/
/
/
/

قبل أن أبدي ملاحظاتي هذه أوجه التحية للسيدين الكريمين كاتبي هذا المقال ، وأثمن جهودهم في تبيان بعض من زوايا هذا المناضل والرفيق والصديق قيس عبد الله خليل الرحبي.

ولد قيس عام 1942 أو 1941 في بهرز وسط عائلة عريقة ميسورة الحال الى حد ما... ففي بهرز لا يوجد لدينا أغنياء ، ولكن يوجد متوسطو الحال ، وترعرع في وسط قروي فلاحي ، وفي مجتمع متماسك ومتكافل الى حد بعيد في تلك العقود التي مضت .

بالنسبة الى مشاركته في تظاهرة بهرز تأييداً لوثبة كانون ، أنا لم أسمع عن هذه التظاهرة !.. وإن كانت حقيقة فإن قيس كان عمره لا يتجاوز السبع سنوات .

انتمى الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي عام 1960 م بعد أن تعدى عمره 18 عاماً ، والذي رشحه الى الحزب الرفيق الراحل نعمان إسحاق الصافي .

وعن قيادته أو تكليفه بقيادة منظمة بهرز ، فهذا بعيد عن الواقع وغير دقيق أبدا !..

بعد ثورة تموز 1958 كان حينها مسؤول منظمة بهرز الرفيق الراحل وهيب الكروي حتى عام 1961 ، بعد أن تم تعيين الرفيق خضير مسعود له العافية وطول العمر ، كمسؤول لمنظمة بهرز وبقي على رأس المنظمة حتى الانقلاب الدموي يوم 8/2/1963.

في عام 1961 حين وجه الحزب منظماته الحزبية والديمقراطية بالقيام بحملة تدعو لإيقاف الحرب في إقليم كردستان، فقد كلف الرفيق بكتابة شعارات على الجدران في بهرز ومن هذه الشعارات  إحلال السلم في كردستان ضرورة وطنية، حل  الجته.. ضرورة وطنية (المقصود هنا الأكراد الذين يتم تجنيدهم للقتال مع الجيش ضد الحركة الكردية ، كذلك يطلقون عليهم الجحوش) ، لا للحرب . نعم للسلام في كردستان ، عاشت الأخوة العربية الكردية ، وغير ذلك من شعارات .

حينها شهد بعض من عملاء الشرطة والأمن على أن قيس هو من قام بكتابة الشعارات ، وتم اعتقاله وإحالته الى محكمة المجلس العرفي الأول يرأسها ( شمس الدين عبد الله ) فحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات ، وأودع السجن ولم يطلق سراحه حتى عام 1965.

بعد اتفاق 11 آذار ، بين الحركة الكردية ونظام البعث الذي جاء الى السلطة من جديد في انقلاب 17 تموز عام 1968. استغل النظام الفرصة للنيل من الحزب ومنظماته التي تمكنت حينها من لملمة صفوفه وتضميد الجراح ، واستعادته لوحدته التنظيمية بعد الانشقاق الذي قاده عدد من قياديي الحزب وكوادره عام 1967 وعلى رأسهم عزيز الحاج وكاظم الصفار ومتي هندو وأحمد الحلاق الذي استشهد تحت التعذيب عام 1969.

ففي 31/3/1970 م تعرضت منظمة بهرز الى هجمة شرسة وباقي مدن محافظة ديالى والمحافظات الأخرى .

وبهرز كانت بالحقيقة تقود بعقوبة والهويدر والمقدادية وبهرز نفسها ، عبر لجنة القضاء التي كان سكرتيرها أبو ازدهار ، وأنا كنت نائب السكرتير إضافة لعدد من أعضاء هذه اللجنة وهم كل من الرفاق الشهيد دهش علوان والرفيق علي والرفيق نصير ورفيق عن منظمة المقدادية ، وكان اسم منظمتنا ( فداء ) .

وبعد علمنا بالبحث عنا ومحاولة اعتقالنا ، بعد أن وصلتنا معلومات تفيد بأن هناك اعتقالات في بعقوبة ، توارينا عن الأنظار ، وتمكنت وأبو ازدهار من مغادرة بهرز ، وبقيت فترة في بغداد وكنا نلتقي أنا ودهش ورفاق آخرين .

في بهرز كانت المطاردات مستمرة ، وجرت اعتقالات للشبيبة والطلبة ورفاق المنظمة من أبرزهم جبار محمد وأبو مروان وآخرون .

بعد فترة تمكنت من العودة الى بهرز للاتصال بعدد من الأصدقاء لإعادة التنظيم ، وفعلا تمكنت من ذلك بمساعدة صديق كانت لديه سيارة تكسي فالتقيت به وكان معي أخي الشهيد فاروق ، فقال أنا أنقلكم حيث تريدون ، وفعلا أخذنا الى بهرز وفي ساعة متأخرة ، وبقيت هناك ما يقارب الأسبوعين ، وقد التقيت بالشهداء حميد محمد أبو مروج والرفيق فيصل خماس أبو رافد ورفيق آخر ربما يكون حسب الله كريم آل يحيى وعبد الرزاق الداغر ، وبعدما تمت هذه العملية بنجاح غادرت بهرز بمساعدة أهلي وعبرت ديالى ( كفة ) وأخذتني سيارة الى بغداد ومنها توجهنا الى قاعدة هندرين ، والتقينا أنا وأبو ازدهار وأبو رائد وقاسم نوري ووهاب راسم . وبقي فيصل خماس سكرتير منظمة بهرز حتى استشهاده في نهاية السبعينيات من القرن الماضي بعد اعتقاله هو وأبو مروج ودهش وفاروق وثامر ورزاق وحسب الله وهاشم مطشر ورجاء وكوثر وآخرين.

الشخص الذي نقلني الى بهرز أثناء اختفائي كان  الراحل إسماعيل إبراهيم الحمودي.

ومن يعتقد بأن قيس كان مسؤول منظمة بهرز فهو واهم ، مسؤول بهرز هو فيصل خماس ، أبو ازدهار كان متفرغاً للعمل الحزبي ، وكان يتواجد في مقر اللجنة المحلية هو وعدد من القياديين منهم خورشيد عزيز (أبو سامان) ، الذي زارني في صوفيا عام 1979 ، وعاد الى كردستان وتم إلقاء القبض عليه وإعدامه ، كان أبو ازدهار يشرف على العديد من المنظمات في الأقضية والنواحي ومنها خانقين .

أبو ازدهار كان لي أخ وصديق ورفيق عزيز وغالي على نفسي وعقلي ، وكنا لا نفترق أبدا حتى بعد إعادتي لوظيفة مدنية في خدمات برق وهاتف بعقوبة ، وبعد أشهر نقلونا الى كربلاء وهو إبعاد سياسي ، فكنت أذهب الى بهرز بين الفترة والأخرى لألتقي بالرفاق وعلى وجه الخصوص أبو ازدهار .

عام 1976 وبشكل استفزازي مقصود ، ألصقوا بوستر يمجد انقلاب شباط الأسود على باب داره ، وعند عودته من مقر ديالى للحزب في بعقوبة الى بيته رأى البوستر فمزقه ، وبعد فترة قصيرة جاءت شرطة الأمن واعتقلته لثلاثة أيام في أمن بعقوبة ، وأحالوه الى محكمة ( الثورة ) بتهمة العداء ( للحزب والثورة ) !..

كنت عائدا من كربلاء ففاجأتني أمي بأن أبو ازدهار جاء اليوم مرتين يسأل عنك ، وقال إذا جاء أبو تانيا فليأتي لعندي ، وفعلا ذهبت على عجل ، فوجدته جالس في مقهى وهاب القريبة من بيته .

فاستقبلني مرحبا ومعاتبا كوني لأكثر من أسبوع غائب عن بهرز ، قلت له معاك حق .. هذا صحيح !..

كيف حالك أبو ازدهار ؟.. خبرني عن أحوالك !..

فقال تعال معي نتكلم في البيت وأنا اليوم عازمك وأسمعك أغنية قدح المشمش !..

قلت له شكرا على كرمك وجودك .. على فكرة هو لا يشرب !..

وفعلا جلسنا وبدأ الحديث عن الحزب والمنظمة وعن البعث وسلوكه وما يحيك من دسائس .

كان أبو ازدهار في هذه الفترة عضو مكتب اللجنة المحلية لمحافظة ديالى ، وهو كادر ميداني شجاع وذكي وحازم ومخلص ومتفاني للحزب ولمبادئه وذا أخلاق عالية وطيب القلب ويحب رفاقه ويتفقدهم .

فقص علي ما جرى له بتوقيفه واحالته الى محكمة الثورة !..

فسألته وبشيء من الذهول !..

أبو ازدهار !.. ما أنت فاعل ؟ .. وماذا تنتظر ؟.. ومتى المحكمة ؟

فقال السبت بعد غد !..

هل ستذهب ؟.. قال بلى .. وكيف لي ان لا أذهب ؟

فالحزب يقول لي اذهب وسوف أذهب !..

أبو ازدهار كم من السنوات أنا لصيق بك ؟.. أنا من تتلمذ على يديك .. وأنت مثلي وقدوتي .. وأنت غالي عندي جدا .. ونحن لدينا أبو ازدهار واحد !..

فلا تخيب ظني بك !.. وأنت تعرضت لنفس المحنة عام 1961 !... وتريد أن تكررها اليوم؟.

أقول لك رفيقي العزيز .. لا تذهب أبدا الى المحكمة ..

وتعال ندبر أمر خروجنا الى أي مكان نكون فيه في مأمن ..

فانتابه جزع شديد..

وقال ما كنت أنتظر منك هذا الموقف..

قلت له أبو ازدهار .. هذه مسألة حياة أو موت..

هل تفهم وتدرك هؤلاء الأوباش لو تمكنوا من النيل منا ماذا يفعلون ؟...

فأرجوك وأنا معك في أي شيء عدا الذهاب الى المحكمة..

فقال .. لقد قررت وانتهى الأمر ولن أتراجع..

قلت له أنا أشعر بالحزن الشديد..

فقبلني وأعطاني صورة صغيرة ، وخرجت أخط بقدمي المثقلتين بعد أن أصابني الإحباط ، وعدم تمكني من إقناعه بعدم الذهاب..

ولازمتني كآبة وحزن عميقين..

وغادرت راجعا الى كربلاء ، وفي اليوم التالي وصلني خبر إصدار حكم بثلاث سنوات ، ومكث في سجن أبو غريب حتى عام 1979 بعد أن نالوا منه ومن جبروته ، واستخدموا كل وسائل التعذيب والإهانة والانتقام منه على شجاعته وتأريخه الحافل بالعطاء .

وبقي فترة حين تم تعيينه موظفا في زراعة ديالى وتم خطفه أثناء خروجه من دائرته عام 1980  وتم تغييبه ومعه المئات من مناضلي الحزب وأصدقائه من التقدميين والديمقراطيين ، وما زالت آلاف العوائل وأنا منهم نبحث عن رفاتهم وأين تم دفنهم إن كانت لهم قبور .

رحم الله أبو ازدهار ورفاقه وجميع شهداء الحزب الشيوعي العراقي وشهداء الشعب والوطن .

المجد والخلود لكل الضحايا ولترقد أرواحهم بسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملاحظات على ما جاء في مقال منشور في صحيفة طريق الشعب الصادرة في 24/12/2018 وتحت عنوان:  الشهيد قيس الرحبي.. مسيرة الوفاء والصمود

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل