/
/
/

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا منهكة إن لم نقل مدمرة نتيجة الخراب الذي لحق بها ، اضافةً الى خشيتها من سيطرة الاتحاد السوفيتي على المنطقة التي تعتبرها بريطانيا من اهم مناطق نفوذها ، في الوقت ذاته تشير بعض المصادر الا ان تقارباً عراقياً – امريكياً قد ظهرت معالمه كان قد سبب قلقاً لبريطانيا ، هذا القلق الذي راقبته بريطانيا بعد زيارة الوصي عبد الاله لامريكا عام 1945 ، ورسالة تشرشل الى روزفلت الرئيس الامريكي جاءت تاكيداً على ذلك والتي يقول فيها " أشكركم شكرا جزيلا على تأكيداتكم الخاصة بعدم التطلع إلى حقولنا في إيران والعراق. ودعني أعاملكم بالمثل فأعطيكم أوفى تأكيد بأن ليس لدينا أي نية في محاولة إقحام أنفسنا في مصالحكم أو ممتلكاتكم في المملكة العربية السعودية ".
داخلياً كانت الطبقة الحاكمة العراقية ترى ان بقاءها على رأس السلطة في العراق محتوم بالحفاظ على ارتباطاتها وتحالفاتها مع بريطانيا بطريقة تؤكد على تشابك مصالحها مع مصالح الرأسمال البريطاني لتضمن دعمها على طول الخط، لكنها من جانب آخر ان هذه الطبقة الحاكمة اصبحت تخشى تزايد السخط الشعبي عليها جراء استمرار ارتباطها وتبعيتها لبريطانيا.
وما ان انتهت حكومة أرشد العمري في 16 تشرين الثاني 1946 حتى تولى نوري السعيد تشكيل وزارته الثانية والتي استمرت حتى 29 آذار 1947 بعد أن أنهي العمري عهداً من الحوادث والممارسات الدامية كان أبرزها حادثة اضراب " كاورباغي " بين عمال النفط العراقيين الذين اضربوا عن العمل والشرطة.
في الوقت ذاته كانت بريطانيا ترى ان تحركات العراقيين ومطالب الجماهير الواسعة بتعديل معاهدة 1930 يجب ان تستغله لصالحها ، خاصة وان المعاهدة المذكورة كانت قد اعطت لبريطانيا من الامتيازات ما يصعب عليها ان تتخلى عنه تحت أي ظرف كان ، ففي المادة الثالثة من المعاهدة تخلت بريطانيا عن العراق في حال وقع نزاع مع دولة ثالثة وكل ما عليه فعله هو ان يوحد جهوده مع بريطانيا لحل ذلك الخلاف سلمياً ، بينما تنص المادة الرابعة منها على الزام العراق في حال وقعت بريطانيا في حالة حرب أو خطر الحرب على تقديم التسهيلات والمساعدات ومن ذلك استخدام السكك الحديدية والانهار والموانئ ووسائل المواصلات !! بريطانيا " العظمى " تقدم لنا حلاً سلمياً في حال وقوع نزاع بيننا وبين دولة ثالثة، ونحن نقدم لبريطانيا كل تلك المعونات !!
وتمت اضافة ملحقان الى المعاهدة، أحدهما عسكري والثاني مالي، ففي الملحق العسكري ثبتت بريطانيا جملة من النقاط كانت تصب في صالحها مطلقاً ومنها حصول القوات البريطانية على امتيازات في شؤون القضاء والعائدية الأميرية بما في ذلك الاعفاء من الضرائب. اضافة الى شراء العراق أسلحته من بريطانيا مع استخدام الضباط البريطانين الامور الاستشارية في الجيش العراقي وحق بريطانيا في استعمال طرق العراق وسككه الحديدية وطرقه المائية وموانئه ومطاراته والسماح للسفن البريطانية في زيارة شط العرب.
علاوة على ما تقدم فقد كان الشارع العراقي يعاني أزمة شديدة عرفت بـ " أزمة الخبز " ، حصلت بعد ان شهد البلد اسوأ موسم زراعي وهو 1946 / 1947 ، وعلى الرغم من ذلك الا ان مصالح الطبقة الحاكمة آنذاك والمرتبطة بمصالح كبار الملاكين دفعت بالحكومة الى الموافقة على تصدير القمح والشعير ، تاركةً وراءها تحذيرات غرفة تجارة بغداد التي حذرت من خطورة ترك المسألة دون علاج حقيقي ، وطالبت بعدم تصدير الشعير الى الخارج والحصول على ما متوفر منه لغرض خلطه مع القمح وتقديمه كخبز مخلوط للشعب للحيلولة دون تفاقم المشكلة ، الا ان مصالحهم قد طغت ، فاضطر الناس الى الوقوف بطوابير طويلة امام الافران ومنذ الساعة الرابعة فجراً للحصول على الخبز الذي كان القمح فيه يشكل نسبة ضئيلة جداً فقد كان الخبز خليطاً غريباً على الناس ، حتى انه لا يمكن لأحد ان يأكله ما أن يبرد !!حتى يذكر عبد الرزاق الحسني ان الرجال والنساء كانوا يتدافعون بالمناكب والسكاكين ليحصلوا على قليل من الخبز . وحسب التقرير الخاص بالسفارة البريطانية في بغداد فان قرار التصدير جاء تلبيةً لرغبة ملاكي الاراضي المتنفذين خاصة بعد أن صاهر صالح جبر أحدهم وهو من الحلة (عداي الجريان).
وعندما ايقنت بريطانيا ان ضمان مصالحها في العراق والمنطقة سيكون عبر عقد معاهدة جديدة غير تلك التي وقعت في 1930 كانت مقتنعة تماماً خلال عام 1946 ان شخصية ارشد العمري والذي كان رئيساً للوزارة آنذاك لا يعوّل عليها بينما انصب جل اهتمامها ونظرها على نوري السعيد والوصي عبد الاله باعتبارهما القادرين على اداء مهمات صعبة كهذه كما تراها بريطانيا، وبعد حفل العشاء الذي عقد في السفارة البريطانية في بغداد وحضره كورنواليس السفير البريطاني ونوري السعيد والوصي عبد الاله ، أرسل السفير البريطاني الى وزير خارجيته رسالة بما قد حصل طالباً منه حث الوصي على ابعاد العمري من رئاسة مجلس الوزراء على ان تعهد الى نوري السعيد بذلك !!
بعد ثلاثة ايام من العشاء نفذ الوصي عبد الاله ما طلب منه اذ اقصى ارشد العمري وعهد الى السعيد مهمة تشكيل وزارة جديدة ، فشكل نوري السعيد وزارته التاسعة في تشرين الثاني 1946 ، كانت لحكومته هذه المرة عدة اهداف خفية لكن اهمها هو اجراء انتخابات تضمن نجاح مرشحيه لكن انسحاب كل من ( محمد حديد ) الوزير الذي يمثل الحزب الوطني الديمقراطي و( علي ممتاز الدفتري ) الوزير الذي يمثل حزب الاحرار وفضح سياسة السعيد مما اضطره الى تقديم استقالته وشكل صالح جبر وزارته في آذار 1947 بعد ان كانت ترى بريطانيا انه شخصية مناسبة لموضوع المعاهدة وكما وصفه كورنواليس حين قال " ان صالح جبر قائد السفينة بينما سيكون نوري السعيد بمثابة أدميرال البحرية " !!
وافضل من وصف وزارة صالح جبر هذه هو السياسي العراقي ( حسين جميل ) الذي كتب مقالاً في جريدة صوت الاهالي والذي قال فيها :
" ان قيام وزارة جديدة تألفت بالأمس بنفس الاسلوب التي كانت تؤلف بها الوزارات السابقة وفي ظل الوضع الشاذ ، وهي وزارة ضعيفة خالية من كل لون ، مفقود فيها التجانس ، مؤلفة من وزراء استوزروا في مختلف العهود الماضية عاجزة عن مجابهة المشاكل التي تواجه العراق ، فهي لا تمثل آمال الناس ولا رأيهم فيما يواجههم من مشاكل ، وهي اضعف من ان تحقق للعراق أملاً ، وان كان يبدو من رئيسها والكثير من اعضائها انها ستكون قوية في ناحية واحدة هي مكافحة الحريات ومقاومة الاحزاب واضطهاد من منتسبيها والعودة بالعراق في ظل الاوضاع الشاذة ، فهو لون من الوان الضعف مبعثه خشية تمتع الشعب بحقوقه وسيادته " !!!
سار صالح جبر في حكومته على خطى سلفه العمري الذي كان قد صفى الحياة الحزبية وشل الصحافة الوطنية ومارس ابشع انواع القمع ضد الشعب العراقي من مصادرة حقوقه وحرياته العامة حتى انها اطلقت الرصاص الحي على صدور المتظاهرين الذين خرجوا لينددوا بقرار تقسيم فلسطين مما ادى الى استشهاد عدد من المتظاهرين وساقت الكثير من المحتجين على سياستها الى السجون ، اذ قام صالح جبر وفور مباشرته مهام عمله كرئيس للوزراء ، باغلاق بعض الصحف الحزبية المعارضة كما عطّل حزبي الشعب والاتحاد الوطني علاوة على ما سنراه من القمع والقسوة التي دشنها كرد فعل ضد المتظاهرين في احداث وثبة كانون .
بعد مجزرة كاور باغي ، وكل تلك النقمة الجماهرية على الانكليز ومعهم الحكومة العراقية اثر اعلان قرار تقسيم فلسطين ، وازمة الخبز الذي اذل العراقيين واهان كرامتهم في ظل مثل هذه الظروف اعلن صالح جبر في المنهاج الوزاري الذي طرحه انه يعمل على :
" تعديل المعاهدة العراقية – البريطانية على اساس ضمان المصالح المتبادلة بين الند والند على ضوء ومبادئ ونصوص ميثاق الامم المتحدة وتعزيزاً للصداقة التقليدية القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى " ، فبدات مفاوضات سرية كما اتفق الطرفان الحكومة العراقية والبريطانية استمرت من الثامن مايس 1947 عقدت في قصر الرحاب وتمت باشراف تام وكامل من قبل الوصي ، ولما شعر الأخير بأن تلك المفاوضات سوف لن تسفر عن شيء مما كان يتوقعه سافر بنفسه الى لندن في منتصف تموز من السنة نفسها وفاتح وزير خارجية بريطانيا ( بيفن ) في أمر تعديل المعاهدة .
وبعد فترة من اللقاءات والمشاورات دعا عبد الاله ومن قصره الرحاب الى اجتماع يضم رؤساء وزارة سابقين اضافة الى بعض الوجوه السياسية ، وفي الوقت الذي كان انشغال العراقيين بكيفية التخلص من القوات البريطانية المتواجدة على الاراضي العراقية كان حديث في اجتماع الرحاب ينصب على ضرورة ارتباط العراق بدولة اجنبية قوية وان هذه الدولة يجب ان تكون بريطانيا لكي لا يقع العراق تحت التهديد الشيوعي ويصبح بلاداً تابعة لهم على حد قول ( صادق البصام ) وان العراق سيصبح كله مطارات لبريطانيا في حال دخول بريطانيا حربا كما اكد ( عبد المهدي المنتفكي ) .
جريدة القاعدة لسان حال الحزب الشيوعي العراقي آنذاك كانت قد حذرت من المخاطر التي تنتظر العراق في المباحثات النهائية التي تجري في لندن مطالبة الوطنين بتكثيف جهودهم من اجل التخلص من معاهدة 1930 واسقاط حكومة جبر والمجيء بحكومة وطنية ديمقراطية .
في الثالث من كانون الثاني عام 1948 نقلت بعض وكالات الانباء تصريحاً ادلى به وزير الخارجية العراقي فاضل الجمالي ، هذا التصريح الذي كان مثالاً للعمالة والبون الشاسع بين الحكومة من جهة والشعب العراقي من جهة اخرى حين اعتبر ان كل تلك الانتقادات التي توجه لمعاهدة 1930 هي تصريحات لا تمت الى الحق بنصيب وان احزاباً سياسية هي التي تقف وراء هذا النقد ، اضافة الى ان بريطانيا قد اقرت بأن الوقت قد حان لتعديل تلك المعاهدة وان السيد رئيس الوزراء سيترأس وفداً بشأن تعديلها ، هذا التصريح الذي تلقفته الاحزاب والقوى الوطنية باستنكار شديد ، فتظاهر في اليوم الخامس من كانون الثاني 1948 طلاب الكليات والمعاهد مما دفعهم ذلك الى الاصطدام بالشرطة التي استخدمت العصي والاطلاقات النارية لتفريقهم مما ادى الى اصابة عدد منهم بجروح واعتقال البعض الآخر .
استنكرت الهيئة التدريسية لكلية الحقوق ما جرى ورفعت الاحزاب صوتها عاليا ضد الاجراءات الحكومية ذلك كله دفع صالح جبر الذي كان موجوداً في بغداد الى عقد اجتماع سريع لمجلس الوزراء ليتخذ قراراً بتعطيل الدراسة في معهد الحقوق لأجل غير معلوم كما وجه باحالة الطلاب المعتقلين الى المحاكم متهماً اياهم بالتحريض على التظاهر من اجل اسقاط الحكومة.
في اليوم التالي اضربت جميع الكليات والمعاهد تضامناً مع طلاب كلية الحقوق فكانت تهمة جمال بابان جاهزة ايضاً هذه المرة حيث خرج ببيان يؤكد فيه ان الطلاب المشاغبين هم اشخاص يحملون افكاراً هدامة.
وفي العاشر من كانون الثاني وبعد وصول الوفد المفاوض الى لندن جرى توقيع معاهدة بالاحرف الاولى ، ووصلت المسودة الى بغداد في الثالث عشر من الشهر نفسه وبعد ايام نشرها جمال بابان في بغداد وما ان اطلع عليها الشعب حتى وجه انتقاداته الشديدة ضدها وضد الحكومة ، واعلن الطلاب الاضراب عن الدراسة لمدة ثلاثة ايام وفي اليوم الثالث من هذا الاضراب نظم الطلاب تظاهرة وصلت الى الباب الشرقي وهم يهتفون باسقاط المعاهدة ووزارة صالح جبر ثم ساروا بتظاهرتهم الى مجلس البرلمان مطالبين بسقوط الحكومة وحل المجلس النيابي ورفض المعاهدة وتفرقوا في باب المعظم وبالتأكيد لم تتوان الحكومة عن وصفهم بالجهلة والمخربين وذوي الافكار الهدامة مشددة على انها ستتخذ اقسى الاجراءات الكفيلة بايقافهم عند حدهم لكي لا يعيدوا تظاهراتهم .
حشود الطلاب المتظاهرين الذين لم تردعهم تهديدات الحكومة العراقية ومن ورائها بريطانيا عادت الى الشارع مرة اخرى في العشرين من شهر كانون الثاني الا انها هذه المرة كانت اوسع واشمل حتى انهم حاصروا مبنى مديرية التحقيقات الجنائية مرددة الشعارات السابقة نفسها وجوبهت ايضاً بالعنف والرصاص حتى سقط شمران علوان شهيداً ، في اليوم التالي وفي تظاهرة تشييعه من قبل المتظاهرين فتحت الشرطة النار عليهم لتفريقهم وكانت الاوامر هذه المرة تقضي بقتلهم حتى سقط شهيد آخر رفعه زملاؤه ودخلوا بجثته الى عميد الكلية فقدم استقالته وجميع اساتذة كلية الطب وكلية الصيدلة واطباء المستشفى .
في مساء اليوم نفسه اجتمع الوصي عبد الاله مع رؤساء الوزارات ورئيس مجلس الاعيان وبعض من معارضي السلطة وبعد انتهاء هذا الاجتماع اعلن الوصي بأنه ( سوف لن تبرم اية معاهدة لا تضمن حقوق البلاد وامانيها ) وهذا الموقف وصفه عبد الرزاق الحسني بالمتراجع اذ يذكر ان الوصي كان في بداية الامر يصر على استخدام الشدة والعنف وحصدهم حصداً على حد تعبيره ، بينما اكد السيد عبد المهدي المنتفكي بأن المتظاهرين هم عناصر شيوعية هدامة خرجت بعض الاحزاب والشخصيات ببيانات وهي تعبر للشعب العراقي عن ارتياحها لما قد اعلنه الوصي لكن الحزب الشيوعي العراقي وبعض الاحزاب معه في لجنة التعاون الوطني اصدرت بيانا حذرت فيه الشعب العراقي من محاولات الحكومة الرامية الى امتصاص غضب الشارع واضاعة الوقت ومحاولة تسويف مطالبهم داعياً اياهم الى الاستمرار في النزول الى الشارع حتى تحقيق المطالب كلها من اسقاط معاهدة 1930 ومعاهدة بورتسموث واسقاط وزارة صالح جبر وتأكيداً على وجهة نظر حزبنا آنذاك ما صرح به صالح جبر من لندن بانه سيعود بالسرعة الممكنة الى بغداد ويقضي على مثيري الفتنة من عناصر شيوعية ونازية وممن كان قد اعتقلهم بعد اسقاط حكومة الكيلاني .
في 25 من شهر كانون الثاني اعدت الحكومة البريطانية طائرة خاصة قامت بنقل صالح جبر الى مطار الحبانية ومنه ادخلته الى بغداد بسيارات عسكرية مصفحة خلسةً خشيةً من المتظاهرين، بعد ان حاصر هؤلاء مطار بغداد، بعدها بيوم أصدر جبر بياناً يحذر فيه المتظاهرين من النزول مرة اخرى الى الشارع، كما وتوعدهم بإنزال أقسى العقوبات الصارمة ضدهم وخول متصرفي الالوية والشرطة باستخدام الرصاص لتفريق اي تجمع كما أمر الشرطة بأن تنزل الى الشوارع باعداد كبيرة وتحتل المراكز الحساسة في العاصمة.
في ليلة 26 كانون الثاني خرج صالح جبر ببيان موجه الى ابناء الشعب العراقي وكان قد حذر فيه من الاستمرار في التظاهر ومحاولة احراج كرامة الحكومة محذراً اياهم من انزال اقسى العقوبات في حال عدم الالتزام بأوامر الحكومة وخول جميع متصرفي الالوية ومدراء الشرطة فيها باستخدام السلاح حتى لتفريق اي تظاهرة ، واجهت جموع المتظاهرين هذا البيان بتحدٍ كبير ، فقد تواجد المتظاهرون في شوارع بغداد من ساعات الفجر الاولى ولاحظوا كيف حولت الشرطة الشوارع الى ما يشبه ساحات الحرب ، فقد احتلت الشرطة برشاشاتها وعجلاتها العسكرية المصفحة المباني الرسمية والاماكن العالية في بغداد وحتى منارات الجوامع تم استغلالها ايضاً وما حصل في جامع الآصفية في الرصافة وجامع حنان في الكرخ خير مثال .
بعد أن تجمعت كل تلك الحشود من شتى مناطق بغداد في الساحات العامة توجهوا الى ساحة الأمين ما تعرف اليوم بساحة الرصافي بعد أن كانت تلك الجموع قد اشتبكت مع الشرطة وقتل أربعة من المتظاهرين وعلى إثرها حرق المتظاهرون مركز شرطة العبخانة وهجموا على صحيفة التايمس العراقية التي تصدر باللغة الانكليزية ، وحين حاول المتظاهرون العبور الى الكرخ للالتحام مع المتظاهرين هناك منعتهم الشرطة بكل الوسائل المتاحة وقتلت منهم الكثير مما ادى الى توقف المتظاهرين الا ان فتاة شجاعة وقفت في منتصف الجسر وعرفت باعتبارها ( فتاة الجسر ) فيما بعد هتفت وعلى اثرها واصل الحشد تقدمه مما ارهب الشرطة فانهزمت خشية ان تقع في أيدي الغاضبين .
على أثر اشتباكات ذلك اليوم قدم عشرون نائباً من مجلس النواب استقالتهم تبعهم بذلك رئيس المجلس احتجاجاً على ما جرى، وبعد الحاح السيد محمد الصدر الذي كان مجتمعاً مع الوصي في قصر الرحاب على وجوب تقديم صالح جبر استقالته، قدم الاخير استقالة حكومته.
ما نستطيع استنتاجه من الوثبة، ذلك الحراك الجماهيري الرائع هي مجموعة من النقاط أرى من الضروري المرور بها للاستفادة وتسليط بعض الضوء عليها:
1. يتحدث بعض الكتاب على ان هناك ايدي او عناصر صهيونية لعبت دوراً في الوثبة ووسعتها في محاولة منها لاشغال العراق بنفسه بعيداً عن القضية الفلسطينية ، وهذا الامر مرفوض جملةً وتفصيلاً لمن يطلع على تاريخ العراق في تلك الفترة فالامر الذي قامت على اساسه الوثبة هو التخلص من التواجد الانكليزي في العراق والعسكري على وجه التحديد والذي بقى مطلباً وطنياً عالياً وواضحاً منذ معاهدة 1930 .
2. لأول مرة منذ تأسيس الدولة العراقية يتحول المتظاهرون الى الجانب العنفي من الاحتجاج بعد ان استخدمت الحكومة كل ما توفر لديها من قوة لقمعهم حتى انها ارادت استخدام الجيش في ذلك عبر انزاله الى الشارع وحسم الموضوع عسكرياً لولا نصيحة البعض من ان هذا سيجر بحرا من الدماء في الشارع.
3. ويؤكد البعض أن الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء توجه شخصياً الى الوصي عبد الاله لابلاغه رسمياً بأن علماء الدين في النجف يطالبون بابعاد صالح جبر عن الوزارة وايقاف مجازر الدم التي ترتكبها حكومته بحق الشعب.
4. فشل المشروع البريطاني القائم على تسليم الوزارة لصالح جبر باعتباره شيعيا مما سيدفع زعماء المعارضة باعتبارهم شيعة ايضاً من ان يثوروا عليه حسب رؤية بريطانيا آنذاك، فالمنشورات التي تم توزيعها على المتظاهرين والتي كان لصالح يد فيها تلقاها المتظاهرون بنوع من الاستهزاء ورفضوها ومزقوها دون ان يعيروها اي اهتمام.
5. نجح المتظاهرون في اسقاط معاهدة بورتسموث، واسقاط حكومة صالح جبر، لكن عودتهم الى البيوت دون الاصرار على الاقتصاص من الحكومة السابقة وعلى رأسها جبر جعلت من بريطانيا تبقي على علاقتها مع العراق على اساس معاهدة 1930 ونفوذها لم يتغيير .
6. مجيء شخصية ضعيفة مثل محمد الصدر الى رئاسة الوزارة بعد اسقاط حكومة جبر لا لشيء الا لأنه لا يستخدم العنف وحسب تقرير السفارة البريطانية التي وصفته بالجاهل بالعمل الحكومي جعل الكثير من مطالب المتظاهرين التي تم التركز عليها لم تتحقق ومنها اطلاق الحريات الديمقراطية وحرية العمل والتنظيم النقابي وتوفير الخبز الجيد للناس والاقتصاص من حكومة جبر.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل