/
/
/

و مما سبق يرى الكثيرون ان الأمر يتطلّب تفعيل دور الأحزاب من جهة، ويتطلّب سعيها هي لإصلاح نفسها واعادة بنائها على اسس الهوية الوطنية و المواطنة و الغاء الأحزاب القائمة على اساس الكيانات الطائفية و العرقية باجنحتها الميليشياوية عملاً بالدستور و بروحه .  . الاصلاح الذي يفرضه ويتطلبه واقع اليوم داخلياً وخارجياً، بعد ظروف تجمّد فيها وضع البلاد عقوداً طويلة جراّء الدكتاتورية ووحشيتها ونفاقها من جهة، و جرّاء داعش و المسؤولين الذين فشلوا في مواجهتها و تسببوا باحتلالها لثلث البلاد، و جرّاء الميليشيات الوقحة الحاكمة منذ عقد و نصف .  . 

وان يكون التفعيل، على اساس انطلاقها من المتطلبات العاجلة للواقع المؤلم القائم كي تستطيع الرقي به وفق برامج وطنية يحتاجها، وان تسعى لكسب الشباب والشابات اساساً و تسعى لتلبية مطالبهم الاساسية بالعمل و التعليم و الصحة، في مجتمع يشكّل الشباب فيه النسبة الأعلى الفاعلة، و لتكون مدرسة يتعلّم الشباب فيها روح الأنشداد للوطن ومحبته باطيافه اساساً، وفق الواقع والآمال التي يحملها الشباب .  .

ويتدربون فيها على ماهية الممارسة الديمقراطية الحقّة، ومعاني رفض العنف والتطرّف والدفاع عن حق البشر بالعيش بسلام وامان، ومعاني حقوق المرأة و مساواتها بالحقوق باخيها الرجل كما في شعوب العالم المتحضّر .  .  وان تقبل الاحزاب في صفوفها الأفضل  من ابناء المجتمع الذي ظُلِم وتشوّه وعومل بقساوة لامتناهية، على اساس بدء صفحة بيضاء جديدة في الحياة، وان تعمل بنشاطها ومُثُلها ومبادئها وممارساتها الى اعادة تربيتهم من خلال النشاط الهادف والأشراف عليه.

بعد ان تشوّه مفهوم الأحزاب في المجتمع، سواءً بالسلوك الدموي للبعث الصدامي حينها وبسعيه المتنوّع لتحطيم الأحزاب الاخرى، او بسلوكه المشين الذي جعل اوساطاً واسعة اليوم تتصوّر ان الحزب هو المؤسسة التي تقدّم المال والوظيفة والسكن والحماية لمنتسبيه، و استمر هذا السلوك و التصوّر الى اليوم بفعل احزاب (الطوائف) الحاكمة، و ديس على المفهوم بكونه مشروعاً لأصلاح وتطوير المجتمع وضمان حقوق المواطنين فيه وتحديد واجباتهم تجاهه، بالتعاون مع احزاب الفئات والطبقات ذات المصلحة بتقدم الوطن و تمدّنه، كمشروع لمجتمع افضل.

اضافة الى واجب مؤسسات الحكم في دعم نشاط الأحزاب والمساعدة على تنظيم تنافسها بعيداً عن العنف لتقوم بدورها التوجيهي ولتفعيل الأرادة الشعبية، باعتبار ان الأحزاب هي الأدوات الأجتماعية المعروفة والمجربة في المجتمع، التي اضافة الى كونها تشكل تاريخ وتراث المجتمع في مواجهة الأستبداد البائد، فانها تشكّل امتداداً طبيعياً له لمواجهة الفكر الأصولي السلفي العدمي الأرهابي المتنوّع الداخلي والوافد، الذي يثير الفتن الطائفية الدموية بعد ان تشوّه نضال الاحزاب من صراع سياسي من اجل الافضل، الى صراع ديني طائفي مستند الى احداث قبل مايقارب الالفي عام، التي تجاوزتها حتى الامبراطوريات الدينية المتصارعة في زمانها و داست عليها دول العالم بنشوئها على اسس الحداثة و التنوير و التطور . .

صراع ديني طائفي تحت راياته المنافقة و رايات (عابرة للطوائف)، شكّل اساساً للمحاصصة التي صارت قائمة على النهب و الفساد، لينتظم الفساد على بناء المحاصصة في الاتفاقات و الاختلافات و في تقسيم حصص الغنائم، و لتزداد معاناة اوسع الفئات الكادحة من كل الطوائف و تزداد تشوهات المجتمع بسبب الركض وراء من يصرف لها انقاذا من الفقر و وراء من يسلّحها للدفاع عن نفسها بسبب غياب الامن.

فالأحزاب تحدد القضايا العامة، وتشحذ التحاور وتبدد الالتباس بين التيارات المتنازعة، وتوضح الإحتمالات للجمهور وتساعد على تبصيره بالسياسة، في وقت يرى كثيرون فيه ان لا ديمقراطية في الواقع الحديث من دون احزاب سياسية، رغم مهاجمة اقسام ليست قليلة لنظام الأحزاب، اثر تجربة الاحزاب الطائفية و العرقية الحاكمة الآن، حتى وصل ابنائها الى وصمه بكونه هو عامل الانشقاق والتفكك في التعايش و السلم المجتمعي، بعد ان تشوّه نشاط الأحزاب بسبب الفساد و لم تعد تتعدد بسبب اختلاف برامجها، بقدر ما يكمن فيها سيادة منطق العنف و الهيمنة و الانتقام البوهيمي ممن لايرضخ ولعدم وجود قانون منصف للأحزاب !! في وقت تعتبر المعارضة فيه، أمر ضروري ولا بد منه،  للتوصل الى افضل الحلول لبناء وترصين مجتمع مدني ديمقراطي .  . 

وفيما تتطلّب المرحلة الجديدة نقل المجتمع الى مناخ جديد يحرّم العنف، فانها تحتّم على الأحزاب والفعاليات الوطنية، ان تتعايش على اساس التوافق وتغليب الصالح الوطني الواقعي، والتناقض الوطني الرئيسي على الثانوي من اجل العمل كتفاً لكتف معاً، وعلى ان لاتتجاوز اختلافاتها سقف مصلحة البلاد العليا، الذي يتمحور على ابعاد البلاد عن مخاطر توطّن الحروب، و عن استمرار خسارة ثروات البلاد الناضبة، وتجنيبها اندلاع فتن اكبر .   . 

من ناحية اخرى، يدعو كثيرون الى ضرورة الأصلاح الديني، وضرورة دعم النشاط الهادف الى تقريب وجهات فكر علماء الدين وجهودهم في التحديث ومن اجل برامج واهداف ملموسة لأغراض الرقي بالمجتمع وتخليصه من الأدران العالقة، بحوار الأديان والطوائف والحوار الديني ـ المدني .  .  من اجل اطفاء بؤر الفتن الطائفية، التي تحاول اثارتها جهات متنوعة داخلية وخارجية، لأهدافها المتنوعة، التي لايروح ضحية لها الاّ العراقيين رجالاً ونساءً من كلّ الأطياف .

و يطالبون باسناد تحقيق الأمن، بتطبيق خطة ثقافية ـ اعلامية تهدف الى ؛ خلق وتحسين الحوار مع الآخر، القضاء على الألغاء والأقصاء، تعرية مخاطر الفكر الشمولي سواء كان دينيا ام علمانيا، الدعوة الى العقلانية، توضيح مبادئ واهداف التسامح، مناقشة اشكال ترابط العقلانية والقيم وماهية الترابط الذي تحتاجه البلاد، اضافة الى الحوار الضروري لترويض الفكر والوعي، ولتنظيفه من ادران فكر الدكتاتورية والحروب والأرهاب والعنف.

وبدعم وضمان حرية وتعدد منابر الثقافة و الأعلام واستقلالها عملاً بالدستور، ورعاية وتطوير مباراتها ( جرائد، دوريات، قنوات تلفزيونية، سينما ومسرح .  . ) والأهتمام الجاد بوزارة ودور الثقافة واعتبار وزارة الإعلام احدى الوزارات الأساسية التي تعالج ركناً اساسياً هاماً من اركان المرحلة والمجتمع. والتصدي الى الأعلام الهابط والمدفوع، باتباع كل الوسائل القانونية لأيقاف سمومه عند حدها، في اطار الجهود المبذولة، لأيجاد حلول للمشاكل الإجتماعية بعد تلبية الحاجات المعاشية الأساسية، اضافة الى تشجيع النشاط الهادف للشباب و محاربة الأنغلاق والتقوقع على الذات، وتشجيع نشر المعارف ومكونات الثقافة، من ادب وعلم وسياحة وحرية فكر، وتعضيدها مالياً ودعمها قانونياً .  .  من اجل التغيير المنشود .

                 ومن اجل انجاح الجهود المتنوعة الرامية الى صدّ مخاطر نشاطات جهات داخلية واقليمية ودولية، تتسبب بسلوكها واخطائها او تحاول الأبقاء على منطق العنف والجريمة الموروث لتنفيذ غاياتها واهدافها، سواءً بالسيطرة على البلاد او بجعلها مسرح حرب دائم كحزام امني لوقاية امنها الداخلي هي من جهة، او تحقيق اهداف ومصالح سواء كانت تكتيكية او ستراتيجية بعيدة المدى، مدركة او غير مدركة مخاطر تسرّب ذلك اليها كجهات دول الجوار و خاصة الايرانية العلنية منها .  .  اضافة الى ما يتسبب به الأرهاب الاسلاموي (سنيّاً كان ام شيعيّاً) و الذي يتسبب باحباط فرح الأوساط الشعبية الواسعة التي فرحت بسقوط الدكتاتورية ويحيله الى الحنين اليها ؟!

                 في ظروف دام فيها حكم الدكتاتورية الشمولي الدموي، خمسة وثلاثين عاماً مارس طيلتها فعله الأجرامي على اللاوعي ( الذي تعرىّ وصار متلقياً سلبياً بفعل الأرهاب والرعب .  .  فتشوّه) (*)، ثم  سقوطها الذي جاء بالأرهاب الميليشياوي ثم القاعدي و الداعشي  و الذي يستمر منذ خمسة عشر عاماً الى اليوم، حتى صار خطراً هائلاً على اعادة بناء البلاد، نابعاً من الخزين السلوكي والأخلاقي، بمخاطر الإلتفاف عليها وتحريف تطبيق القوانين الجديدة، بسلوك ولاوعي وشكل فهم ولد من شيوع نمط وسلوك التركيبة الأجتماعية المشوهة ومفاهيمها للقوة والشدة، وصعوبة فهمها للتسامح وتفريقه عن الضعف، في مجتمع ليس جاهل وغوغائي وانما مريض ويعاني من التشوّه .  .  رغم بدء التغيّر نحو الأفضل.

و يشير متخصصون الى مخاطر تأثير السلوك الذي تعاملت به الدكتاتورية من موقع الحكم وزرعته في لاوعي الحاكمين، الذي صار و كأنه واقع لمن يمارس المسؤولية و يهدد من يمارسها الآن باستحواذها عليه، ليس كصورة لـ ( حاكم استطاع ان يحكم العراق الصعب خمسة وثلاثين عاماً، واستطاع خلالها ان يهزّ المنطقة والعالم ويهزأ بهما ؟! ) حينها، و انما كحكام للاقطاعيات التي تحوّلت لها البلاد بعد سقوط الدكتاتورية، ان لم يحترس، ولم يهتم بتطوير علمه وثقافته، ولم يسمع لآراء الوطنيين المخلصين، وان لم تُشبع المؤسسات؛ دولة، برلمان، هيئات حزبية وسياسية، هيئات مستقلة بصلاحياتها وحرياتها، في اطار معقول للواقع وسبل النهوض به . 

وفيما يثير العديد من السياسيين والأقتصاديين ورجال الخبرة الأنتباه الى، اهمية الشروع وحيثما امكن بعمليات الأصلاح الأقتصادي وتشجيع الأستثمار ونمو الفئات الوسطى ودعمها قانونياً وسياسياً ومالياً  بالقروض والمنح على اسس قانونية، نحو التأسيس الى دورة اقتصادية وطنية تحقق نوعاً من الرخاء المادي والرفاه لعموم المجتمع، كأساس لابدّ من الشروع به من اجل التقدم الأجتماعي والحضاري، ومن اجل فتح الطريق لتمثيل ممثلي الفئات الوسطى السياسيين، اضافة الى ممثلي التكنوقراط وذوي الكفاءات والفئات الواسعة من المستقلين وغير المنتمين، على اساس الكفاءة و النزاهة و البرامج، وممثلي منظمات المجتمع المدني والأبداعيين واصحاب المهن والطلبة والشباب وتعزيز تمثيل نشيطات العمل النسوي .  . الضروري لتوازن وثبات الديمقراطية البرلمانية المنشودة .

يرى آخرون ان القضية الأساسية الآن في بلادنا هي تحقيق الأمن و الغاء المحاصصة التي عمّقت التشوهات في المجتمع، لمواجهة الفساد و البدء برؤوسه، على اساس استقلال القضاء و تفعيل دور الإدعاء العام، و الاّ .  .  فان الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة بتضحياتها التي بدأت منذ 2011 و التي تتصاعد في البصرة و النجف و مدن الجنوب التي اقتحمت حاجز الخوف و قدّمت عشرات الضحايا ستغيّر و تفرض التغييّر في البلاد من اقصاها الى اقصاها !! (انتهى)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) راجع منشورات ودوريات المركز الأعلامي الطبي الألماني، " المخاطر السايكولوجية للفاشية على المجتمع" ، 1996 / " الخوف يعريّ اللاوعي البشري ويجعله متلقياً سلبياً " ، المركز الأجتماعي الأتحادي لتعويض ضحايا الفاشية، 2001 .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل