/
/
/
/

دخلت سندس، ذات السنوات الأربع وأمها بيت الجد. تلقت المرأة العجوز ابنتها بلهفة وسحبتها جانبا لتجلسا على كرسيين في ساحة الدرج. سألت البنت أمها باهتمام وقلق بصوت هامس لكي لا يسمعها أبوها الذي حجر نفسه في الطابق العلوي: “ها... ما الجديد يا أمي؟ كيف هو أبي؟” أجابتها أمها هامسة أيضا بصوت محشرج: “لا يقبل أن يصعد اليه أحد، لا يقبل حتى أن أقترب منه... طلب قنينة أوكسجين وليمون وأدوية لا أعرف أسماءها وقد جلبها له أخوك لطيف”، “وكيف يأكل ويشرب؟”، “لم يعد يأكل كثيرا. أضع له الصينية أعلى السلم، وأعود لأخذها بعد حين”. صمتا إذ لم يعد يخطر في بالهما شيء تقولانه. كانت الطفلة تنظر اليهما، لم تفهم من كلامهما شيئا، إنها تريد أن يرى جدها ما ترتدي... ثوب جميل، وحذاء ملون وله فسفورة تضيء حين تسير، وفوق هذا، وأهم منه، تريد أن تلعب معه ككل مرة.
صاحت لافظة الكلمات لفظا مكسرا: “جدو... أنظر ثوبي وحذائي!” تناهى اليها والى أمها وجدتها صوته المهنئ بوهن “إي بالعافية جدو”. أرادت صعود السلم الى جدها حيث تجده عادة جالسا يقلب صفحات مجلات فنية لبنانية ومصرية وكتب مصورة قديمة يحتفظ بها منذ عقود. ولكن أمها نهرتها بقلق ضاغطة على كلماتها ومخاطبة إياها بإسم التدليل “سونه! جدك مريض، إبق حيث أنت!” لم تفهم بالضبط لماذا لا يجوز لها الصعود الآن فليست هذه أول مرة يمرض فيها وتستطيع أن تجلس قربه. شعرت أن لهذه الكلمات صدى لشيء مخيف، لكن شعورها هذا لم يلبث أن تلاشى إذ ذكرها باللعبة التي طالما لعبتها مع جدها. جلست على درجة السلم الأولى ونظرت الى الأعلى ولكنها لم تستطع رؤية جدها. صاحت “جدو... إعمل هكذا!” لم يكن يرى الحركة التي عملتها ولكنه عرفها، تمثيل دور الخائف بالارتجاف وضم الذراعين الى الصدر والبحلقة، ففعل ولو لم تكن تراه. صاحت مقلدة صوت حيوان مخيف “هووووو” فسمعته يقول “يمه...خفت”، ضحكت من قلبها مرجعة رأسها الى الوراء، ارتعشت بسعادة، كررت “هوووو” فقام بالحركة ولو لم تكن تراه، وقال “يمه.. خفت”، اهتز جسمها الصغير بضحكتها وهي تضم يديها.. لكن أمها نظرت اليها وعضت شفتها فتغلبت على رغبتها في الضحك واكتسى وجهها بالوجوم.
في اليوم الثاني جلست على درجة السلم الأولى أيضا فيما ذهبت أمها وجدتها الى المطبخ غير منتبهتين اليها. لقد أحبت هذا النمط الجديد من اللعب، هي أسفل السلم وهو أعلى السلم، كلعبة الغميضة. صاحت “جدو” سمعته يجيبها بوهن هذه المرة وبصوت لا يكاد يسمع “ها... جدو”. صاحت “إعمل هكذا!” أجابها من أقصى الإعياء “عملت”. صاحت مقلدة صوت حيوان مرعب “هووووو” ما أن سمعت “يمه...خفت” قهقهت وهي تكاد تسقط جانبا من الضحك. التفتت نحو المطبخ فرأت أمها تقف عند بابه وهي تضع يدا على إطار الباب وتؤشر لها باليد الأخرى أن تأتي ناظرة اليها بغضب. أطاعت عابسة وهي تتساءل ما لأمها أصبحت لا تطيق لعبها مع جدها؟
في اليوم الثالث كانت في بيت جدها هي وأمها أبكر من كل يوم. لاحظت أن جدتها وأمها قد ارتدتا الأسود ولم تر خالها لطيف أو أي من أخوالها أو حتى أبوها الذي سبقهما الى بيت جدها.
جلست المرأتان في المطبخ تضعان منديليهما على عيونهما وتبكيان، وبكت سونة معهما قليلا حتى كفا عن البكاء دون أن تعرف بالضبط لماذا كانتا تبكيان. بعد قليل ضجرت من التواجد معهما في جو غريب لا يشجع على المرح وقد شغلها بكآبته طوال الوقت عن تذكر جدها الذي خطر على بالها ما أن خرجت من المطبخ ورأت السلم فهرعت لتجلس على درجة السلم الأولى. صاحت “جدو” فلم يجبها. مع ذلك كانت مصرة على أن تلعب معه، وقدر ما تريد هذه المرة. صاحت بلكنتها الطفولية المرتبكة “جدو... أعرف.. أنت هناك. إعمل هكذا!” لم تسمع جوابا ولكنها قررت أن تجبره على اللعب ،”هووووو”، ولم يكن صعبا عليها أن تتخيل أنها سمعت صوته الخشن الأليف يقول “يمه... خفت”. قهقهت بمرح طفولي، ثم لما تمالكت نفسها صاحت مرة أخرى”هووووو” وسكتت لحظة تصيخ السمع ثم انفجرت بضحكة طويلة. كانت سعيدة لأن أمها هذه المرة لم تمنعها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل