/
/
/
/

إذا كان حظر الاجتماعات والحركة الجماعية مبرر هذه الايام، لكونه اجراءا يحد من الوباء، فإن حرية التجمع تمثل حجر الزاوية في النظم الديمقراطية ووسيلة أساسية للتعبير ولتشكيل الإرادة. والسؤال لذي يطرح نفسه: كيف يمكن التعبير وتشكيل الإرادة في أوقات الطوارئ المستمرة؟ ما الأماكن وأشكال التعبير المتاحة؟ انظمة الطوارئ للكثير من الحكومات لا تقدم إجابة. وتعطي انطباع، بان هذه الحكومات ترحب بامكانية تجاوز الدمقراطية عادة ذلك من الاعراض الجانبية المصاحبة للوباءة.
وبالمقابل السؤال الذي يشغل بال الحركات الاجتماعية والاحتجاجية: كيف يمكن الاحتفاظ بضغط الشارع في اوقات حظر التجوال ومنع التجمع؟ ان المشاكل والصراعات الاجتماعية لم تنتهي بانتشار الوباء، والكثير من المشاكل الاجتماعية تفاقمت بفعل الأزمة. وهو ما يزيد من اهمية عدم دخول الحركات الاجتماعية الحجر الصحي، او اكتفائها بالاحتدام عبر فضاء الانتؤنيت.
تناقلت العديد من المواقع والصحف اليسارية اخبار استمرار الاحتجاجات باشكال واساليب جديدة، والاحتفاظ حثما امكن باشكال الاعتصام التي سادت العديد من البلدان قبل انتشار وباء كورونا المستجد، ومنها العراق. ويؤكد الواقع وبالملموس ان السلطات ومهما كانت عناصر القوة المتوفرة لها غير قادرة على توظيف ازمة الوباء لاحتواء وانهاء الفعل الاحتجاجي وايقاف تراكمه. وهذه محاولة لعرض عدد من التظاهرات والاحتجاجات باشكالها المختلفة في زمن الكورونا .

المانيا: احتلال مباني لاسكان المشردين

الثامن والعشرين من اذار هو يوم العمل العالمي للاسكان، وخلاله تم التاكيد على ان الاحتجاج في الظروف الراهنة ممكن. وكان تحالف واسع من ناشطين سياسيين للدفاع عن المستاجرين ينوي تنظيم تظاهرة يشارك فيها عشرات الآلاف من اجل تنمية حضرية تضامنية بعيدة عن الطرد والإخلاء القسري. وبسبب حظر التظاهر ، دعا المنظمون إلى احتجاجات على شبكة الإنترنت و تنظيم حفل احتجاجي من الشرفات والنوافذ.
واحتل نشطاء آخرون10 شققً فارغة ملائمة لحجر المشردين الوقائي في العاصمة الألمانية برلين. وعلى عكس احتلال المساكن الفارغة في السنتين الاخيرتين، الذي كان يرمي ايضا للتاثير في الراي العام، جرى الإحتلال الاخير سرا ودون ضجيج. واعلن المحتلون عن وجود مشردين مستعدين للسكن في هذه الشقق، وسيتم دعمهم بواسطة محامين يكلفون بالدفاع عنهم. ودعا النشطاء السكان لدعمهم لوجود الالاف من المشردين، الذين يحتاجون الى مأوى في هذا الظرف العصيب. وكانت المنظمات المهتمة بدعم المستأجرين والمشردين قد طالبت حكومة الولاية بتخصيص الفنادق الشاغرة والشقق السياحية لمساعدة المحتاجين، والنشطاء لا يعتقدون أن السياسة ستحل المشكلة على الفور. "نحن لا ننتظر مجلس الشيوخ والحكومة. لقد بدأنا في إعادة التوزيع اليوم". وفي احدى ساحات برلين احتج 200 متظاهر ضد غلاء ايجار المساكن، وكذلك للتضامن مع ضحايا كارثة اللاجئين على الحدود التركية – اليونانية. وقد راعى المتظاهرون شروط الوقاية والالتزام بالتباعد المطلوب. وقد انهى المتظاهرون تجمعهم بعد 30 دقيقة، وكانت الشرطة قد طالبت المتظاهرين بفض اجتماعهم، واشار بعض المتظاهرين الى ان الشرطة فضت التظاهرة، واعتقلت بعض المشاركين فيها. ونظمت تظاهرة لنفس الغرض في مدينة فلنسبورغ الحدودية.
وفي ميناء كيل تظاهر مجموعة صغيرة ضد تشديد مركزية القرارات والتدخل في الحقوق الشخصية وضد الاتجاهات الاستبدادية. وطالب المتظاهرون باعتماد التضامن ونشر المعلومات، بدلا من توظيف الأزمة لخلق مقدمات القمع والدولة البوليسية. وعبر المشاركون عن مخاوفهم بالاجراءت المطبقة وتوظيفها قانونيا في مرحلة ما بعد ازمة الوباء. وكذلك اكدوا على الدفاع عن حرية التعبير والتجمع والتنبيه من مخاطر ما يحدث.

الولايات المتحدة الأمريكية: العاملون في "أمازون" يطالبون بالحماية الصحية

في 30 اذار الفائت احتج قرابة 60 من عمال مخازن شركة آما زون العملاقة في مدينة بيويورك الامريكية. وطالب المحتجون بإغلاق المبنى وتعقيمه بعد أن ثبتت إصابة حد العاملين بفايروس "كورونا" ، ولوجود اصابات اخرى محتملة. وعلى اثر الإحتجاج، تم طرد ابرز المحتجين كريستيان سمولز من الشركة. وكتب سمولز على صفحته في تويتر أن آلاف العاملين في مباني شركة الانترنيت العملاقة سيصابون بالفايروس.
ووصف أمازون الاتهامات بأنها "مضللة" وادعى أن الإدارة اتخذت إجراءات "متطرفة" لحماية موظفيها من الوباء. من ناحية أخرى ، أكد سمولز على تويتر أن "الشركة انتهكت إرشاداتها الأمنية الخاصة". و نشر مقاطع فيديو قصيرة ، يظهر العاملين فيها بدون وسائل الوقاية المطلوبة.
وعلى خلفية انتشار الوباء يتجه الاقتصاد العالمي إلى الركود . ويهدد الأفلاس العاملين في القطاع الخاص في حقلي الفنون والثقافة. وتصارع الشركات الصغيرة والمتوسطة بشدة من أجل الحفاظ على وجودها الاقتصادي وتعاني الشركات العملاقة من انخفاضات هائلة في المبيعات والأرباح، لكن الصورة في امازون ومثيلاتها تختلف: في بداية الأزمة في شباط ، خسر الرئيس التنفيذي للشركة جيفري بيزوس حوالي 18 مليار دولار ، ومنذ تشديد القيود على الحركة في جميع أنحاء العالم ، ارتفعت مبيعات الشركة بشكل مجنون. وفي غضون عشرة أيام ، ارتفعت المبيعات بأكثر من 100 مليار دولار وتمكن مديرها التنفيذي من اضافة 10 مليار دولار جديدة الى حسابه الخاص.
ووصفت المدعية العامة في مدينة نيويورك، ليتييا جيمس ، ، تصرفات أمازون ضد موظفه المطرود سمولز بأنها "مخزية". وأعلنت التوجه لمراجعة الاجراءات القانونية. ووفقًا لتقرير بثته محطة ان بي سي ، طالب العاملون في مخازن امازون في جنوب كاليفورنيا أيضًا بإغلاق مواقع العمل لمدة أسبوعين، على ان يتم خلالها تعقيم الامكنة وتزويد العاملين بوسائل الوقاية الضرورية. وعاشت شركات انترنيت تجارية في الولايات المتحدة احتجاجات مماثلة.

نقابات سي جي تي اليسارية تتحدى الرئيس الفرنسي

في فرنسا اضرب في الأول من نيسان الجاري العاملون في قطاع الخدمات العامة. وجاء الاضراب تلبية لنداء اتحاد نقابات سي جي تي اليساري، الذي سبق له ان طالب الحكومةبـ"حماية النساء والرجال الذين يواجهون الفايروس في الجبهة الأمامية" . واتهمت نقابة العمال العامة الحكومة "بتوفير إمدادات كافية دائما" للجيش والشرطة. وبدلاً من الاحتفاظ بالأدوية والأقنعة وأجهزة التنفس الاحتياطي في حالات "الكوارث المتوقعة" في قطاع الصحة ،ويفضل الرئيس إيمانويل ماكرون ووزرائه تخزين الغاز المسيل للدموع لمهاجمة المتظاهرين والأسلحة من أجل المشاركة في العمليات الحربية.
وأكدت سكرتيرة النقابات المذكورة ناتاشا بوميت في رسالة مفتوحة وجهتها الى وزارة الخدمة العامة أن الدعوة للإضراب وجهت الى قرابة 85 الف من العاملين، وسيستمر الاضراب طيلة نيسان الحالي . ولا يتحصر في العاملين في الخدمة المدنية وغيرهم من موظفي الدولة، بل يشمل العمال الأجراء في شركات الخدمات االخاصة مثل جمع القمامة وإمدادات المياه والكهرباء وادارة المقابر وبناء المساكن ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي. وأخيرًا رجال الإطفاء الذين قدموا الإسعافات الأولية في القطاع الصحي وكانوا جاهزين على مدار الساعة لنقل المرضى، وجميع الذين يخاطرون بحياتهم كل يوم بدون ان يتوفر لهم المواد والمعدات الواقية. بالاضافة الى العاملين في شركة السكك الحديد التي خصخصها الرئيس ماكرون جزئيا، والذين كان لهم دور في نقل المصابين بالوباء من مستشفيات المدن المركزية المكتضة بمرضى الوباء مثل باريس الى مناطق ومدن لا تزال تمتلك القليل من اجهزة التنفس والأسرة التي يمكن استخدامها.
وأعربت سكرتيرة النقابات عن أسفها لأن الحكومة لم ترد أبداً على رسائل النقابات العمالية ، لكنها حاولت عبر الاعلام الدعوة لاستبعاد فكرة "الإضراب لحماية العمال الاجراء"، فيما اعتبرت النقابة الإضراب"الملاذ الأخير"، لحماية حياة العاملين من الخطر المباشر الذي يتعرضون له.
واتهم ماكرون وحكومته سي جي تي بمحاولة التعامل مع الأزمة من خلال صرخات الحرب والإجراءات الاستبدادية.وانتقد الرئيس بشدة النقابات والمعارضين السياسيين بسبب "رغبتهم في تصفية الحسابات في زمن الأزمة". وعبر البيان الاخير لللنقابة عن امتعاضه من الاجراءات "المعادية للديمقراطية" التي فرضها ماكرون على المجتمع ، إلى جانب "الهجمات على قانون العمل" والالتزامات "التي كانت مفروضة عليهم دائمًا". وندد الاتحاد بسياسات الحكومة "التي نتج عنها نقص في الأقنعة الواقية والمواد المعقمة واجراء الفحوصات،في حين لم يحدث يوما نقصا في الاسلحة والمعدات الحربية، وادوات القمع ضد المتظاهرين مثل "الغاز المسيل للدموع ومدافع الرصاص المطاطي".

الانتفاضة العراقية تتواصل

ربما يشعر دهاقنة نظام المحاصصة السياسية والفساد في العراق براحة نسبية، لانهم يعتقدون ان مخاطر الوباء ستنهي الانتقاضة التي عجزوا عن اخضاعها طيلة اكثر من 7 شهور، لكن واقع الحال يتكلم لغة اخرى. نعم ادى انتشار الوباء الى ايقاف الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة ومارافقها من نشاط سياسي وتعبوي متنوع، الا ان ساحة التحرير وسط بغداد، وساحات الانتفاضة الأخرى لا زالت تحتضن المنتقضين وخيامهم. ويجري حاليا المساهمة الفاعلة في تنظيف و تعقيم الاماكن والمشاركة في حملات التوعية، مع الحفاظ على الاستعداد للاحتجاج السلمي، ومتابعة الجدل الدائر حول تشكيل الوزراة المرتقبة، وما يجب عمله عندما يستجد امر في العراق. ومن جانب آخر تشارك العديد من الفرق ومنظمات المجتمع المدني في توزيع سلات الغذاء على العوائل المحتاجة الى جانب، ما يتوفر لهذه الفرق من ادوات الوقاية والمواد المعقمة

من اجل استمرار الضغط

يتساءل الكثير من نشطاء الحركات الاجتماعية والنقابات في العالم عن كيفية الحفاظ على زخم الاحتجاج في زمن ازمة انتشار كورونا. لان الواقع الملموس يؤكد ان المشاكل والمسببات لم تختفي، بل ان الكثير من مشاكل انظمة الليبرالية الجديدة اصبحت بسبب الأزمة اكثر عمقا، ومن هنا تأتي ضرورة عدم دخول الحركات الاجتماعية الحجر الصحي وممارسة الاحتجاج والإضراب باشكال مختلفة، ووفق الضوابط التي تفرضها ازمة انتشار الوباء.
وينكشف للناس الوجه غير الإنساني من الرأسمالية بشكل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. والتحدي هو عدم نسيان هذه الحقيقة بعد انتهاء الأزمة. وان مرحلة جديدة من مقاومة عدم المساواة والاستغلال ستبدأ من جديد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل