/
/
/

من سلبيات المنهاج الوزاري لحكومة الدكتور عادل عبد المهدي تأكيده على خصخصة التعليم كبديل عن التعليم الحكومي الرسمي والذي هو من مسؤولية الدولة وواجبها حيث اكد المنهاج الوزاري ضمن حقل وزارة التربية على شراء المقعد الدراسي مشيرا الى: (العمل على اعتماد مبدأ شراء المقعد الدراسي ودعم القطاع الأهلي في افتتاح مدارس ومعاهد اهلية مستوفية الشروط والتنسيق والتكامل بين التعليم الحكومي والأهلي والخصوصي لرفع مستوى التعليم في البلاد ..).
علما أن الدروس الخصوصية في السبعينيات من القرن الماضي كانت ممنوعة ويؤخذ تعهد على المدرس بعدم ممارستها ويحاسب من لم يلتزم بتعهده. اما اليوم فالدروس الخصوصية منتعشة وبموافقات رسمية, وان المدرس الذي لا يخلص في عمله ضمن الدوام الرسمي يقوم بإعطاء طلابه دروسا خصوصية بعد الدوام مقابل اجور.
كما ورد في المنهاج الوزاري في فقرة وزارة التعليم العالي: (التشجيع على تأسيس الجامعات الأهلية بمعايير وجودة عالية وتشجيع التعليم الموازي في الجامعات وادخال التعليم عن بعد..).
فهل سيكون التعليم الأهلي (الخاص) في ظل الحكومة الجديدة بديلا عن التعليم الحكومي؟ وهل التعليم الأهلي في العراق الآن افضل من التعليم الحكومي؟
كان العراق وحسب تقرير اليونسكو في فترة ما قبل حرب الخليج الثانية عام 1991 يمتلك نظاما تعليميا يعتبر من افضل انظمة التعليم في المنطقة, كذلك كانت نسبة القادرين على القراءة والكتابة في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي عالية وكاد العراق ان يقضي على الأمية في ذلك الوقت تماما من خلال حملات محو الامية. لكن التعليم بعد ذلك عانى الكثير بسبب الحروب التي خاضها النظام الدكتاتوري السابق وما تعرض له العراق من حصار اقتصادي وانعدام الأمن. وفي الفترة السابقة كان متوسط الانفاق على التعليم الحكومي للطالب الواحد 620 دولارا ولكن في عام 1980 ونتيجة الحرب العراقية – الايرانية تم تحويل الموارد العامة تجاه الانفاق العسكري ما ادى الى الانخفاض الحاد في الانفاق الاجتماعي العام وعانت ميزانية التعليم من عجز كبير استمر في النمو مع مرور السنين حيث لم تتواجد خطة ستراتيجية لمعالجة هذه القضايا في ذلك الوقت.
وفي سنوات الأزمة التي مر بها العراق (1990 -2003 ) من حرب وحصار اقتصادي انخفضت حصة التعليم في الناتج القومي الاجمالي الى النصف تقريبا لتصل الى ( 3,3 في المائة ) عام 2003, وانخفضت الموارد المخصصة للتعليم لتصل الى 8 في المائة فقط من مجموع ميزانية الحكومة, اضافة الى انخفاض الانفاق الحكومي على تعليم الطالب الواحد من 620 دولارا الى 47 دولارا, كذلك انخفضت رواتب المعلمين من حيث القيمة الحقيقية الى جانب ارتفاع نسب التسرب.
بعد 2003 ظهر العديد من المشاكل التي تعيق النظام التعليمي في العراق كنقص الموارد والطائفية وتسييس النظام التربوي والهجرة والتشرد الداخلي من المعلمين والطلاب والتهديدات الأمنية واحتلال داعش لثلث الأراضي العراقية وتفشي الفساد والأمية على نطاق واسع وتسرب الطلاب بهدف العمل او التسول عند تقاطعات الطرق والأسواق لإعانة عوائلهم الفقيرة.
في السابق كانت اغلب المدارس والجامعات حكومية ونادرا جدا ما تتواجد مدارس خاصة قبل 2003. وبعد 2003 انتشرت المدارس والجامعات الأهلية (الخاصة) بكثرة في جميع المحافظات العراقية, واجتاح التعليم الأهلي مساحات واسعة من العراق كان يغطيها التعليم الحكومي سعيا وراء الربح والاستثمار. وتفضل العوائل الميسورة ماديا اليوم التعليم الأهلي على الحكومي لكون عدد التلاميذ في الصف الواحد يكون اقل مما في المدارس الحكومية حيث تكتظ الصفوف بالطلاب وقد لا يجدون الطلاب مقاعد لهم فيفترشون الأرض, اضافة الى توفر الأجواء المناسبة في المدارس الأهلية من تدفئة وتبريد وكهرباء واساتذة ذوي خبرة. غير أن العوائل ذات الدخل المحدود وهم الغالبية ليس بمقدورهم ارسال ابنائهم الى المدارس الأهلية بسبب كلفتها العالية خاصة اذا كان لديهم اكثر من ابن واحد, فهو يقتصر على العوائل الميسورة ماديا. وبدأت المدارس الأهلية تمثل عبئا اضافيا على مدخولات العائلة العراقية في ظل الاقبال المتزايد عليها نتيجة التردي الحاصل في التعليم الحكومي, واصبحت المدارس الأهلية شكلا من أشكال التجارة المربحة بعد الاحتلال وتشجيع الحكومات المتعاقبة له وهي في تزايد مستمر حتى فاقت في عددها الـ (1500) مدرسة بحسب تقديرات المختصين من مدارس ابتدائية ورياض للأطفال ومدارس ثانوية وتتركز النسبة الأكبر منها في العاصمة بغداد.
ويعد اليوم مشروع امتلاك مدرسة أهلية واحدا من اكثر الأعمال رواجا في العراق ويمكن ان يكون مدرا للربح خاصة في حال تنظيم دورات التقوية في العطلة الصيفية. وهذه العوائد المادية الكبيرة جعلت من المؤسسات التعليمية الأهلية محط انظار اصحاب رؤوس الأموال الذين لا يأبهون بالرسالة التربوية ويكون تركيزهم مقتصرا على الأرباح والتوسع المستمر.
ومن مساوئ التعليم الأهلي أن بعض المدارس الأهلية تلزم جميع المدرسين بوضع علامات متقدمة لمعظم التلاميذ بغض النظر عن مستواهم الدراسي خوفا من قيام اولياء امور الطلبة بسحب ابنائهم من هذه المدرسة وتسجيلهم في اخرى وبالتالي تعرضهم للخسارة المادية. وكثيرا ما تتغاضى وزارة التربية عن المواصفات والشروط الواجب توفرها في بناية المدرسة وكادرها وقد يدخل هذا ضمن صفقات الفساد.
ان موجة افتتاح الكثير من المدارس الأهلية تعتبر علامة على تدهور التعليم الحكومي في العراق. وفي السنوات الأخيرة غادرت العائلات العراقية الميسورة الحال المدارس الحكومية بسبب تدهور اوضاعها لتستقبلهم المدارس الخاصة. وسبق وان اقرت لجنة برلمانية ان البلاد بحاجة لبناء الى اكثر من (6000) مدرسة لاستبدال المدارس المهجورة او المهدمة ومواكبة النمو السكاني لكن الحكومة السابقة لم تحقق تقدما يذكر لإنجاز هذا الملف.
في عام 2012 منحت وزارة التربية 1200 رخصة لمدارس خاصة جديدة في جميع انحاء العراق ويوجد الان حوالي 600 مدرسة خاصة في بغداد.
وفيما يتعلق بالمدارس الأهلية هل وضعت وزارة التربية وكذلك وزارة التعليم العالي بالنسبة للجامعات ضوابط لتقييمها ويتم الالتزام بها ومتابعتها ويتم غلقها في حالة عدم الالتزام بالضوابط؟ وهل هناك قانون يحدد الأجور في المدارس والجامعات الأهلية يتم الالتزام به؟ وهل تلتزم المدارس والجامعات الأهلية بجميع الضوابط التي وضعتها وزارة التربية ووزارة التعليم العالي في فتح اي مدرسة او جامعة من ناحية توفر القاعات الدراسية الجيدة والفسيحة وتوفر غرف للإدارة وللكادر التدريسي وساحة بقياسات معينة للطلبة لممارسة الأنشطة الرياضية ووجود مختبرات للمواد العلمية وخاصة بالنسبة للمدارس التي تؤجر بيوت ذات مساحات صغيرة ويتم تحويلها الى مدارس ورياض أطفال لا تتوفر فيها الشروط والضوابط ويتم تمريرها بسبب وجود صفقات فساد.
وقد اهتم الحزب الشيوعي العراقي بالتعليم وضرورة النهوض به من خلال (الاهتمام بالتعليم الحكومي في كافة مراحله ومواصلة الجهود لتصفية آثار المرحلة السابقة وآثار التوجهات الطائفية التي شهدها العراق بعد 2003, والعمل على اصلاح المنظومة التربوية والتعليمية في مختلف مراحلها واعتبار قطاع التربية والتعليم من الأولويات وزيادة التخصيصات المالية والمادية والبشرية اللازمة للنهوض بهذا القطاع الحيوي مع توفير الأبنية المدرسية وفق المواصفات العالمية وتوفير شروط الراحة فيها من كهرباء وماء صالح للشرب وتدفئة وتبريد ومرافق صحية وتوفير المختبرات العلمية ومستلزمات ممارسة النشاط الرياضي والفني, اضافة الى اعتماد فلسفة تربوية – تعليمية تقوم على قيم المواطنة وتعزيز التفكير التنويري مع اعادة النظر في نظام ومناهج التعليم وطرائق التدريس بما يتفق وتأمين مستلزمات التقدم التقني والمادي وتشجيع البحث العلمي والابتكار وربط عملية التعليم بعملية التنمية الشاملة في البلاد واهدافها الكبرى, اضافة الى ضرورة ادراج تعليم المعلوماتية ضمن المناهج في مرحلة مبكرة واشاعة استخدام وسائلها في المدارس واستكمال عملية مكافحة الأمية وضمان مجانية التعليم في المراحل الدراسية كافة وتفعيل الزاميته في الدراسة الابتدائية ومعالجة ظاهرة التوسع المتنامي للتعليم الأهلي وآثاره على النظام التعليمي ككل مع شمول مرحلة رياض الأطفال بالسلم التعليمي والزامية التعليم وفقا لما جاء في الدستور العراقي), الى جانب وضع حد لتسرب الطلبة ومعالجة اوضاعهم المعيشية بتحسين المستوى المعيشي لأسرهم, الى جانب اصلاح التعليم العالي وصيانة حرمة الجامعات والمعاهد واستقلالها وعدم تقييدها بانتماء عقائدي او ايديولوجي او اي غطاء آخر. ومتابعة تطبيق القوانين والضوابط الخاصة بالمدارس والجامعات الأهلية ومحاربة الفساد.
فهل ستتمكن حكومة الدكتور عادل عبد المهدي من تحقيق ذلك للنهوض بالقطاع التعليمي والتربوي وربطه بحاجات البلاد؟ أم سيتم تركيزها على الترويج لشراء المقاعد الدراسية وخصخصة التعليم على حساب التعليم الحكومي وتخلي الدولة عن واجبها ومسؤوليتها في هذا القطاع الحيوي الذي يعتمد عليه تطور البلاد؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل