/
/
/
/

 رغم عراقة تأسيس التنظيمات الشيوعية واليسارية في عدد من الأقطار العربية ونشأة طبقة عاملة صناعية فتية منذ مطالع القرن العشرين الفائت  ، فإن تنظيمات اليسار في بلدان الخليج العربي تُعد حديثة النشأة تاريخياً قياساً بتلك التنظيمات الأقدم والتي يعود بعضها - كما هو معروف -إلى أواخر  العقد الثاني من القرن  ، فيما يعود بعضها  الآخر  إلى العقدين الثالث والرابع والخامس ، كالأحزاب الشيوعية في فلسطين ومصر ولبنان وسورية والعراق والسودان . ولا غرو في ذلك فقد أرتبطت نشأة الطبقة العاملة في هذه البلدان وإطلاع  نخبة من ممثليها بعدئذٍ على الفكر الاشتراكي العالمي وتأثرهم به بسمات التطور الإقتصادي والاجتماعي لهذه الأقطار في سياق التطور الرأسمالي التبعي مما مهّد التُربة لأسبقية تلك الأحزاب في النشأة ؛ ولم يكن هذا متاحاً بطبيعة الحال لظروف تطور مجتمعات أقطار الخليج العربي التي ارتبطت ولادة الطبقة العاملة في بعضها بظهور الصناعة النفطية والتي كانت أقدمها في البحرين ( 1932 ) ، ولم تتمهّد التربة لولادة الأحزاب المتبنية تمثيلها  إلا في أواسط خمسينيات القرن العشرين حيث تم تأسيس أول حزبين شيوعيين سريين في كل من البحرين والسعودية ( جبهة التحرير الوطني البحرانية و جبهة التحرر الوطني - السعودية ) . أما التنظيمات اليسارية الاخرى فلم تظهر على الساحة السياسية بهويتها الماركسية إلا على خلفية تحول تنظيمات حركة القوميين العرب إلى الفكر الماركسي في أعقاب هزيمة يونيو / حزيران من عام 1967 ، وشهد النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي ذروة المد اليساري الخليجي  -بشقيه الشيوعي واليساري الجديد -  ، لكن بعدئذ وتحت تأثير جملة من العوامل الموضوعية والذاتية المتشابكة كانت هذه التنظيمات بمجملها الأكثر عرضة بين تنظيمات اليسار العربي بمجملها  للانحسار والتراجع السريع  ؛ وعلى وجه الخصوص  بدءاً من النصف الثاني من السبعينيات ، ومروراً بالثمانينيات حيث بلغ مد الإسلام السياسي -بشقيه السني والشيعي - أوج صعوده حتى وصل  هذا الانحسار والتراجع إلى أدنى مستوى له مع مطلع التسعينيات في أعقاب انهيار ما عُرفت بدول المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي ٠

ويمكن القول في هذه العجالة ، وبناء على ما تقدم من إشارات سريعة  ، أن اليسار الخليجي بات هو الحلقة الأضعف في تنظيمات اليسار العربي برمتها ؛ سيما إذا ما تذكرنا وأضفنا إلى تلك الإشارات ما لعبته أيضاً الطفرة النفطية بعد حرب اكتوبر / تشرين الأول  1973 إثر تزايد أسعار النفط وما صاحبها من انعكاس على ارتفاع المداخيل العامة بفضل الريع النفطي والاستثمارات الطفيلية الخاصة المتشابكة المصالح مع الدولة الخليجية الريعية ،  وتفشي أنماط بعدئذ من المسلكيات والنزعات الاستهلاكية من دور تخريبي سهّل اختراق مناعة أعداد غير قليلة من قيادات ومناضلي هذه التنظيمات . وهنا تغدو مهمة لملمة صفوف ما تبقى من تلك التنظيمات اليسارية ، أياً تكن الاُطر التي تتخذه اليوم لنشاطاتها  ، سواءً الواجهية منها التي تحظى بشرعية ما  رسميةً  أو المشتتة في مؤسسات مدنية وثقافية شتى هي المهمة الأكثر إلحاحاً . ولكن دعونا في هذه العجالة بادئ ذي بدء نطرح جملة من التساؤلات والملاحظات التي لا بد منها : 

أولا : حينما نتحدث عن اليسار  الخليج فعن أي يسار نتحدث في هذه المنطقة ؟ هل عن اليسار بكل روافده وتلاوينه الأكثر  اتساعاً ، من قومية وقوى وشخصيات ليبرالية وطنية وديمقراطية ؟ أم عن اليسار الماركسي بتياراته المعروفة وما تبقى من فصائله ، إن كان ذلك في شكل اُطرها الراهنة في كل بلد خليجي على حدة  ، أو عدم وجوده إلا من خلال بضعة نشطاء ورموز وكتُاب وفاعلين متناثرين في مؤسسات مدنية وثقافية واجتماعية وإعلامية ؟   

ثانياً : ترتيباً على التساؤل السابق  : ألا ينبغي لنا تحديد دقيق أو رسم خريطة لمواقع قوى اليسار الموجودة اليوم في الخليج منذ نشأتها ،  ونقصد هنا بالطبع  خريطة توضيحية في سياق النص بالمعنى المجازي الرمزي لا بالمعنى المتعارف عليه في رسم الخرائط الجغرافية بالضرورة  . 

ثالثاً : حينما يجري الحديث عن الطبقة العاملة في الخليج  ألا ينبغي أن نتساءل قبل كل شئ عما إذا هذا المفهوم ينطبق على الطبقة العاملة في كل البلدان الخليجية على السواء ؟ أم يختلف ويتباين من قطر إلى آخر ؟  وإن كان  هذا السؤال يصح طرحه اليوم فيما يتعلق بشروط هذا المفهوم وضبط دلالاته ، لا على مستوى الطبقة العاملة ببلدان الخليج العربي فحسب ، بل وعلى مستوى عالمنا العربي والعالم الثالث ، بل والعالم برمته ؛ وذلك إذا ما أخذنا في الحسبان المتغيرات الهائلة التي ألحقتها ثورة المعلومات الإتصالية والتكنولوجية خلال بضعة العقود الماضية بوضع هذه الطبقة وتغيّر أنماط تركيبتها  وخصائصها والتطور المُذهل المتسارع لوسائل الأنتاج والذي مكّن الرأسمالية من تقليل اعتمادها عليها وعلى قوى الأنتاج التقليدية بوجه عام  ، وإن كان هذا التقليل لم يُمكّن الرأسمالية بعد من الاستغناء عنها نهائياً ، أو تجاوز وجودها المؤثّر  والهام في العملية الإنتاجية في مواقع وقطاعات شتى للإنتاج  ،  سواء في الدول الرأسمالية الصناعية المتطورة ( المركز ) أم في بلدان الأطراف ذات الإقتصادات التابعة ومنها الخليجية .

 رابعاً : ثم أي طبقة عاملة بات اليسار الخليجي معنياً بتمثيلها تحديداً أو يتطلع إلى ذلك ؟  هل هي الطبقة العاملة المعروفة اليوم واقعاً بكامل تعدديتها الإثنية والقومية الوافدة لبلدان الخليج وبخاصة الآسيوية لطلب الرزق أو المجنس بعضها -كما في البحرين - أم تلك التي كانت تشكل غالبيتها  العظمى  من المواطنين  عشية استقلال معظم أو بعض هذه البلدان  ؟ ثم انقلبت الآية رأساً على عقب في بحر عقود قليلة  فقط منذ نيل استقلالها في مطلع سبعينيات القرن الآفل لتصبح الطبقة العاملة الوطنية أقلية للغاية ضمن تركيبة الطبقة العاملة بمجملها في أغلب البلدان الخليجية أو شبه منتفية ولا وجود لها في بعضها  الآخر !

هنا ينبغي لنا ملاحظة أنه في الوقت الذي تتاح إمكانية إندماج صفوف من الطبقة العاملة الوافدة ، ومن بينها العربية ، في عداد الطبقة العاملة الوطنية بالبلدان الرأسمالية الغربية بأي نسبة كانت ؛ بل وسهولة اكتساب جنسية البلد التي وفدت   

إليه ، ناهيك عن الانخراط في نقاباته العمالية وأحزابه اليسارية ؛ فإن هذا متعذر الحدوث داخل صفوف الطبقة العاملة ببلدان الخليج ، فالغالبية العظمى من صفوفها - كما ذكرنا - هي أجنبية وافدة تعمل في ظروف عمل قاسية للغاية ولساعات عمل طوال غير قانونية ، وتخضع لأبشع أنواع الاستغلال الرأسمالي الاسترقاقي ولا ترغب في أي مصادمة مع أرباب العمل الخليجيين تفادياً من فقدان رغيف العيش وحد الكفاف الذي تعيش عليه والذي جاءت من أجله مضطرة تحت شدة الضنك في بلدانها ؟ ومن ثم تتحاشى ترحيلها من حيث أتت ، اللهم حالات محدودة يلجأ العمال الأجانب فيها حينما يطفح بهم الكيل إلى التمردات الجماعية الصاخبة بسبب تراكم عدم دفع أرباب العمل الخليجيون  اْجورهم الشحيحة لشهور طويلة ، وعلى المستوى الفردي تتفشى حالات الانتحار  لذات السبب أو لأسباب متضافرة وظيفية ومعيشية عائلية مجتمعة .

 كما يُعد الحاجز اللغوي من الأسباب  التي تحول دون إندماجها في المجتمعات الخليجية ، دع عنك كونها تعيش في مجتمعات تحكمها أنظمة استبدادية من أبرز مظاهرها مصادرة حق التنظيم النقابي وحق التنظيم السياسي .

وهكذا يتضح لنا أن مسببات انحسار اليسار الخليجي لا تقتصر فقط على العوامل المشتركة المعروفة والمتعارف عليها في أدبيات اليسار العربي و العالمي - من الناحيتين الموضوعية والذاتية والمتمثلة في انهيار المنظومة الاشتراكية مطلع العقد الأخير من القرن الماضي  -  بل ثمة عوامل ذات سمات خاصة لتطور المجتمعات الخليجية ولأوضاع وخصائص الطبقة العاملة فيها تختلف على الأقل ولو في حدود معينة وتتفرّد بها عن سائر التنظيمات اليسارية العربية الاخرى  .  وأنه يستحيل الحديث عن مستقبل اليسار الخليجي وتوحد ما تبقى من أشتاته دون الكلام عن كيف يُنظِّم  هذا اليسار نفسه أصلاً ويوسّع صفوفه بينما هو مازال متشظياً ومشتتاً  في حراب بين بعضه البعض داخل بعض البلدان الخليجية الذي يكتسب وجوده فيها عراقة تاريخية  ( البحرين نموذجاً )  ، ولا تفتيء معاركه تهدأ في فترة قصيرة من الفترات   إلا لتعود مجدداًً ، ليس داخل التيار الماركسي الواسع بتلاوينه المعروفة فحسب ، بل وداخل تيار  اللون الواحد أو الفصيل الواحد . وهذا ما برز على وجه الخصوص في أعقاب  أحداث الربيع البحريني ( فبراير / شباط - مارس / آذار 2011 ) . ثم ولنقلها صراحةً إذا ما أردنا قراءة الواقع كما هو لا كما نشتهي ونطمح : إذا كان هذا التناحر مفهوماً  تاريخياً في زمن صعود اليسار العربي - وصعود اليسار الخليجي منه نسبياً - في أتون أجواء التنافس الساخن المحموم على الاستئثار بمواقع بالنفوذ الجماهيري وفي المنظمات النقابية والؤسسات المدنية بين اليسار الجديد واليسار الشيوعي الأقدم والتهافت على إقصاء الآخر اليساري المنافس عن مشاركته في هذا الاستئثار  .. فماذا تبقى أصلاً لليسار الخليجي اليوم من قوة ونفوذ على الساحة السياسية بحيث بات لا يرحم نفسه في جلد الذات ولينشغل بتفتيت المفتت والإيغال في تشتيت المشتت ؟ هل مازالت الأوهام تستبد بمخيلة نُخبتنا اليسارية الخليجية  بأننا ما زلنا أحزاباً وقوى جماهيرية مؤثِرة ولم تتحوّل بعد إلى نُخب ، القابض منها على المباديء الثورية وقيّم ومُثل الاشتراكية العليا  كالقابض على الجمر ؟ وباعتبار كاتب هذه السطور واحد من أبناء الجيل الذين وُلدوا مع ولادة واحد من أقدم التنظيمات اليسارية في البحرين والخليج ، لنتساءل أليس  جُلنا اليوم قد  " هرِم " ووخط المشيب شعره  بين أواخر الخمسينيات إلى أواخر السبعينيات من العمر  وقلة قليلة منا هي التي دون الخمسينيات ؟ بل وأقل القليل  منها هي التي دون الاربعينيات والثلاثينيات والعشرينيات ؟ وبالتالي فلنتخيّل مستقبل اليسار الخليجي المنظور في ظل افتقار قواه وما تبقى من تنظيماته  إلى الطاقات الشبابية الثورية الجبارة  المتفجرة المتقدة حماسةً وهي عماد صعود أي حركة ثورية توّاقة -بإرادة حقيقية جادة - للتغيير كما كان جيلنا في حقبة الصعود اليساري مطلع السبعينيات قبل انحسارها المؤلم . ولئن كانت هذه المعضلة ( استقطاب الشبيبة في التنظيمات اليسارية ) تواجه كل التنظيمات اليسارية العربية فلعلنا نحسب الخليجية منها في المقدمة منها . 

* -  كاتب وباحث سياسي من البحرين -

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل