي العام الدولي في اخفائها الاهداف الحقيقية للعولمة الرأسمالية وهي استعمار العالم وتطويعه لمصالحها الاقتصادية، ان وسائل الإعلام الغربية تعمل على تعميم  ثقافة الاستهلاك الترفي  وعلى زيـادة  الطلب على سلع الاستهلاك  في سبيل  ادامة تشغيل الماكنة الرأسمالية وتعظيم ارباح الشركات.

 ان العولمة تتصف بالازدواجية فهي تجنح الى الديمقراطية واللامركزية وتسهل انسياب السلع وتبادلها ولكنها تقوم بأنشطة اقتصادية تزدهر فيها المضاربة والمقامرة في الاسواق المالية، وفي هذه العملية تتعرض البلدان لإفلاسات مالية وانهيارات اقتصادية وتنشأ في اعقابها ثروات اسطورية يحققها المضاربون والمقامرون.

 مناهضة العولمة الرأسمالية

  تتصاعد موجات الاحتجاج الدولية ضد العولمة الرأسمالية الهادفة الى نهب ثروات البلدان واخضاع العالم الى بلدان محور العولمة الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية. وتظهر عمليات الاحتجاج  التي تقوم بها الحركات المناهضة للعولمة أن حالة الاحتجاج على العولمة واسعة تشمل شرائح من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم  ويصف الدكتور برغستين مدير معهد الاقتصاد الدولي في واشنطن القوى المناهضة للعولمة بأنها تمر بمرحلة تصاعد ومع اشتداد وتزايد جبروت العولمة على الصعيد الدولي فقد اصبحت القوى المناهضة للعولمة تشكل شبكة عالمية كبرى تضم ملايين الأفراد وعشرات الآلاف من المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والإعلامية التي تحاول مقاومة الأبعاد الوحشية للعولمة  وهيمنة الشركات الكبرى على العالم.

ان العولمة وفقا لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي احدثت فجوة كبيرة بين أقلية غنية تهيمن على معظم موارد العالم وأغلبية كبيرة محرومة. ويؤكد تقرير البنك الدولي أن خمس سكان العالم يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا. ان الهيمنة الرأسمالية ليست قدرا محتوما فبامكان البدان ان تتوقى من الآثار الكارثية لسياسات العولمة عبر القيام بتنفيذ خطط تنموية متنوعة تنطلق من الاعتماد على الذات وتتوجه نحو بناء اقتصاد غذائي وسلع بديلة عن المستورد من الخارج.  فعلى عاتق هذه البلدان تقع مسؤولية الارتقاء بالانتاج المحلي بكميات تغطي حاجة البلد وبأسعار تتواءم مع دخول المواطنين والتحكم في الفائض السلعي والمالي بما يضمن استقلال المؤسسات المالية والاقتصادية الوطنية وقدرتها على توجيه الاستثمار والسيطرة على الموارد الطبيعية، بادارة وسيطرة الدولة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل