/
/
/
/

بالرغم من أهمية الموضوع وحيويته كونه يحاكي عقول شريحة مهمة في مجتمعنا العراقي ، وله تأثيرات عميقة على المستويين السياسي والفكري .. 
ولكن هناك حقيقة ماثلة للعيان !.. وهي أن الذي يدير شؤون البلد في الدولة والمجتمع .. ومن يمسك بمقاليد السلطة والمال والسلاح والميليشيات ..!! هي قوى الإسلام السياسي ، والذي في غالبيتهم من الراديكاليين من الشيعة والسنة .، ومنهم أكثر من هؤلاء تطرفا وعدوانية ، مثل داعش وحلفائهم من أزلام النظام المقبور وأتباعهم فهم رعاع وقتلة ومجرمين .
صحيح أن الحل لمشاكل العراق ، واخراجه من المستنقع الذي وضع فيه ، يكمن في فصل الدين عن الدولة .. ولا يوجد خيار غير ذلك ، ويشكل الحل الاسلم والأكثر صواب ، وعامل إيجابي في حماية الدين والدولة معا .
ولكن لا توجد رؤيا واضحة حتى لدى العلمانيين والليبراليين في شكل هذه الدولة ومعالمها ، والافصاح الصريح والواضح كونها دولة ديمقراطية علمانية اتحادية !.. 
يطرح شعار فضفاض قابل للتأويل والتفسير والتحريف وهي ( الدولة المدنية ! ) وهو مصطلح غير موجود في القاموس السياسي وبناء الدول !!.. 
الذي يطرحه التيار الديمقراطي والقوى العلمانية واليسارية .. من شيوعيين وديمقراطيين وليبراليين ومستقلين ، وحتى البعض يحاول أن يركب الموجة من المحسوبين على التيار الإسلامي السياسي ، وهو تطور مهم بالرغم من الشكوك بمصداقية توجههم ، ولنسلم بما يدعون ، أذا ما أعقبته خطوات في الدفع بهذا الاتجاه !.. 
ولا أدري ؟.. كيف السبيل .. لتوفير شروط هذه الدولة وأدوات قيامها ؟.. 
وهل تكون دولة علمانية إسلامية ؟.. وهل هناك قوة دينية تذهب لبناء دولة علمانية ؟.. 
أو تكون عابرة لقوى الإسلام السياسي !.. وتحت شعار الدين لله والوطن للجميع ، الوطن خيمة يستظل في ظلها الجميع !... 
وهل هناك ابتكار جديد لبناء الدول ، في المفاهيم السياسية والأيديولوجية ؟.. 
لنضطلع ونبادر بالتأسيس لهذا الابتكار في بناء الدولة وتطورها ، وتكون نموذج يمكن أن يتم تعميم هذه التجربة الوليدة ، على باقي دول وشعوب العالم ؟ !!.. 
ونكون بذلك قد حققنا سبقا فلسفيا وفكريا وسياسيا وتنظيميا في معالم وسمات هذه الدولة بشكلها الجديد ، وجعله نموذج شرق أوسطي وماركة مسجلة في المنطقة ؟ ...
لا أخفي توجسي وحيرتي من شكل هذه الدولة التي يراد التأسيس لها في عراق اليوم ، وكما هو معلوم فإن أكبر مشكلة يعيشها العراق ويعاني منها من 2003 م وحتى الساعة ، هي بناء الدولة ، ففي العراق لا يوجد لدينا دولة ، ويوجد لدينا مراكز قوى متعددة ( كما لو أننا في عدد من الإمارات وكل حزب يمتلك إمارة ولديه قوة مسلحة تحميه .. ميليشية ) وهذا هو الواقع المر واللاغي لشروط قيام الدولة .
في العراق لا نمتلك دولة بمعناها القانوني ، وحسب تصنيف القاموس السياسي وتعريفاته ، وما تعارفت عليه المنظومة الدولية ( الأمم المتحدة ) !..

توجد لدينا مراكز قوى استولت على المؤسسات التابعة ( للدولة ! ) طائفية وأثنية وحزبية وتصنيفها حسب المنطقة والعشيرة والمذهب ، وميليشيات خارجة عن القانون وعن السلطة السياسية !..

وبالتالي هناك فوضى وخلط أوراق ، وتنابز ومزايدات وعلى حساب ( الدولة ! ) الوطنية ، دولة المواطنة والدستور والقانون ، وهذا كله على حساب الدم العراقي وبؤس وألام وأوجاع الناس. 

نحتاج قبل كل شيء ، التأسيس لقيام الدولة الديمقراطية العلمانية !... 
وحتي نضع هذه الأمور في نصابها الصحيح ، نحتاج الى أدوات للتأسيس لقواعد هذه الدولة، وإدارة تمتلك القدرة على صنع القرار ، والخبرة والنزاهة والكفاءة ، لصناعة القرارات في التأسيس لمنظومة القوانين والتشريعات المؤسساتية الوطنية الشاملة ، لتتضح معالم هذه الدولة ؟.. 

من وجهة نظري المتواضعة ، يجب أن تكون معالم هذه الدولة والسمة المميزة لها ( علمانية )ديمقراطية يتم توصيفها في الدستور وتبيان تلك المعالم. 

هذا غير ممكن في ظل هيمنة وسطوة وإدارة قوى الإسلام السياسي والمحاصصة والفساد والطائفية وغياب العدالة والقانون وغياب الأمن ، وهذه من شروط قيام دولة المواطنة وهي غائبة عن واقعنا المعاش ومنذ عقد ونصف ، ليس فقط غائبة ولكن هناك ممانعة مطلقة من قبل الإسلام السياسي وبشكل صريح .

وحتى نتمكن من إزاحة هذه القوى المهيمنة على السلطة والممانعة لقيام هذه الدولة ، كونها قوى فاسدة وطائفية ومشكوك بولائها للعراق ، هذه القوى التي أجهزت على كل شيء فيه حياة في عراق اليوم !!..

المتتبع للشأن العراقي سيرى حقائق هذا التدهور ماثلا للعيان ، هناك غياب كامل للخدمات وبطالة مريعة ، وغياب الأمن والاستقرار وتوقف عجلة الاقتصاد والاعتماد على النفط دون المصادر الأخرى ، وهناك شرخ كبير في التعايش والسلم الأهلي ، وصراع محموم على المحاصصة وتقاسم المغانم ، وسيطرة حيتان الفساد على أغلب المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية ، وغياب المسؤول الكفوء والنزيه والوطني ، وتدخل المؤسسة الدينية ورجال الدين في مختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية وفي التعليم والثقافة ، وفي صنع القرار بما ينسجم مع مصالحهم ورؤيتهم الدينية والتي تتعارض مع الكثير مع الحقوق والحريات والموقف من المرأة ، وتتدخل في بناء ( الدولة ! ) ، وشيوع الرشوة والمحسوبية في شغل الوظائف ومواقع صنع القرار التي تدخل في بازار البيع والشراء ، وسيادة القيم العشائرية وتغليبها ، لتكون بديل عن القانون والقضاء ،

وما نتج عن هذا الفساد كان أعظم وأشد إيلام وقسوة ، من كوارث ومحن وجرائم ، وما حدث للعبارة في محافظة نينوى في غرق أكثر من مائة ضحية وعشرات المصابين والمفقودين لهو مثال من مئات الشواهد مثل سبايكر واحتلال داعش لثلث مساحة العراق ، وهو ناتج عن الفساد المستشري في مفاصل ( الدولة ! ) والمجتمع ، وما يحدث اليوم من غرق الكثير من المدن والقرى نتيجة الأمطار والسيول ، فهو نتيجة عدم الاستعداد لمفاجئات الكوارث الطبيعية ، ونتيجة الفساد الذي أدى لكل ذلك ، وربما سنشهد الكثير من هذه الأزمات وتعددها وتجددها على يد هذا النظام الفاسد والجاهل والفوضوي ، إنه منتج ومجدد للأزمات، لفشله في إدارته لشؤون البلاد والعباد .

رغم كل ذلك فما زالوا متمسكين بمواقعهم وبالسلطة ، ولا يوجد في الأفق القريب ما يشير الى الانفراج ، والقيام بعملية الإصلاح الشامل ، في مختلف الميادين بالرغم من مرور ما يقرب على العام على قيام الانتخابات والتي شابها الكثير من المثالب والخروقات وباعتراف أركان النظام الحاكم أنفسهم بذلك ، وما زالوا متصارعين على السلطة ، وعلى الوزارات التي لم يحصل التوافق على من يشغلها ، نتيجة المحاصصة والطائفية والعرقية ، وهي من أهم الوزارات التي تمس حياة الناس وأمنهم وتحقيق العدالة وما زال الصراع على أشده ، ولا أعتقد بأنهم يستطيعون شغل هذه الوزارات من قبل أُناس يحققون أمال وطموحات الناس ويقومون بواجباتهم بما تملي عليهم ضمائرهم وواجبهم الوطني والوظيفي ، وأعتقد جازما بأن الفاسدين لا يمكنهم أن يأتوا لنا برجال دولة ووطنيون ومهنيون مستقلون. 

في ظل هذا النظام سوف لن نجد عصى سحرية تخرجنا من هذا الوحل والجب العميق ، ولنا معهم تجارب مروعة ومدمرة ، والمجرب لا يجرب .

فلا يوجد في الأفق أي خيار ، غير قيام حكومة انقاذ وطني لها صلاحيات كاملة ، وتأخذ على عاتقها التأسيس لقواعد الدولة الحديثة والقابلة للحياة ، وذات سمة علمانية ديمقراطية عادلة تكون المواطنة هي المعيار ، أو نبقى لأربع سنوات قادمة ندور في نفس الدوامة المرعبة والموت المجاني يحصد أرواح الناس. 

تحتاج الى إرادة سياسية وطنية صادقة ، تأخذ على عاتقها انبثاق لجنة متخصصة من الخبراء والمختصين في بناء الدولة والتشريعات والقوانين ، والقيام بتشريعات تؤسس لما بيناه لبناء الدولة ، ولمؤسسات ضامنة ، لقيام واستمرار هذه الدولة ، ونحتاج لإدارة مستقلة مهنية ووطنية نزيهة .

أي طرح لا يفضي لقيام حكومة الإنقاذ الوطني ، كاملة الصلاحيات ، فهو جهد ضائع ولا يعدوا سوى ( أحلام .. ورغبات .. وأمال .. وتطلعات .. بل أضغاث أحلام !... أو أحلام اليقظة ) وبعيدة عن منطق الواقع المعاش ، أن بقي هناك منطق ؟.. وجميع تلك الأحلام والأماني ، لا تلامس الواقع وبعيدة كل البعد عنه ولن تحقق أي من هذه الرغبات إذا لم تقترن بالعمل الحقيقي والموضوعي المبرمج .

العراق يعيش على الهامش ومنذ عقود ، ويبحر في سفينة ( الصد .. ما رد !! ) بلا ربان ، تقذفها الأمواج العاتية والرياح في وسط البحر الثائر ولا منقذ ولا معين .

حتى وصل بنا الأمر ، فأصبحنا نعيش مرحلة ما قبل الحضارة وما قبل الدولة ( فربان سفينتنا تقودها شريحة من الطفيليين والسماسرة الصعاليك ، وهواة ومراهقي السياسة في أغلبهم ، مع الاعتذار للبعض القليل الصادق والأمين ) .. وهذه وجهة نظر مع اعتزازي بمن يتفق معي أو من يخالفني الرأي !...

نعم أحترم الرأي المخالف ولا أبغي إلغاء أحد أو التقليل من شأن أحد ، وهكذا هي العلوم السياسية والفلسفة التي تقوم على الجدل والحوار والبحث والتنقيب ، والخلاف والاختلاف يدفعنا دفعا ، حتى نتلمس الحقيقة ، وهذا هو التطور الطبيعي للمجتمع الإنساني .

وما طرحته خلال هذا الاسترسال ، لا يعدو كونه رؤيا شخصية قد تخطأ وقد تصيب ، والاجتهاد في طرح وجهة النظر منطق صحيح ، سأُدافع عن رؤيتي هذه ، حتى يتضح لي عكس ذلك أو نسلم بها كحقيقة واقعة ، وأزعم على أنها قراءة متأنية ومتبصرة وموضوعية، لمعالجة المشهد السياسي العراقي، بكل تجلياته وتداعياته وصراعاته العميقة والعنيفة ، والخارجة عن شيء أسمه منطق .

وأقتدي بحكمة الإمام الشافعي، الأديب والفقيه ، في قوله ( قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.) ...
وقال الإمام الكرجي القصاب : (( مَنْ لَمْ يُنْصِفْ خُصُوْمَهُ فِي الاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُهُ ، وَأَظْلَمَ بُرْهَانُهُ )) .

 

 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل