/
/
/

في عام إثنين وتسعين ذهبت إلى القاهرة في أيام معرض الكتاب الدولي كما كنا نفعل كل عام للالتقاء بمستمعينا في جناحنا في المعرض وحضور بعض النشاطات الثقافية وجمع لقاءات إذاعية لبرنامج الواحة الذي كنت أقدمه من هيئة الإذاعة البريطانية. في ذلك العام حضرت أمسية لشاعر بريطاني اسمه توني هاريسون ليقرأ قصيدة تحمل عنوان “عودة باردة" (A Cold Coming) يتحدث فيها عن الجنود العراقيين الذين قتلوا غيلة أثناء انسحابهم من الكويت. فالجيش المنسحب لا يُقصف. أحترقوا في سياراتهم ودباباتهم ونسيهم العالم كما ينسى كل من ينتهي دوره في حياة الدكتاتوريين والحكام الظالمين. ما أثار الشاعر أن ثلاثة جنود أمريكيين قرروا أن يتركوا مادتهم المنوية مجمدة في النتروجين كي تستطيع زوجاتهم ان تنجب من صلبهم بعد وفاتهم أما الجندي العراقي المحترق فلا أمل له بذلك. 

القصيدة نشرت في كتيب يحمل غلافه صورة جندي محترق وكأنه من طين، يده تمتد على ماسحة الزجاج في سيارته المحترقة، التقاه الشاعر توني هاريسون في المطلاع. ترجمت بضعة أبيات تروي حكاية هذا الجندي العراقي المحترق:

رأيت الجندي العراقي المحترق ينحني نجوي 
من الزجاج الأمامي الذي فجرته القنابل
ماسحة الزجاج تشبه قلماً جاهزاً لكتابة الأفكار للبشر
ماسحة الزجاج تشبه ريشة يمد يده نحوها 
ليكتب وصيته

رأيت العراقي المحترق ينحني
وكأنه مصنوع من عجينة بلاستيكية 
وكأنه توقف ليستفسر عن الطريق وسمعته يقول
لا تخف لقد اخترتك لهذه المقابلة الحصرية 
ما يدفعه لنا صدام لا يكفي لنجمد حيامننا
كما يؤسفني أن أقول أننا لا نملك هذه التقنيات

لا تبعد وجهك أعرف أنه من الصعب 
أن تتعامل مع شخص محترق لهذا الحد
شوهته نيران غير صديقة 
وتصدق أنه احترق يوماً بنار الجوى

هذا ما صنعه جورج بوش الأب، وبعد عشر سنين أكمله ابنه الذي يحمل الإسم نفسه، وبقي الجندي المحترق يسأل ماذا حل بزوجته واولاده وأمه وخالته وعمه وأبيه والعراق كله.

_______________

* كاتبة وروائية عراقية

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل