العربي الجديد

في ظل التصاعد المستمر في أسعار الأدوية في العراق، وفرض شبكات يرتبط أغلبها بجهات حزبية متنفذة بالدولة سيطرتها على توريده وتوزيعه، والتحكم بأسعاره، يؤكد مسؤولون عراقيون عجز وزارة الصحة عن وضع حلول لهذا الملف الإنساني.

خلال العام الجاري، ومع تسجيل أسعار الدواء قفزات كبيرة بسبب تأثير ارتفاع أسعار صرف الدولار، وتفشي وباء كورونا، وغير ذلك من أسباب، سجلت العديد من حالات الوفاة داخل مستشفيات بغداد والمحافظات الأخرى، بسبب عجز المرضى عن شراء الدواء من السوق السوداء بسبب ارتفاع سعره.

وعلى الرغم من ذلك، فإن حلول ومعالجات الوزارة لهذا الملف بقيت خجولة، ولم تتجاوز الحديث عن خطط ووعود فقط، ووفقا لمسؤول صحي عراقي، فإن "الوزارة تتابع الملف ولديها خطط للسيطرة عليه، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وقد نفذت عدة حملات على أصحاب الصيدليات، خاصة في العاصمة بغداد، وحددتهم بأسعار معينة لأنواع من الأدوية، إلا أن الحملات لم تؤثر على الأسعار بشكل كبير"، مبينا لـ"العربي الجديد" أن "الملف من الملفات المتراكمة في البلاد، ولسنوات طويلة، وأن الاعتماد على توريد الأدوية يتم بالأساس على تجار الأدوية وفقا للاحتياج المطلوب".

وأشار إلى أن "هذا الاعتماد على التجار أفقد الوزارة القدرة بالسيطرة على الأسعار، وحتى على نوعيات الأدوية التي تورد كميات كبيرة منها من مناشئ رديئة غير مطابقة للشروط الصحية"، مبينا أن "الوزارة الحالية لديها خطط إصلاحية، تركز على توسيع الاستيراد الحكومي، وتطبيق نظام إصلاحي يتعلق بتوفير الأدوية المجانية في المستشفيات والمراكز الصحية، لكنها تحتاج إلى وقت وإلى تخصيصات مالية كبيرة للتنفيذ".

ومع حديث الوزارة عن حملات مراقبة وتدقيق الأسعار في الصيدليات، إلا أن نحو 70 بالمائة من الأدوية في العراق يوضع في خانة الأدوية غير المُسعرة، وهي بالغالب المستوردة من مناشئ أوروبية وغربية مختلفة، فيما الأخرى مسعرة كونها مستوردة وفقا لاتفاقيات وعقود مع وزارة الصحة ببغداد.

وبسطت مافيات مرتبطة بأحزاب السلطة في البلاد، ومنذ سنوات عدّة سيطرتها على ملف الأدوية والتجارة به، وأكد النائب في البرلمان، عامر الفايز، أن ملف الأدوية أصبح خطيرا للغاية ويحتاج إلى معالجات سريعة، وقال لـ"العربي الجديد" إن "الملف تسيطر عليه مافيات تتحكم باستيراد الأدوية ومن ثم بتوزيعها على أصحاب المذاخر والصيدليات، مستغلة غياب المتابعة من قبل الجهات المسؤولة، الأمر الذي أتاح لها فرصة التحكم بالأسعار كما تريد من دون أي مراعاة للمواطن".

وشدد على أن "الملف يتطلب اليوم عملا جديا من قبل وزارة الصحة والحكومة، لا مجرد حديث عن وضع خطط من دون تنفيذ، وعلى الحكومة أن تخصص أجهزة رقابية خاصة لمتابعة الملف، بداية من الاستيراد وحتى بيعه للمواطن، وأن تكون هناك محاسبة قانونية شديدة للمخالفين وعدم المجاملة بهذا الملف"، محملا وزارة الصحة والجهات الحكومية الأمنية والرقابية "المسؤولة عن الملف وإدارته ومحاسبة المخالفين".

وأشار إلى موضع صناعة الأدوية في العراق، مؤكدا أن "هناك مصانع عراقية كانت منتجة في البلاد خلال الفترة السابقة، وكانت تحقق جزءا من الاكتفاء الذاتي، لكنها اليوم ضعيفة جدا وتحتاج إلى الدعم الحكومي ووضع الخطط المناسبة لزيادة إنتاجها، بما يدعم السوق المحلية بجزء من احتياجاته لبعض الأدوية".

نقابة الصيادلة العراقية انتقدت خطط الوزارة بالسيطرة على الملف، وأكدت أن ملف الأدوية لا يمكن السيطرة عليه، من خلال حملات المتابعة والتفتيش على الصيدليات، وقال عضو النقابة سامر الخالدي، لـ"العربي الجديد"، إن "خطط الوزارة للسيطرة على أسعار الأدوية فاشلة جدا، وإنها تركز دائما على متابعة الصيدليات فقط. نعم قد تكون هذه الخطوة جزءا من الحل، لكنها لا تمثل الحل كله".

وأوضح أن "الملف يحتاج خططا شاملة، بداية من عقود التوريد، وتحديد نوعيات الأدوية، وتغطية حاجة المستشفيات من الأدوية المجانية عبر إعادة العمل بنظام توزيع أدوية الأمراض المزمنة بالمجان في العيادات الشعبية، ودعم قطاع صناعة الأدوية بالبلاد، فضلا عن السيطرة على الفساد داخل الوزارة وخاصة بملف عقود الأدوية، ومن ثم تشكيل فرق رقابية وتفتيشية على الصيدليات لضبط أسعارها".

وأكد أن "الصيدليات تمثل الحلقة الأخيرة برفع الأسعار، ولا ننكر أن هناك استغلالا من قبل الكثير من الصيادلة، لكن التجار هم من يتحكمون أولا وآخرا بأسعار الأدوية بالسوق".

وشدد على أنه "من دون وضع خطة متكاملة فلا يمكن أن نتحدث عن إمكانية السيطرة على أسعار السوق المحلية"، محملا وزارة الصحة "مسؤولية ذلك".

وتدخلت "هيئة النزاهة"، وهي هيئة رقابية مستقلة، تعمل على متابعة ملفات الفساد، ولمرات عدة، على خط الفساد بملف الأدوية، وكشفت عن ملفات فساد داخل الوزارة.

والأسبوع الفائت، أعلنت الهيئة في بيان لها ضبطها "كميات كبيرة من الأدوية الفاسدة التي أدخلت إلى محافظة ذي قار، بعد أن تم التلاعب بتاريخ انتهاء صلاحياتها، كما تم ضبط ملفات فساد بشراء أجهزة طبية بمحافظة ميسان احتسبت بأسعار تزيد كثيرا عن أسعارها الحقيقية".

وتعد مشكلة أسعار الأدوية من المشاكل التي يعاني منها أغلب العراقيين، الذين لا تسعفهم إمكاناتهم المادية بتوفير الدواء والمستلزمات الطبية الأخرى، في وقت تعاني فيه المستشفيات العراقية من نقص حاد بالأدوية، ويتحمل المراجعون كلفة شراء الأدوية من الصيدليات الخارجية، بمبالغ عالية جدا.

وشهدت أسعار الأدوية خلال العام الحالي في العراق ارتفاعا كبيرا، عقب إقرار السلطات المالية في البلاد قرار خفض قيمة الدينار أمام الدولار من 1200 دينار للدولار الواحد إلى 1450، لكنه الآن فعليا 1480 ديناراً للدولار بسبب المضاربة التي تشهدها سوق العملات الأجنبية في بغداد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل