/
/
/

 ما نهضت أمة، قديما أو حديثا، إلا انطلاقا من تبني ثقافة الإنجاز والعمل تبعا لناموسها. ثقافة الإنجاز هي التي تحدد الهوية والمكانة. فيها تشكل قاعدة كل نماء أو بناء لا يرى المرء من مفهوم لذاته أو تصور إلا باعتباره كائنا يحسن تنمية طاقاته وتوظيفها. كما أن صناعة المستقبل قائمة على الجهد الذاتي والجماعي بما فيه من تجديد وإبداع.

 في الثقافة هذه تتحدد المكانة انطلاقا من الجدارة، التي هي المرجعية في الحكم والتقويم والامتيازات. ذلك انها تقوم على معادلة الكفاءة. من هنا التنافس على بناء الاقتدار الذاتي الذي يضمن وحده، في عالم القوة والقدرة الذي نعيش فيه، المكانة والحقوق، بذلك تنهض الأمم الحية راهنا ومستقبلا.

 أن ثقافة الولاء للقبيلة والطائفة، الحزب السياسي، الكتلة، التحالفات، لا تفعل سوى تشتيت وتفكيك وهجرة الطاقات والكفاءات التي طالما اعتبرت ثانوية بعرفهم. هكذا تهمش فئات كبيرة من ذوي الكفاءات والقابليات العلمية والفنية والرياضية والأدبية والعسكرية والإعلامية..، حتى النادرة منها، تدفع الى المنفى الداخلي أو الخارجي. يقرب الموالون للحاكم والطائفة.. ولو كانوا من ذوي الكفاءات الرديئة والإنجاز المتدني، بينما تترك الطاقات الوطنية الخلاقة تتبخر أمام العيون.

هنا لا يستغرب المواطن أو القارئ، لأنه ليس من عجب عندها عندما تتعثر التنمية ويعم التخلف، طالما تحول الأمر الى اقتسام مغانم!.

 أما المبعدون أو المهمشون من ذوي الكفاءات فيجترون الإحباط والمعاناة. هي حالة كفيلة بأن تحرق الإمكانات ذاتها التي توظف في احتقان النفوس في حالة من الإحساس باللاجدوى، بدلا من أن توظف في الإنجاز والبناء الحضاري.

 أما الكثرة المهمشة من أعضاء المجتمع، من غير ذوي الكفاءات والوعي الذي يدفع بهم الى الهجرة الداخلية أو الخارجية، المنفى الذاتي أو الخارجي، أولئك الذين لا يترك لهم عادة سوى الفتات، فيعاد استخدامهم من قبل زعامة العصبية في حربها مع التجمعات الأخرى خاصة المذهبية الدينية.

إنهم رصيدها ووقود العنف، ستزج بهم في الحرب بعد أن تزينها لهم على أنها تضحية من أجل قضاياها السامية. من خلال ها يحصل على وهم القيمة الكيانية البديلة التي تخلق توازنا في وجوده. لقد أصبح له قيمة المحارب المدافع عن العصبة أو القبيلة ووجودها.

 الشاب المغبون هو من يهدر فيه هذه الحالة، حيث يضحى به من خلال التلاعب بميوله وطموحاته الحياتية والتعليمية. الشاب الميت الطموحات في الحياة والعاطل عن العمل والوظيفة، يزين له وهم الحياة الخارقة من خلال زجه في معارك الأحزاب والكتل وبطولاتها البائسة في دهاليز الأفكار المظلمة الغيبية. إنه يشكل تلك الطاقة الفائضة التي تمكن التضحية بها، بدلا من أن يكون المورد البشري لصناعة المستقبل.

 هذه من جراء قوة المستبد وتكرار أفكاره الاستبدادية، التي تطرح على مستوى العموميات والتعميمات التي لفرط تكرارها تفقد دلالتها الحية اليومية المعيوشة. إن التفرد والديكتاتورية التي ابتلى بها مجتمعنا العراقي، يهدران الكيان الإنساني لأنه لا يعترف أصلا بهذا الكيان، إنه لا يعترف بإنسانية الإنسان. ولو اعترف لتعين عليه إقامة علاقة تضبطها ضوابط الحرمة والحق في الوجود والكيان والقيمة، أي لتعين عليه إقامة علاقة قانونية مؤسسية تفرض مقتضياتها على الطرفين.

الكارثة هنا التي يمكن أن تحل بالمجتمع الإنساني سواء للمتفرد المستبد الذي يتضخم كيانه كي يتحول الى أسطورة سطوة، أو إنسانية التابعين الذين تنحسر إنسانيتهم كي يتحولوا الى الكيانات، الأشياء، الأدوات..التي يمكن التصرف بها من خلال الإقصاء والتهجير والاغتيال.

 بذلك، ينتج التفرد هدر الدم، هدر الكيان والكرامة، هدر الفكر والوعي، المواطنة، القدرات والطاقات..ثم تتحول الحياة الى شعارات براقة مرفوعة تزين الجدران بلافتات عن مشاريع تنموية هائلة، لكنها خاوية، بسبب الثقافة المنحازة الى تعظيم التكتلات والنكرات.    

 

 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل