/
/
/
/

تأسس علم الجمال، كما هو معروف، باعتباره جناحاً من معمار الفلسفة على يد العبقرية الاغريقية أرسطو، واليه يعود الفضل في صياغة أبرز المفاهيم الجمالية في الأدب والفن.
وكان على تاريخ علم الجمال أن ينتظر بروز العقول الألمانية الموسوعية: كانط وفيخته وشيلنغ، ليوسع عمارته الفكرية. ولربما كان هؤلاء العمالقة بمثابة حلقة وسيطة تمهيدية للصياغة الشمولية التي وضعها هيغل في سفره الكبير: محاضرات في علم الجمال، والتي تقع في مجلدين ضخمين لم ينقل منها الى العربية سوى خلاصات بالغة الكثافة.
واستناداً الى هذا الارث، المتمَثّل نقدياً، سعى ماركس (وانجلز بالطبع أيضاً) الى تكريس جانب من نشاطه لقضايا الأدب والفن. ويذكر قراؤه الجادون ملاحظاته النافذة عن الأدب الاغريقي في المقدمة العامة للغروندريسه، فضلاً عن مراسلاته العديدة حول هذه القضايا، اضافة الى رغبته في كتابة بحث خاص عن بلزاك.
وقدم من جاءوا بعد ماركس ومازالوا يقدمون الكثير المضيء في ميدان جماليات الأدب والفن. ومن السليم القول إن الماركسية هي، اليوم، إحدى النظريات الجمالية الرئيسة، خصوصاً النظريات الأدبية، وإنه ليس من غير المبرر الاشارة الى أن النظرات الجمالية غيرت، على الدوام، أو على الأقل لفترة طويلة جداً، الطريقة التي تقدمت بها فلسفة الفن والنقد الفني. ولتلك الحقيقة المذهلة علاقة وطيدة بأهمية البعد الجمالي في عمل ماركس. وهي أهمية لا تقع كثيراً في الحدود التقليدية للنظرية الجمالية بقدر ما تقع في جوهر ادراك ماركس للعالم.
فـ(رأس المال) لماركس لا يعد فقط عملاً مزلزلاً في ما يتعلق بالتحليل الاقتصادي، إنما هو، أيضاً، تحفة أدبية غير مكتملة يمكن أن تقرأ عبر بنيتها متعددة الطبقات كعمل ابداعي كلاسيكي. وفي دعوة ماركس رفيقه انجلز الى قراءة قصة (التحفة المجهولة) لبلزاك الكثير من الدلالات. ولعلنا نتذكر،هنا، قول بول لافارج، زوج إبنة ماركس: "تركت رواية بلزاك أثراً هائلاً لدى ماركس، لأنها كانت، جزئياً، بمثابة تعبير عما كان يشعر به هو نفسه".
ويصف الكاتب الأميركي مارشال بريمان ماركس بأنه "واحد من أكثر عمالقة القرن التاسع عشر شعوراً بالألم، مثله مثل بيتهوفن، وغويا، وتولستوي، ودستويفسكي، وإبسن، ونيتشه، وفان غوخ – الذين أصابونا بالجنون، مثلما أصابوا أنفسهم، لكن عذابهم فجّر كثيراً من رأس المال الروحي الذي مازلنا نعيش عليه حتى يومنا هذا".
ولابد من ذكر لينين، في هذا السياق، رغم انشغالاته النظرية والعملية، التي لم تتح له تقديم مساهمات بالحجم الذي قدمه بليخانوف. ومع ذلك فان مقالاته عن تولستوي وملاحظاته عن الأدب والفن تنطوي على أهمية منهجية.
وبالمقابل يلمع اسم بليخانوف كأول وأبرز ماركسي يمهد لبناء معمار فلسفي في علم الجمال وتطبيقاته. وحسبنا إحالة القارئ الى المجلدين الأخيرين من مختاراته الفلسفية. وما من شك في أن لوكاتش هو المتمم الثري لجهود بليخانوف النظرية.
وقد تعرض الاثنان الى ما يشبه النسيان والاهمال. فالأول (بليخانوف) لم تظهر أعماله باللغات الأجنبية الا أوائل سبعينات القرن العشرين. أما الثاني فقد حوصر كهرطيق. إن مبحثه الموسوم (خصوصية العامل الجمالي) هو احدى القمم البارزة في النظرية الجمالية، المصاغة في إطار الفرضيات الماركسية، وإن كان مسودة أولية في إطار عمل أكبر هو أنطولوجيا الوجود الاجتماعي.
والنظرية الجمالية هي طائفة من معايير تقييم ونقد العمل الفني، اعتماداً على ما يحاول الفنان والفن انجازه. وتستخدم الجماليات الماركسية لتقييم العمل الفني ارتباطاً بفكرة أن الفن لابد أن تكون له وظيفة اجتماعية تتمثل في الكشف عن الحقيقة، وفي ايقاظ الناس لمعرفة واقع صراعهم.
وتنبع الجماليات الماركسية من اعتقاد الماركسيين بأن فهماً حقيقياً للفن ممكن عبر فهم شامل للنظرية الماركسية. ووفقا للمُنظِّر الماركسي الفرنسي لويس ألتوسير فان "السبيل الوحيد الذي يجعلنا نأمل أن نصل الى معرفة حقيقية للفن، وأن نتعمق في خصوصية العمل الفني، وأن نعرف الآليات التي تخلق "التأثير الجمالي"، هو، على وجه التحديد، أن نقضي وقتاً طويلاً، وأن نولي الاهتمام الأعظم بالمبادئ الأساسية للماركسية".
ويمكن للمقاربة الماركسية في تعميق تقييم وفهم العمل الفني الكشف عن السياق التاريخي لانتاجه، وعلاقة العمل الفني أو الفنان بالمجتمع. والفن، شأنه شأن أي نشاط انساني آخر، يخلق، دائماً، في سياق تاريخي اجتماعي محدد، وهو ما يترك أثره على العمل الفني نفسه. وهذا هو السبب الذي يجعل الماركسيين يجادلون بأن المرء يمكنه أن يبدأ بتقييم وفهم العمل الفني عبر معرفة علاقته بظروف الخلق.

شاعر الديالكتيك

في شباط 1867، وقبل وقت قصير من تسليم المجلد الأول من (رأس المال) إلى المطبعة، دعا كارل ماركس فريدريك إنجلز إلى قراءة قصة (التحفة المجهولة) لأونوريه دى بلزاك عن الرسام فرينهوفر، قائلاً "إن هذه القصة هي تحفة صغيرة في حد ذاتها، تزخر بالسخرية المبهجة". غير أننا لا نعرف ما إذا كان إنجلز قد التفت إلى نصيحة صديقه. لكنه إذا كان قد فعل، فبالتأكيد كان سيلاحظ السخرية، بيد أنه ربما كان سيشعر بالدهشة لأن صديقه القديم وجد فيها بهجة معينة.
ووفقاً لما قاله بول لافارج، زوج ابنة ماركس: "تركت رواية بلزاك أثراً هائلاً لدى ماركس، لأنها كانت جزئياً بمثابة تعبير عما كان يشعر به هو نفسه". فقد كدح ماركس سنوات عدة ليصنع تحفته التي لم يرها أحد. وخلال فترة الحَمْل الطويلة تلك، كان رده المعتاد عندما يطالبه أحد بإلقاء نظرة على عمله الذي مازال قيد التشكل، هو نفس رد فرينهوفر: “لا، لا! أنا مازلت أضفي بعض اللمسات النهائية عليه. بالأمس، نحو المساء، كنت أعتقد أني قد انتهيت من ذلك، لكن هذا الصباح، بحلول ضوء النهار، أدركت أني كنت مخطئا".
يتساءل فرانسيس وين (الكاتب البريطاني الكبير الذي أصدر، عام 1999، أهم وأغنى سيرة لحياة كارل ماركس)، في مقال له في صحيفة (الغارديان) البريطانية بتاريخ 8 تموز 2006 بمناسبة مرور 140 عاماً على صدور الطبعة الأولى للجزء الأول من كتاب ماركس (رأس المال) في عام 1867، يتساءل: لماذا استحضر ماركس قصة بلزاك عندما كان يستعد للكشف عن عمله الأعظم ليقيّمه الناس؟ هل كان يعتقد أنه، أيضاً، بذل كل هذا الجهد هباءً، وأن "التعبير التام عن الحقيقة" المتمثل في كتابه، قد يصير في النهاية شيئاً ملتبساً؟ بالتأكيد كان لديه بعض من تلك المخاوف – كانت شخصية ماركس بمثابة مزيج نادر من الثقة العنيفة بالنفس، والشك المؤلم بها – وقد أراد أن يتجنب النقد عبر التحذير في تصدير الكتاب: "أنا أفترض بالطبع أن قارئ الكتاب يريد أن يتعلم شيئاً جديداً، ومن ثم يريد أن يفكر لنفسه". لكن ما يجب أن يدهشنا بقوة هو تماهي ماركس مع خالق (التحفة المجهولة)، في حين أن فرينهوفر كان فناناً، وليس متخصصاً في الاقتصاد السياسي ولا فيلسوفاً أو مؤرخاً أو مجادلاً.
رأى ماركس في نفسه، كما يقول فرانسيس وين، فناناً خلاقاً، شاعراً للديالكتيك: "والآن، في ما يتعلق بأعمالي، فسوف أقول لك الحقيقة الواضحة بشأنها"، هكذا كتب يقول لإنجلز عام 1865، "أيّاً كانت النقائص الموجودة بكتاباتي، فإن ما يميزها هو كونها تمثل كلاًّ فنياً".
كان ماركس يبحث لدى الشعراء والروائيين، أكثر من بحثه لدى الفلاسفة أو الكتاب السياسيين، عن الرؤى العميقة حول مصالح البشر ودوافعهم المادية. وفي خطاب كتبه إلى إنجلز في ديسمبر 1868، اقتبس فقرة من عمل آخر لبلزاك هو (كاهن القرية)، وسأل إنجلز ما إذا كان باستطاعته أن يؤكد هذه الصورة من خلال معرفته بالاقتصاد العملي. لو كان ماركس قد أراد أن يكتب مؤَلَفاً اقتصادياً تقليدياً لكان قد فعل ذلك. غير أن طموحه كان أكثر جرأة.
ويصف الكاتب الأميركي مارشال بريمان ماركس بأنه "واحد من أكثر عمالقة القرن التاسع عشر شعوراً بالألم – مثله مثل بتهوفن وغويا وتولستوي ودويستوفسكي وإبسن ونيتشه وفان جوخ – الذين أصابونا بالجنون، مثلما أصابوا أنفسهم، لكن عذابهم فجّر كثيراً من رأس المال الروحي الذي مازلنا نعيش عليه إلى يومنا هذا".
ومعلوم أن والد ماركس شجع ابنه على القراءة بنهم. وكان المعلم الثاني للصبي هو صديق والده، البارون لودفيغ فون ويستفالن، وكان مسؤولاً حكومياً ومثقفاً وليبرالياً، عَرّف ماركس على الشعر والموسيقى (وعلى ابنته جيني التي أصبحت زوجة ماركس بعد ذلك). وخلال تجوالهما الطويل معاً، كان البارون يردد فقرات من هومر وشكسبير حفظها الفتى عن ظهر قلب واستخدمها بعد ذلك كتوابل أساسية في أعماله.
وعندما أصبح ماركس رجلاً كان يستعيد هذه الرحلات السعيدة مع فون ويستفالن، عبر قص مشاهد من شكسبير ودانتي وغوته، عندما كان يقود عائلته صعوداً إلى هامبستيد هيث في رحلات الآحاد.
يقول فرانسيس وين "إن (رأس المال) هو، باختصار، عمل فريد. لم يكن هناك شئ يشبهه قبل صدوره، ولم يأت شيء يشبهه بعد ذلك – ربما كان ذلك هو السبب في أنه تم إهماله أو إساءة فهمه. حقاً، لقد كان ماركس واحداً من أكثر العمالقة شعوراً بالألم".

تحرير الأحاسيس

في بحثه المهم (الجماليات: تحرير الأحاسيس)، الذي نشر في (دليل كيمبريدج لماركس)، الصادر عام 1999، والذي حرره تيريل كارفر، الباحث البريطاني المرموق في ماركس والماركسية، يبدأ الباحث الأميركي ويليام آدامز مساهمته في الكتاب بنص مقتبس من الباحث الماركسي البريطاني رايموند ويليامز وفيه يقول: "في صلب الماركسية هناك تأكيد استثنائي على الابداع الانساني والخلق الذاتي. وهو استثنائي لأن معظم الأنظمة التي تتنافس وتتجادل معها تشدد على نشوء الابداع الانساني من قضية خارجية: من الرب، أو من طبيعة مجردة أو طبيعة انسانية، أو أنظمة غريزية دائمة، أو من ارث حيواني. وقد جرى توسيع مفهوم الخلق الذاتي، ليشمل المجتمع المدني واللغة من جانب المفكرين ما قبل الماركسيين، توسيعه على نحو جذري من قبل الماركسية الى عمليات العمل الأساسية وبالتالي الى عالم مادي وانسانية مخلوقة ذاتياً يتغيران بعمق (وبإبداع)".
لقد كان ماركس شخصاً مثقفاً وواسع القراءات على نحو مذهل، ويمكن أن يجد المرء في أعماله طائفة مؤثرة من والمراجع والاشارات الى عدد كبير من الظواهر الجمالية من أعمال فنية معينة تجسد النواحي الأكثر عمومية للانتاج الفني. ولكن ليس هناك ما يصل الى نظرية جمالية منظومة في كل هذا.
ما الذي يمكن أن يكون أكثر "تأويلاً" وأكثر بعداً عن النظرية والممارسة الثوريتين من المسائل التقليدية للجماليات: ما الفن ؟ ما الجمال ؟ ما التجربة الجمالية ؟ (على سبيل المثال لا الحصر). يبدو أن هناك مغزى سياسياً بل وثورياً في أن ماركس وجه رؤيته وجهة أخرى. وفي إطار الحدس على الأقل فان الاقتصاد والدولة والصراع الطبقي، وهي قضايا أعطاها ماركس الكثير من الاهتمام الفلسفي، أكثر قرباً من مبادئ وآليات التغيير منها الى مسائل الجماليات. الفن سيأتي لاحقاً، بعد الثورة.
هذه ترددات مبررة. فلم يقل ماركس سوى القليل بشأن القضايا الجمالية، وقد اعتقد أن نقد الفكر والممارسة الاقتصاديين هو العمل الأول للنظرية الثورية أو نظريته بالتأكيد. ولكن هناك طريقة أخرى يشكل فيها البعد الجمالي اهتماماً كبيراً في فكر ماركس. ونود أن نشير، بجرأة أكبر، الى أن القضايا الجمالية كانت أساسية بالنسبة لماركس، وانها منحت تفكيره طاقة ودفعاً وعلى وجه التحديد عندما تبدو أنها من المحتمل قليلاً أن تفعل ذلك، بالطريقة التي صاغ فيها مفاهيم أسس الحياة الاقتصادية وفي رؤيته للممارسة الثورية أيضاً.
ومن الصعب رؤية هذا لأن القضايا الجمالية داخلة عميقاً في تفكير ماركس، على نحو أكثر شبهاً بالبديهيات والافتراضات منها بالمشكلات التي يواجهها المرء على امتداد الطريق. ونحن نتعامل مع المناخ هنا وليس مع النظرية. ولكن المناخ صعب الاكتشاف والملاحظة لأننا غير معتادين على تركيبه الدقيق. ومن الناحية الفلسفية والبديهية نحن مستعدون لرؤية المسائل الجمالية، وفي الواقع القضايا الثقافية عموماً، باعتبارها أشياء منفصلة عن المسائل العالمية للاقتصاد والسياسة والثورة. وقد أراد ماركس من ناحية أخرى، على الأقل في لحظاته الأكثر ديالكتيكية، المساهمة في اللحظات الثقافية والعملية، وهذا هو الذي جعل من الصعب تحديد موقع تفكيره الجمالي. فنحن لا نراه لأننا ننظر الى المكان الخطأ ونسعى باتجاه النمط الخاطئ من الأمور.

ماركس والجماليات

كانت مساهمة ماركس الأساسية في القضايا والجدالات الجمالية مساهمة مكثفة وموجزة. وكطالب فلسفة في بون وبرلين درس الأعمال الجمالية لكانت وفيخته وليسنغ وشيلنغ وشيلر. كما انضم الى محاضرات الشقيقين فريديريك وأوغست شليغل، وجادل ثم تحول الى مبادئ هيغل الجمالية. وشأن كثير من الهيغليين الشباب وهيغل نفسه كان ماركس معجباً بالفن الإغريقي الكلاسيكي وخصوصاً التراجيديا. كما أنه كتب الكثير من الأشعار خلال هذه السنوات، وكان الكثير منها رومانتيكياً، والكثير منها (ثلاث مجموعات) لحبيبة صباه وزوجته لاحقا جيني فون ويستفالن.
واذ كان مقتنعاً بأن العمل في الجامعة مغلق أمامه بسبب المناخ السياسي في ألمانيا عاد ماركس عام 1841 الى الكتابة بطريقة المساهم غير المتفرغ. ووافق على الاسهام في دراسة موسعة عن جماليات هيغل وفلسفته في الدين في كتاب ضم مقالات حررها برونو باور، وهو من الهيغليين الشباب الراديكاليين.
وفي عام 1843 انتقل ماركس الى باريس وبدأ دراسة منتظمة للنظرية الاقتصادية. وفي عام 1844 ألَّف (المخطوطات الاقتصادية والفلسفية)، وهي تعليق مطول على دراسته. وكانت (المخطوطات) المسودة الأولية حول ستراتيجية الخطاب والتحليل التي شغلته طيلة حياته وهي: تطوير نظرية اقتصادية ثورية عبر نقد مؤسسي "الاقتصاد السياسي"، وهم آدم سميث وديفيد ريكاردو وجان بابتيست ساي وجيمس ميل من بين آخرين.
ويبدو هذا، بمعنى ما، بعيداً عن الشعر والنظرية الجمالية وتاريخ الفن. ولكن عند التفحص الدقيق يصبح واضحاً أن النظرية الاقتصادية لـ (المخطوطات) مرتبطة بدوافع فلسفية ذات سمات جمالية مميزة. ففي أنثروبولوجيا ماركس التي تطورت أصبحت الممارسات الاقتصادية - وهي ما قضى الناس الحقيقيون في المواقع الاجتماعية الحقيقية معظم وقتهم يقومون به - الموقع الأساسي، والحدث الرئيسي للتاريخ البشري. فهنا، في مملكة الاقتصاد، يجري الكشف عن الطبيعة الانسانية وممارستها بصورة أكثر وضوحاً وديمومة. ويقول ماركس إنه "يمكن رؤية كيف أن تاريخ الصناعة والوجود الموضوعي للصناعة كما تطور هو الكتاب المفتوح للقوى الأساسية للانسان، سايكولوجيا الانسان الحاضرة في شكل ملموس. إن الكائنات البشرية تتميز كأنواع عبر قواها وممارساتها الانتاجية".
وهذا ليس سوى نمط آخر من الاغتراب بالطبع. ولأن الملكية الخاصة تهيمن علينا فاننا عاجزون عن اكتشاف العالم - الطبيعة والأشياء والناس الآخرين - في الصيغة الأكثر فائدة ليس الا. "ولهذا فان جميع الأحاسيس الجسدية والفكرية يجري استبدالها بالاغتراب البسيط لجميع الأحاسيس، أي بإحساس التملك".
ولعله من الواضح، الآن، ما نعتزم الاشارة اليه بشأن مثل هذه التصورات. فبالاضافة الى كونها مفعمة بالأمل الغنائي، فان ما يقفز خارج الصفحة في هذه الأجزاء هي صور التعبير والتقييم الفني. ويستخدم ماركس، لأغراض عملية، البعد الجمالي باعتباره السبيل الرئيسي لتخيل ما يكون عليه عالم غير مغترب. ويبدو أنه يمكن أن يكون شبيهاً جداً بتوليفة معينة من الحرفة الفنية والتأمل الجمالي. وفي عالم منظم على نحو سليم وانساني بالكامل سيكون العمل تحقيقاً لقوانا الابداعية الأصيلة. وحيثما لا تعود الحياة الانتاجية، وبالتالي التنظيم الأساسي للمجتمع، تحت هيمنة صيغ القيمة التبادلية، فان العالم نفسه، الطبيعي والانساني، يصبح موضوع تقييم بدل أن يكون موضوع استغلال، كما أن الكثير من أعمال الفن يستمتع بها مشاهدوها وقراؤها ومستمعوها اللامبالون.
ويشير كل هذا الى افتراضات ماركس الانثروبولوجية. واذا ما أمكن ادراك الانتصار على الاغتراب في اطار يستدعي تجربة الانتاج والتأمل الفني فان ذلك يعود الى أن الحياة والتاريخ الانساني يجري ادراكهما منذ البداية في اطار مماثل. ويغمر ماركس الحقل الاقتصادي بأهمية وامكانيات جمالية عبر ربط الانتاج بالابداع، والابداع بادراك القوة الانسانية الأساسية. إن هذا الترابط الوثيق، على وجه التحديد، هو الذي يمنح ماركس القدرة على نقد عالم الانتاج الرأسمالي وتخيل امكانية النظام الثوري ما بعده.

الفن والابداع

اذا تمكن المرء أن يرى العمل والانتاج والتاريخ عبر منظور الابداع والاستمتاع الفني، فانه سيرى، عاجلاً أم آجلاً، النشاط الفني والنتاجات البشرية عبر منظور علاقات العمل والانتاج. وفي هذا التغير البسيط جداً يكمن الإطار العام للمبدأ الجمالي الماركسي والثوري المميز.
وهذا لا يعني القول بأنه لا يوجد شيء تقليدي في الحساسية الجمالية التي يطبقها ماركس على الممارسات الاقتصادية. ان الارتباط بين النشاط الفني والامكانية الانسانية المتميزة والمتفردة كان عنصراً نموذجياً في التقليد الجمالي الذي مارسه ماركس. والحق أنه هكذا كانت فكرة أن الاستمتاع الجمالي تضمن النزاهة التأملية ولا تقف وراءه الاهتمامات بالمنفعة العملية. وكان نفور ماركس من المجتمع البرجوازي، مجتمع الحساسيات الذاوية، المجتمع العاجز عن الفن العظيم، نظرة يشارك فيها، بل ويستمدها، في الواقع، من هيغل وشيلر. وهذه العناصر التقليدية ممتزجة ابداعياً في رؤية ماركس لعالم خال من الاغتراب كعالم تتجه فيه الحياة الانتاجية نحو تحرير وإدراك القوى البشرية المتخيلة في إطار النشاط والتأمل الفنيين.
ولكن بالاصرار على الربط بين المجالين الاقتصادي والجمالي يحول ماركس هذين المفهومين التقليديين حتى وهو يعتمد عليهما. فاذا كان الاقتصادي والجمالي يشكلان، حقاً، وجوداً ثابتاً مستقلاً، فان النشاط الابداعي لا يمكن بالتالي أن يكون منفصلاً عن أشكال الانتاج البشري الأخرى. فالرسومات والقصائد والأفلام ليست، بالضرورة، مختلفة عن الكومبيوترات والسيارات والبرادات. انها أشياء من العالم وتجسيدات مادية للحاجة الانسانية والمخيلة الابداعية.
وهذا يعني أنه عندما يتحدث ماركس بوضوح عن الظواهر الجمالية فانه يميل الى القيام بذلك في إطار عملي وتاريخي. لنتأمل، على سبيل المثال، مسألة أصول الحساسية الجمالية نفسها. وكما أشرنا فان الحساسيات الانسانية ليست، حسب وجهة نظر ماركس، معطاة مرة واحدة والى الأبد. بل إنها نتاج أشكال تاريخية متنوعة من "تجسيد" الطرق التي نستخدم فيها حواسنا في الواقع. وهذا يشتمل، بالطبع، على الحساسيات الجمالية. ان "الموسيقى وحدها هي التي يمكن ان توقظ ما هو موسيقي في الانسان، ولا احساس بالموسيقى الأكثر جمالاً بالنسبة للأذن غير الموسيقية، لأن موضوعي لا يمكن الا أن يكون تأكيداً لاحدى طاقاتي الجوهرية، أي أنه يمكن أن يكون لي فقط بقدر ما توجد طاقتي الجوهرية لي كسمة ذاتية".
إن هناك مسألة الحساسية الثقافية التي ترافق موضوع "أساليب الانتاج". وعلى نحو أكثر دقة يقصد ماركس القول بأن هناك آصرة مباشرة بين الحساسية الجمالية لمجتمع معين- أي أشكال التعبير التي يفضلها وأنماط المشكلات الجمالية التي يجدها مثيرة للاهتمام- وأسلوب الانتاج فيه. وفي مقطع مهم من (الغروندريسه) يكتب قائلاً: "لنأخذ مثلا علاقة الفن الاغريقي بالوقت الحاضر. فمن المعروف جيداً أن الأساطير الاغريقية هي ليست فقط مستودعاً للفن الاغريقي وانما أيضاً أساس له. فهل أن تصوير الطبيعة والعلاقات الاجتماعية الذي تعتمد عليه المخيلة الاغريقية والأساطير الاغريقية ممكن في عصر المغازل الآلية والسكك الحديدية والقاطرات والبرقيات الكهربائية ؟ وأي فرصة لفولكان، إله النار في الأساطير الرومانية مقابل شركة روبرتس، وجوبيتر، الاله الأكبر عند الرومان مقابل القطب الكهربائي، وهرمز، رسول الآلهة عند الاغريق مقابل شركة كريدت موبلييه؟ إن كل الأساطير تتغلب على قوى الطبيعة وتهيمن عليها وتصنعها في المخيلة وبواسطة المخيلة، وبالتالي فانها تتلاشى بحلول تحكم حقيقي بها ... ومن زاوية أخرى: هل أن أسخيلوس ممكن في عصر البارود ؟ أو الالياذة في عصر الصحافة المطبوعة ناهيكم عن ماكنة الطباعة ؟ أليس الأغنية وقصص البطولة والالهام الشعري تصل بالضرورة الى نهايتها ارتباطاً بجهاز الطباعة، وبالتالي ألا تتلاشى ظروف الشعر ؟".
ويعمل التعبير والفهم الفني، بالضرورة، مع وفي إطار أشكال الوعي المناسبة لهذه الممارسات الانتاجية وهذه العلاقات الانتاجية. نشير الى عمل غوستاف فلوبير المتطلب الذي كثف وأعاد صياغة عالم البرجوازية الصغيرة في (مدام بوفاري). ولكن مشاعر إيما بوفاري والحساسية الأدبية التي ترسمها مسببة ومتصورة مسبقاً في الحياة الاجتماعية لفرنسا منتصف القرن التاسع عشر. وبالتالي فان (مدام بوفاري) آيديولوجية الى الحد الذي ترتبط وتعيد انتاج أشكال المخيلة و"بنى الشعور" التي تميز الشكل المحدد للحياة.
وقال ماركس في (الآيديولوجيا الألمانية) إن "أفكار الطبقة السائدة هي في كل عصر الأفكار السائدة، أي أن الطبقة التي هي القوة المادية المهيمنة في المجتمع هي، في الوقت نفسه، القوة الفكرية المهيمنة". والثقافة، بالمعنى الأوسع، ليست مجالاً سلساً ومجزءاً للمعنى والمخيلة والتعبير. إنها جزء من التشكيلة الاجتماعية ونظام السلطة. وهي تنتج في ملامحها الخاصة الطوبوغرافيا غير المستوية للصراع والهيمنة الاجتماعية.
ولكي نبدأ برؤية ما يفكر به ماركس هنا، لا نحتاج الى أن نمضي الى ما هو أبعد من مفهوم الفن نفسه. وعلى الرغم تقريباً من أسسه المادية والعملية، فان النشاط الفني يوضع عادة على الجانب العالي من المصادر المادية والمعرفية التي توفرها الثقافة ككل.
وما يستدعي التفسير هنا هو حقيقة أننا ما نزال نحب الفن الاغريقي، على الأقل بعضنا يفعل ذلك، على الرغم من ابتعادنا الثقافي والاجتماعي عنه. ونحن لا نحبه حسب وانما، أيضاً، نعتبره متفوقاً على الفن المعاصر، كما فعل ماركس نفسه. وقال ماركس إن "الصعوبة لا تكمن في إدراك أن الملحمة والفن الاغريقي معنيان بأشكال معينة من التطور الاجتماعي. الصعوبة هي أنهما ما زالا يوفران لنا متعة جمالية وانهما يعتبران، من ناحية معينة، معياراً ونموذجاً لا يمكن بلوغه". إن حل ماركس لهذه الاشكالية ليس مقنعا تماماً. وهو يقول "لماذا لا يتعين على الطفولة التاريخية للبشرية، عملية تطورها الأكثر جمالاً، كمرحلة لا يمكن أن تعود اطلاقاً، أن تمارس سحراً خالداً؟ ولكن هناك مبدأ مهم لعدم الاستمرارية موجود ضمنياً في مثل هذا التفسير. فليست هناك علاقة بسيطة مباشرة بين الثقافة الجمالية والتطور الاقتصادي. والحقيقة أن ماركس يشير، في أكثر من مناسبة، كما ذكرنا قبل قليل، الى أن الفن العظيم مستحيل في ظل الرأسمالية. فالانتاج الفني يتحدد دائماً وفقاً للنظام الانتاجي، ولكن ليس، على ما يبدو، بطرق ميكانيكية أو يمكن التكهن بها بالكامل.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل