/
/
/
/

حسب خبراء الاقتصاد، من المحتم أن يشهد العالم ركوداً عميقاً وانهيارًا في أسواق العمل وتبخر إنفاق المستهلكين، بعد ان كان الرعب الذي قاد الإجراءات الحكومية في خريف العام 2008 هو أن الأموال ستتوقف عن الخروج من آلات الصرف النقدي، ما لم يتم دعم النظام المصرفي، أصبح واضحًا الآن أن توقف الناس عن الخروج من منازلهم، قد ادى إلى توقف تداول الأموال أيضًا ـ توقف الاستهلاك السلبي، وفي الوقت الذي تتخلص فيه الشركات الصغيرة في الغرب من الموظفين بسرعة مخيفة، أعلن عملاق منصات البيع على شبكة الإنترنت "أمازون" عن حاجته إلى 100000 عامل إضافي في عموم الولايات المتحدة، في واحدة من الاستثناءات القليلة التي أسفرت عنها الأزمة، وهو ما ينبئ بالنمو الفطري والمضر للعالم الافتراضي على حساب السلوك الاجتماعي الجمعي.
وعلى الرغم من أن الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم في السابق كانت في أغلبها ذات طابع اقتصادي بحت أدى إلى هروب الرأسمالية العالمية والسياحة والتجارة، إلّا أنّ السبب الجذري للأزمة الحالية خارج نطاق الاقتصاد، كما أن البعد المكاني لهذه الأزمة لا يشبه أزمات الرأسمالية النموذجية، وباستثناء الملاجئ والجزر التي يختبئ فيها الأغنياء حاليًا هربًا من الفيروس، فإن هذا الوباء لا يميز على أساس الجغرافيا الاقتصادية وقد ينتهي الأمر بانهيار قيمة المراكز الحضرية، حيث يصبح من الواضح كم العمل القائم على المعرفة، ذلك الذي يمكن القيام به عبر الإنترنت بعد كل شيء.
لقد أدى انتشار الهواتف الذكية والإنترنت إلى ظهور جمهور عالمي جديد من نوع لم نشهده من قبل. وهذا ما رأيناه في أحداث 11 سبتمبر 2001 او أجتياح العراق، لجهة توظيف وسائل الإعلام والتلفزة في جميع أنحاء العالم، لكن أزمة فيروس كورونا ليست حدثًا يقع في مكان آخر من العالم، إنّه يحدث خارج النافذة وحسب، وبهذا المعنى فإنه يتداخل تمامًا مع عصر وسائل التواصل الاجتماعي في كل مكان، حيث يتم التقاط كل تجربة ومشاركتها.
إن شدة الأزمة الحالية تجعلها أقرب إلى الحرب من الركود الاقتصادي، وفي النهاية، سيتم الحكم على صانعي السياسات الحكومية بالقياس إلى عدد الآلاف من الضحايا، وقبل الوصول إلى تلك الحصيلة، ستكون هناك تغييرات عميقة تحت سطح الحضارة الحديثة. كما أنّ مفاهيم الحياة والموت تتسبب في تحولات جذرية في السياسة أكثر من المؤشرات الاقتصادية على الإطلاق. وبدلاً من النظر إلى ذلك على أنه أزمة رأسمالية عابرة، قد يُفهم بشكل أفضل على أنه نوع من الأحداث العالمية التي تسمح ببدايات اقتصادية وفكرية جديدة، وتحديدًا فكرية، فقد دمّر زلزال مهول تبعه تسونامي جارف معظم مدينة لشبونة في العام 1755، مما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 75000 شخصن ناهيك عن تدمير اقتصادها بالكامل. وعلى الرغم من إعادة بناء المدينة بعد سنوات طويلة لاحقًا وتنشيط اقتصادها في نهاية المطاف، إلّا أنّ الزلزال كان له أيضًا تأثير فلسفي عميق، خاصة على فولتير وإيمانويل كانط اللذين وضعا نظريات ـ زلزالية ـ مبكرة حول ما حدث، كانت بمثابة إنذارًا بالثورة الفرنسية. لقد كان لهذا الحدث آثارً عميقة على البشرية جمعاء، بعد أن هز التدمير على هذا النطاق الواسع الافتراضات اللاهوتية، مما زاد من سلطة وتأثير التفكير العلمي، وتوصل كانط في عمله الأخير إلى خلاصة مفادها "إذا كان لدى الله أي خطة للأنواع البشرية، فلا بد أن تتجسد بالاستقلال الذاتي الفردي والجماعي، ضمن مجتمع مدني عالمي قائم على ممارسة العقل العلماني.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل