/
/
/

يعد التعليم العالي واجهة علمية لاي بلد وبقدر ما يكون هذا التعليم رصينا ومتقدما، يكون ذلك تميزا للبلد بين بلدان العالم، هكذا هي الدول المؤسساتية، وتأتي الرصانة العلمية بدءا من ادارة المؤسسة العلمية وبدعم من الحكومة واولى خطوات الدعم استقلالية الجامعة وحمايتها من الجماعات الضاغطة من التأثير في قراراتها لا سيما المتعلقة ببرامج التعليم والمناهج وفي كل المراحل ، ولدعم سياسة الجامعات هناك تعليمات وزارية تحدد عقوبات المخالفين لهذه التعليمات وليس هناك استثناء لأي كان ومهما كان انتماؤه او مذهبه او دينه ، واختيار قيادات جامعية مؤهلة تأهيلا علميا كفوءا ، على سبيل المثال اختار الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم د عبد الجبار عبد الله رئيسا لجامعة بغداد ، وعندما قيل له هذا الرجل مندائي اجاب اليس عراقيا وله الحق في كل شيء كبقية العراقيين والامر الآخر انا لم اعينه امام جامع ، وكان اكفأ وزير مالية في العهد الملكي يهودي الديانة هو العراقي حسقيل ، وغيرهم كثر عرب واكراد وتركمان وايزيديين وآخرين من قوميات اخرى وديانات متعددة لهم شأن في السياسة والاقتصاد والادارة ، اي بمعنى لاختيار قيادات مؤسسات التعليم العالي او اي مؤسسات اخرى على اساس العلمية والخبرة والكفاءة والقدرة على الادارة وهكذا هي دولة المؤسسات ، نعم ، هكذا تسير دول المؤسسات وللجامعة قوة القرار ولها ان ترفض او تقبل حسب الحالة التي تتسق مع سياستها العلمية ومدى اتساقها مع الاصول العلمية والتشريعات القانونية والتعليمات الصادرة بموجبها ، والجامعات التي تحظى بالاستقلالية كما يقال ، في حقيقة الامر هي غير مستقلة تماما حيث الجماعات الضاغطة حاضرة بكل تشكيلاتها وقوتها بكل معانيها وهي تهدف الى حصول جماعات معينة على الشهادات الجامعية الاولية والعليا وهكذا حصل البعض على ما يريد واصبحوا تدريسيين في الجامعات العراقية ، وان ابرز مكامن الخلل في مسيرة التعليم العالي خلال الفترة التي اعقبت عام الاحتلال ، اذ ان منظومة التعليم العالي وصفها كاتب اجنبي صاحب كتاب غزو العراق تدمير حضارة ، وصف هذا الرجل منظومة التعليم العالي في العراق بانها (افضل منظومة تعليم عالي في الشرق الاوسط وشمال افريقيا) اما بعد عام الاحتلال فكان ما يأتي:
1- ظهرت بعد الاحتلال بدعة الانتخابات لاختيار القيادات الجامعية وان كانت لفترة قصيرة لكنها اضرت كثيرا بمنظومة التعليم العالي لان ذلك سهل صعود اناس لا يستحقون حتى ان يكونوا في الوسط الجامعي وعملوا لسنوات كقيادات جامعية وحققوا ما يريدون خلال السنوات الاولى لهم ومن هم على صلة بهم من قبولات وتعيينات قبل ان تستقر الامور نسبيا وقد حصل ذلك فيما بعد في الكليات الاهلية بعد انتشارها.
2- الخلل الكبير في ما جرى بالنسبة للقرارات المتعددة الصادرة من الوزارة والجامعة والمتعلقة بتعدد الادوار أي دور ثالث ودور رابع وزيادة في الكيرفات او ليس هناك مسمى مرقن قيده..الخ ، ان ذلك لا يخدم الرصانة العلمية، ولا سيما ما يحصل على مستوى التعليم العالي لتحقيق النجاح لأناس هم فاشلون اصلا ولربما هي لأشخاص معينين وتتخذ قرارات بشأنها بتأثير جهات ضاغطة تملك السلطة التي تمكنها من الضغط على مصدر القرار واحيانا التهديد بالإعفاء من المنصب ، ان هذه القرارات تشوش وتلحق الضرر الكبير في العملية التربوية والعلمية ولا تنظم وهي معروفة لتحقيق اهداف البعض المتنفذ ، نحن نتحدث عن منظومة تعليم عالي مهمة تخص بلد اسمه العراق ، وقياسا بهذا البلد العملاق فمن يكون فلان وابن فلان؟
3- قنوات القبول المتعددة والتي تقصي اصحاب المعدلات العالية عن القبول وقبول اخرين وهي قنوات لا علاقة لها بالناحية العلمية ومثل هؤلاء بمعدلات واطئة اذ ليس من المعقول ان يقبل طالب في الماجستير بمعدل 53 مثلا واخر بمعدل 65 فأعلى لا يقبل، ان ذلك انهيار للتعليم الذي يجب ان يعتمد الرصانة العلمية اما اولئك الذين اعتبرت لهم حقوق بطريقة ما، يمكن تعويضهم في الحصول على هذه الحقوق كل في مجاله او هناك امتيازات اخرى يفترض التمتع بها عما تعرضوا له من اضرار لسبب ما.
4- ازدياد وانتشار الدراسات العليا ليست ظاهرة صحية بقدر ما يكون التركيز على النوع لا الكم. اذ يلاحظ ان اعداد المقبولين في برنامج الماجستير تصل احيانا بين 15-20 طالبا كما اصبحت اعداد المقبولين في برنامج الدكتوراه في ازدياد، والمشكلة ان الرسوب اصبح غريبا اذ يجب ان ينجح كل الدارسين، ونرى ان البديل هو حصر الدراسات العليا في جامعات معينة واحدة في بعداد وواحدة في الوسط واخرى في الجنوب وواحدة في الشمال ويتم اختيار افضل الأساتذة من ذوي الخبرة والكفاءة والعلمية المرموقة من اجل النوع لا الكم وحسب الاختصاصات التي لها حاجة ضرورية. بينما هي متوسعة في جميع الجامعات العراقية.
5- وهناك مشكلة انتشار الكليات الاهلية، انتشار النار في الهشيم بحيث تجاوز عددها الضعف للجامعات والكليات الحكومية فهل العراق بحاجة الى هذا العدد في ظل غياب المراقبة الحكومية التي الغيت في سنة ما.. ان غياب الرقابة والاشراف السليمين ضروري جدا لأحكام الرصانة العلمية وعدم التجاوز على التعليمات. وبالتالي فان اعادة النظر بهذا العدد امر في غاية الاهمية لان تأسيس هذه الكليات اصبح ذا نزعة تجارية وليست هناك ضرورة وحاجة لهذا العدد والملاحظ ان المؤسسين الحقيقيين والممولين ليسوا اكاديميين. وان هذه الكليات كونها تبحث عن الربح فهي تقوم بتعيين حملة الماجستير برواتب متدنية وهو حق لهؤلاء الخريجين الذين يعانون من البطالة ولكن يجب مراعاة الجانب العلمي وان لا يغلب عددهم على الكوادر من ذوي الخبرة حيث الرصانة والعلمية.
6- من الضروري اعتماد التعليمات الوزارية في اختيار الادارات الوسطى بمستوى معاون عميد او رئيس قسم او شعبة او وحدة علمية حيث الاقدمية والخبرة ويسري ذلك على التدريس في الدراسات العليا اذ يتم تجاوز هذه التعليمات واختيار من يرونه قريباً من هذا وعلى صلة بذاك.
نكتفي بهذا القدر ونتمنى من الحكومة الجديدة ومن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اتخاذ الاجراءات الداعمة لما فيه رصانة التعليم العالي والحفاظ على مكانته العلمية المعروفة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل