/
/
/
/

كانت اللحظة التي اطلق فيه الرصاص على صدر الشهيد جلال الاوقاتي، عند خروجه من بيته صبيحة 8 شباط 1963 هي لحظة بدء الانقلاب على ثورة 14تموز ، وانجازاتها الوطنية السياسية والاقتصادية الاجتماعية، وبها بدأ وأد التطور الطبيعي في اتجاه بناء الدولة الحديثة المنشودة ، والتي تتسع لجميع المواطنين على اختلاف قومياتهم واديانهم واتجاهاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية ،رغم ما رافق التجربة من عيوب ونواقص وتلكؤ ،شأن اي محاولة جديدة تسعى الى اشراك المواطن في الحياة السياسية وفتح آفاق التطور.

سير الاحداث

كان الوقت بعد الثامنة والنصف بقليل من صباح يوم الجمعة 14 رمضان، انقضت طائرتان من نوع (هوكر هنتر) لقصف مطار الرشيد وبعدها جاءت طائرات الميغ في مجموعات لتصلي وزارة الدفاع بالصواريخ، بقيادة الرئيس الجوي منذر الونداوي، وظهر الحرس القومي من الاعظمية في محيط معسكر الرشيد، وانظمت اليهم كتيبة الدبابات الرابعة، وكان قائدها العقيد الركن خالد مكي الهاشمي، وتوجه ضباط متقاعدون وبرتبهم العالية بقيادة اللواء طاهر يحيى الى المعسكر ونجحوا في السيطرة عليه.
من جهة اخرى كانت وحدة من كتيبة الدبابات الرابعة تضم عبد السلام عارف واحمد حسن البكر، استولت على محطة البث في ابو غريب.
وكان عبد الكريم مصطفى نصرت يتوجه الى وزارة الدفاع في دبابته، وصدر البيان رقم 1 لزعماء الانقلاب باسم (المجلس الوطني لقيادة الثورة) وجاء فيه (بعون الله تم وضع حد لنظام عدو الشعب عبد الكريم قاسم)، وكان البيان يقطر بتعابير المتعصبين للعراق وليس بتعابير واضعيه، والغرض منه استمالة الاكراد وتحييد الجيش واذاعوا أن الطاغية والخائن المجرم قد قتل على ايدي ضباط ورجال وزارة الدفاع بعد تدمير وكره من قبل نسور القوات الجوية.
كان الزعيم في هذه الاثناء في بيت أمه، والتلفزيون بعد ذلك يظهره في شارع الرشيد والناس تحييه، وبعد ذلك توقف التلفزيون مباشرة عن البث.
وصل الزعيم الى الدفاع بعد الساعة العاشرة والنصف والجماهير المحتشدة تطالبه بالسلاح وتهتف (ماكو زعيم الا كريم)، تشاور الزعيم مع ضباطه ومنهم الضابط الشيوعي الشجاع طه الشيخ أحمد واقترح على الزعيم الانقضاض على المتآمرين في اوكارهم بدلا من البقاء في وزارة الدفاع، وتوزيع السلاح على الجموع المحتشدة، ولم يقتنع عبد الكريم بذلك.
تجمع الشيوعيون وشعروا بالخطر الذي يواجه البلاد، فوجه الشهيد سلام عادل الى المقاومة المسلحة للانقلابيين، ووزع بيان الحزب الشيوعي في الساعة العاشرة صباحاً ولصق على الجدران، ونادى الى السلاح اسحقوا المؤامرة الرجعية الامبريالية ونادى الى تحرك العمال والفلاحين وجماهير الشعب والوطنيين والديمقراطيين، وطالب الحكومة بالسلاح. وبدأ الآلاف من الناس يتحركون باتجاه وزارة الدفاع وسدت الشوارع الرئيسة، ولكن دبابات الكتيبة الرابعة احتلت الجسر، وجاء الناس من شارع غازي افواجا محملين بالعصي وبعض الاسلحة الخفيفة ولم يسلمهم السلاح، وعرقلت الجماهير دبابات مصطفى نصرت ورجال الحرس القومي، ومن الكرخ هاجمت الجماهير الاذاعة في الصالحية وكان فيها ما يسمى – بمجلس قيادة الثورة-ولكنهم صدوا بالدبابات.
وفي الكاظمية قاد هادي هاشم الاعظمي وخزعل السعدي وحمدي ايوب العاني الجماهير واجتاحوا مراكز الشرطة والنجدة وسيطروا عليها. في هذه الاثناء سقط معسكر الرشيد بيد الانقلابيين، رغم ان اغلبية الجنود كانت ضد الانقلاب، واحتفظوا بصورة الزعيم على صدورهم حتى بعد موته ولم يخلعوها الا تحت التهديد، وفي معسكر سعد قام ضابطان و19 جنديا بالسيطرة على السلاح ووزعوا منه الى الجنود، ولكن حركتهم اخمدت.
وفي الوشاش قام ضابط بمهاجمة مستودعات المدفعية ووزعوا الذخيرة على الجنود وقامت في بغداد دبابات عبد الكريم مصطفى نصرت بسحق الناس بسرفها بعد ان استطاعت الدخول وسط الجماهير حاملة صور الزعيم لخداع الجماهير - لكي تمر- وحينها سقط المئات من الناس ودخل لواء المشاة الثامن بغداد بعد ان استولى عليه ضباط قوميون في الحبانية، وسارعت الكتيبة الاولى والثانية الى الكاظمية، وسرية واحدة توجهت لتأمين سلامة مبنى الاذاعة، والكتيبة الثالثة توجهت الى وزارة الدفاع، ودكت الطائرات والدبابات وزارة الدفاع بقوة ومن بين (1500) من الرجال في الدفاع مع الزعيم قتل منهم (500) فرد وظلت المعركة حتى الظهر من يوم التاسع من شباط، وفي داخل الوزارة كان اتباع الانقلابيين يهتفون( ماكو زعيم الا كريم) لخداع اتباع الزعيم عبد الكريم.
وكانت المقاومة شديدة ومن كل فئات الشعب، وتشير المعلومات الى استشهاد اكثر من (5000) مواطن في القتال الذي جرى يومي 8 و 10 شباط، واكثر من (1500) من الشيوعيين وجاء الحكام الجدد يحملون حسابا يريدون تسويته بحماستهم الثأرية، وقد عوملت المناطق التي وقفت ضدهم وكأنها مناطق عدو. وانتشرت قوات الحرس القومي تمشط البيوت واعدام الشيوعيين الابطال اينما عثروا عليهم، وحولوا النوادي الرياضية ودور السينما والمساكن الخاصة وقصر النهاية وجزء من شارع الكفاح الى معسكرات اعتقال.

التعاون مع الامريكان

ان البعث تعاون مع الامريكان، لقد اكد الملك حسين في حديث شخصي منفرد بعد 7 أشهر من الانقلاب مع محمد حسنين هيكل -رئيس تحرير الاهرام، وجرى في فندق كربون في باريس- قال له (تقول لي ان الاستخبارات الامريكية كانت وراء الاحداث التي جرت في الاردن، 1957 اسمح لي ان اقول الآن ان ما جرى في العراق في 8 شباط –فبراير– قد حظي بدعم الاستخبارات الامريكية، ولا يعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الامر، ولكني اعرف الحقيقة ،لقد عقدت اجتماعات عديدة بين حزب البعث والاستخبارات الامريكية ، وعقد اهمها في الكويت ، أتعرف ان محطة اذاعة سرية تبث الى العراق كانت تزود يوم 8 شباط –فبراير- رجال الانقلاب بأسماء وعناوين الشيوعيين هناك للتمكن من اعتقالهم واعدامهم )، القاهرة 27 أيلول 1963.

دور عبد الناصر

كان لعبد الناصر دورا في اسناد البعث وتسليحهم برشاشات بور سعيد وكثير من الاموال، وعاش البعث بعزلة وحصل انشقاق بينهم والناصريين العراقيين ثم عبد الناصر نفسه، وسقط البعث في 18 تشرين الثاني على يد عبد السلام عارف حليفهم السابق وكان عند سقوطهم (10000) آلاف من الشيوعيين في السجون، وقد اثار ما حصل من البعث الخلافات بينهم انفسهم، وتشير نشرة قبل سقوط نظامهم ببضعة اشهر (بدأنا نتساءل يوما بعد يوم لمصلحة من هذه السياسة؟)، وقال علي صالح السعدي (لقد جئنا بقطار امريكي).
لقد سجل انقلاب شباط المشؤوم بداية تاريخ طويل من الانتهاكات لحقوق الانسان والهدر لكرامة المواطن، وكان مشهد الدم المسفوح والقتل بالجملة، السمة التي لازمت الانقلابيين وميزتهم، ومن ينسى البيان رقم 13، وتلطخت ايديهم بدماء الآلاف من الوطنيين والشخصيات الديمقراطية والتقدمية.
بلغت الجرائم حدا اصبحت فيه عمليات التعذيب والاغتصاب والقتل مشاهد يومية يمارسها مسلحو الحرس القومي، وقد صدر كتاب المنحرفون عن سلطة انقلاب تشرين 1963 والذي نقل عن الضابط والوزير نعمان ماهر قوله (ان اليوم الذي شهد ولادة الحرس القومي ومكتب التحقيق الخاص لن يذكره التاريخ الا بشعور من الخجل والعار).
لقد لعبوا على وتر العنصرية البغيض، وانفردوا بالسلطة واستحوذوا على مقدرات البلاد وحكموا بالقبضة الحديدية استبدادا وعسفا، واسسوا لحكم الفكر الواحد واللون الواحد ولاحقا الحزب الواحد، وانتهجوا طريق التمييز الطائفي الذي ترك فيما بعد آثارا وخيمة على نسيج المجتمع العراقي حتى بات يهدد الوحدة الوطنية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل