/
/
/
/

ليس بالجديد على الشارع العراقي في هذا الوقت من كل عام ان تعم الاختلافات وتحتدم التجاذبات السياسية والاقتصادية وهو يسمع بالمليارات هنا وبالتريليونات هناك والتخصيص للمشاريع الاستثمارية والكلام المنمق حول تقديرات موازنة السنة القادمة، وهي تعد بكل ما يشتهي الشارع ويريد، بعد ان ترفعها وزارة المالية الى الحكومة ومن خلالها الى البرلمان لمناقشتها والتصويت عليها او لإرجاعها مرة أخرى، اذا كانت بحاجة الى تعديلات.
ويتكرر مشهد الاختلاف بين المحافظات العراقية بشكل سنوي حول طريقة وآلية احتساب نسب المحافظات والاقليم، فمن قائل ان نسبة السكان في تلك المحافظة اكثر من غيرها ولم يرصد لها غير الفتات، ومنهم من يرى ان الخير كله من هنا، ومن حيث لا ترى سوى اعمدة الدخان المتصاعد من الابار النفطية والتي لم تترك خلفها سوى التلوث والامراض، وهناك من يرى ان الخراب في محافظته لم يسبقه خراب ولم يرصد له سوى اقل من القليل، ويتكرر هذا المشهد في كل عام بين من يجر طولاً ومن يجر عرضاً.
ولعل هذه السنة تتميز بعاملين تجعلها مختلفة عن غيرها من السنوات، الأول هو تصاعد موجات التظاهرات الشعبية في الصيف الماضي في العديد من المحافظات مطالبة بتوفير الخدمات الأساسية وفرص العمل والحد من البطالة وبشكل ينبئ بنفاد صبر المواطن وعدم تصديقه الوعود الحكومية. والعامل الثاني هو تربع السيد عادل عبد المهدي على الهرم الحكومي بما اشتهر به من الاكاديمية في الاقتصاد وطرحه برنامجا حكوميا واسعا تضمن معظم المشاكل الاقتصادية التي واجهت العراق ليس في هذه الفترة وحسب وانما منذ عام ٢٠٠٣ حتى الان مع وعود بإيجاد الحلول المناسبة، وتغيير الواقع السياسي والاقتصادي العراقي، وقد تأمل الخير العديد من الخبراء والباحثين والمهتمين بالشأن الاقتصادي، ولعل كاتب هذه السطور كان احد المتفائلين والداعين الى حكومة اقتصادية تدرك حجم الفوضى التي تعم الوضع الاقتصادي والسياسي في العراق، ولا اعلم هل لايزال لنا الحق بالتفاؤل ؟ وهل كانت البداية كما كنا نأمل ان تكون ؟
ان أية قراءة سريعة لمسودة موازنة ٢٠١٩ كفيلة بطرح العديد من الأسئلة عن مدى واقعيتها ، وان كانت تحمل في طياتها الأهداف التنموية المطلوبة ؟ ولا اريد الخوض في تفاصيل ارقام وبنود هذه المسودة فذاك امر لا يسعه المقال، ولكن أحب الإشارة الى امر في غاية الأهمية وهو النظرة الاقتصادية الحقيقية للموازنة والغاية الفعلية لها.
فالموازنة في مفهومها العلمي والأكاديمي هي خطة تتضمن تقدير الإيرادات والنفقات العامة لفترة مقبلة غالباً ما تكون سنة. الا ان هذا الانفاق يعد احد الطرق الرئيسة لترشيد النفقات وتحقيق المنفعة العامة المتوخاة من النقد، وله اهداف محددة بدقة أي انها لا تكون مبررة الا اذا كانت تهدف الى اشباع حاجة عامة وتحقيقها، مع مراعاة حسن التدبير وعدم التبذير والاسراف، والذي يعني بدوره الابتعاد عن النفقات غير المنتجة إضافة الى ضرورة ضمان المردود الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق العام، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل معها على انها حصالة نقود تفتح في كل عام لملء البطون فقط، او كأنها مغارة كنوز تفتح كل سنة للملثمين من الرجال بعد ان يرددوا افتح يا سمسم، وانما هي بيان سنوي للإنفاق على مشاريع وخطط عمل تسعى الى إحداث التنمية الاقتصادية واستقرار الاقتصاد الكلي وتقوية الوضع المالي وتقليل التذبذب في الإنفاق العام والتأسيس لمشاريع تعمل وبشكل حقيقي على التقليل من حجم البطالة، وان كان امد الموازنة سنة فإنها تعتبر جزءا مترابطا مع ما قبله وما بعده من موازنات سنوية لتشكل خطة متوسطة المدى امدها خمس سنوات، ودليل انفاق حكومي يهدف الى تنمية القطاعات الزراعية والصناعية والإنتاجية والتحويلية وغيرها من القطاعات الحكومية التي لم يتبق منها سوى اسمائها وهذا مالم نجده ولم نقرأه في مسودة موازنة ٢٠١٩ ولا في أي موازنة سابقة، فلا يزال الحال كما عهدناه سابقاً ولايزال همها الأكبر هو انفاق الاموال المرصدة ... فقط انفاقها !!! ولا يهم اين ولماذا؟ وما هي الأهداف والنتائج؟ فذاك مما لا يعني الموازنة في شيء او على الأقل هذا ما يراد لها.
يقف العراق اليوم في مفترق طرق بين ان يلحق بركب الدول التي سبقته مالياً وادارياً وصناعياً وزراعياً، او ان يبقى يجتر ويعيش التجربة نفسها التي اثبتت فشلها وعجزها عن بناء اقتصاد حقيقي قائم على المعطيات العلمية، والتأسيس لتنمية مستدامة من خلال موازنة حقيقية تضع البناء لواقع صناعي وزراعي امام عينيها كهدف رئيس لأي موازنة حكومية مقبلة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*باحث اقتصادي

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل