/
/
/
/

في هذا المسلسل عناكب عملاقة توزع سمومها على المواطنين العراقيين. اغلب مخلوقات (النزل ) قذرة، سامة او مسمومة من الحياة ، منتصبة ضد كل حق و عدل بما فيهم قائد مركز الشرطة ، متجسداً بدور العقيد سنان العزاوي . نساء ضائعات يستخف بهن الغضب العائلي فيقعن في ورطة، لا تتوقف عند حد معين. ربما مطبخ النزل و مكتبه الإداري نجد فيهما رجلاً مميزاً و امرأة مميزة .. عندهما حكايات ما اغربها، يستعيدون فيها او يتممون طيبة اخلاقهما بوقائع متعددة مع الساكنين، ليجعلا كل واحد من الضائعين في النزل او من الضائعات يراجع نفسه او تراجع نفسها بقولٍ من اقوال الندم او الأسف كأنما هذا ( النزل ) هو قصر من قصور المرايا ، يشاهد فيه كل انسان نفسه على حقيقته وكل واحد منهم يعطي لنفسه تفسيرا ميتافيزيقيا للأحداث، في مقدمتهم الكاتب و المخرج ، اللذين فرضا على المشاهد نزعتهما الميتافيزيقية واشاراتها ، التي لا تشف عن ملامح التطور الفكري في القرن الحادي و العشرين ، حيث ازدياد المآسي ، الفردية والجماعية، في حوادث الإرهاب في الصعيد العراقي و العربي و العالمي المنتشر بجنونية متعاظمة أساسها الحصول على مال اصفر يجري تبييضه بوسائل عديدة . لكن تلك الحوادث ما جاء شيء منها في ذاكرة حامد المالكي ولا في ذاكرة زميله حسن حسني.
الحال مع مسلسل الفندق لا يتحسس طريقه الى القوة الإرهابية التي عاثت في العراق جرائم يندى لها جبين الإنسانية لان قيم المؤلف والمخرج كانت خصوصية وافكارهما اكثر خصوصية لا علاقة لها بالواقعية العراقية. كأن هناك مفتاحا بيديهما فقط لحل الغاز المسلسل الضائعة بين الهوية الذاتية للمؤلف والتقصير الاجتماعي للمخرج.. إذ نشاهد 21 حلقة، متعبة، ضائعة بين الواقع والوهم، بين الوعي والضحالة ، خاصة حين يرضخ (صحفي مثقف) الى موجة من الرؤى الشبحية شبيهاً بأي مواطن عراقي متخلف الرؤى والثقافة، يؤمن بسكنى الأرواح في البيوت، في عصر القرن الحادي والعشرين، عصر التكنولوجيا الثورية في مشاهد يمسك فيها كل واحد من الساكنين بــ(موبايل) هو العلامة الارقى في التكنولوجيا المعاصرة، مما دفع المؤلف والمخرج، ان يجعلا (الصحفي العراقي) دمية صغيرة امام الشبح الليلي وقد ضيعا، بذلك، الحقيقة والواجب، في مسلسلهما (الفندق) حين يتمزق وجدان المثقف الصحفي عن حقيقته وعن واجبه.
يبدو ان كاتب السيناريو حامد المالكي والمخرج حسن حسني ارادا ان يكونا (مؤرخين..!) أو (مؤرشفين للتاريخ) لأحداث عراقية واقعية، في عصر الفوضى الديمقراطية، بعد التغيير عام 2003 لكنهما، مع الأسف، لم يملكا وعياً سياسياً ولا وعيا ثقافيا يجعل عملية تنفسهما حول مصائب وازمات الشعب العراقي ليست عملية مريرة، يكفيهما لمعرفة أسباب غموض الحساسية الاجتماعية الجديدة وجذورها الاصلية. قالا، بصوت مرتفع، طيلة زمان 20 حلقة تلفزيونية انهما ظلا واقفين على رصيف الاحداث، يخافان الغوص في جوف الحوض، ظلا متفرجين على اسماكه ذات الوجوه المخيفة، يتصوران انه من خلال عتمة المشاهد تغرق منظورات المشاهدين بمأساة متفاقمة. السؤال، هنا، موجه اليهما : هل أردتما تأكيد ان المثقف العراقي والصحفي العراقي شخصيتان متميزتان بالضعف والتوجع والرغبة في إبقاء الصدمة والازمة في بلادنا..؟
لا ادري لماذا ظلا ينظران الى السياسة بميوعة وينظران الى علم الاجتماع بنقصان وعي... لم يستشيرا عالما (مثقفا) في السياسة ولا عالما (مثقفا) في علم الاجتماع، لم يرغبا ان يغطس مسلسلهما بمغامرة سياسية ولم يرغبا في البحث عن الكينونة الاجتماعية حول المسوخ العائشة في هذا (النزل)، حتى المثقف الصحفي كريم نعمان انتصب ضد مهنته وضد وعي ذاته، لأنه لم يمارس الصحافة في فترة من اهم فترات ازدهار حرية التعبير في العراق وهي الحرية الغاضبة بعد عام 2003.. جعل أمور حياته متوقفة عند حدود جدران (النزل) مستسلما لوحش اسمه (المسكونية ) أي ان روح امرأة اغتصبوا حقها بهذا الخان (النزل) ما زالت تسكن فيه ، رغم موتها منذ سنين طويلة، وهي حالة اجتماعية من اكثر حالات المجتمع العراقي جهلاً. لا احد يعرف لماذا تطارد هذه (الروح ) وظيفة مدير إدارة الخان. ظلت وقائع خيالية تهاجم الصحفي تحت القفل والمفتاح بلا معنى.
صحيح جدا تحول الاحداث العابرة إلى قصص وقصاص بهذا المسلسل، أولها هروب الفتاة (دنيا) نموذجاً، حين تحولت قضيتها الى (كارثة اجتماعية) تخص عائلة متورطة لم تجد حلا مستقلا بسبب الالتباس في الزمان وفي المجتمع، حيث تتمدد لقطات حياة والدين، هربت منهما ابنتهما المراهقة، لتجعل زمانهما ومكانهما متداخلاً في فجائع متعددة متداخلة الزمن . كما كان هناك تأثير خطير على حياة شقيقتها النفسية والاجتماعية وهي تضطر للمجيء من كندا، تاركة مقاعد دراستها لتخوض تجربة مع الموت في بغداد، بحثاً عن الأخت الهاربة من كنف والديها.
حاول المخرج وربما السيناريست من قبل، ان يجعل من بعض مشاهد المسلسل منظار مرح واضحاك، لكن يظل المرض الاثير لكليهما هو اختراع المشاهد الكئيبة لبعض الممثلين. نجحا في ذلك من خلال ارهاق عزيز خيون بالسعادة والبهجة والتألق بلونٍ مشرقٍ، بينما جعل الجهاز العصبي للصحفي محمود أبو العباس متوتراً بدرجات تجاوزت الحدود الطبيعية – العقلية، محولاً بدنه وعواطفه وافكاره الى استخدام العصابية والكآبة باعتبارهما نبوغاً صحفياً وعبقرية صحفية. اغلب الممثلين كانت وجوههم متميزة بالتواءات لا تمحوها البسمات. ربما أراد السيناريست ان يجعل من شخصية ابن هتلر صورة مثيرة للاندهاش المزيف وسط هذا المسلسل، غير ان الشخصية بكاملها لم تكن طبيعية، خاصة وان شخصية هتلر منبوذة في المانيا وفي العالم اجمع. لم يكن اختراع منزلة هذا الكائن تحقق أي حيوية او طموح لأنها شخصية مفتعلة. مثلما كانت مفتعلة سيطرة روح الوضوح والمرح من خلال التعبير عن ذلك بمظاهر شرب المزيد من العرق، التي تلبس الشاربين شخصية الوجود والنبوغ.
أراد السيناريست ان يجعل من شخصية (ايناس طالب) صحفية نشيطة، ،خلال مشهد جوالها، مرة واحدة، في ساحة التحرير ببغداد وسرقة كاميرتها الصحفية المتجسدة بالموبايل لتصوير بعض المتسولين، لكنه لم يمنحها أي قوة حقيقة غير تقديم صور مثالية لا تنفذ الى أعماق المشاهدين العاديين لان المشاهد المفتعلة لا تمثل اليقظة الروحية (الصحفية) أو (الثقافية). منحها ولع الحديث بمفردات ثقافية راقية، بينما لا تملك قدرات عملية مثالية. جعلها موضع الشفقة من قبل المشاهدين. اما قوة ومجد الصحافة فلا موقف بارز لهما. كانت قادرة على تبادل النظرات والاقوال المرحة مع (كريم نعمان) مدير الخان، الذي تنظر اليه اعلى من نظراتها الى روحها، او ربما أرادها المخرج ان تكون مدام بوفاري في هذا المسلسل، لكن السيدة ايناس طالب لم تكن قد تلقت تدريبا تمثيلياً مناسبا، من مخرج المسلسل، كي تستطيع ان تستعيد قدراتها التمثيلية السابقة. مع الأسف ان ايناس طالب لم تلتمع بدور مناسب لها، ربما لم يسعفها الحظ في التورد بهذا المسلسل .
في هذا الخان يعيش مجموعة من الشباب والشابات في مكان واحد، في الزمان نفسه، في بيئة مغايرة لطبيعة المجتمع العراقي. احدهم اسمه (واثق) يقوم بدوره الممثل ذو الفقار خضر يعيش مديرا لهذه البيئة المشحونة بالمنافسة والجشع اعتماداً على امتلاكه مسدسا اوتوماتيكياً وحيداً. يقابله رجل مسالم اسمه كريم نعمان يقوم بتمثيل دوره الفنان محمود أبو العباس. جعله السيناريست طيبا ًجداً ومتعباً جداً، بنفس الوقت. مثلما جعل الشاب واثق مدير انتاج مسرحية الشر في هذا المسلسل أراد ان يكون كريم نعمان مديرا لمسرحية الخير في هذا المسلسل، لكن جعل المديرين يقطبان حاجبهما، مندهشين من كل شيء يجري في الخان، مما يجعل كل واحد منهما قادراً على الانحلال امام ما يرى من أفعال وكلمات.
اغلب رجال الخان يعملون في الجريمة واغلب النساء قريبات من أداء الدعارة.. جميعهم بعيدون عن طاقم البوليس ومواجهاته، التي لا تتم الا في الحدود الدنيا من الذكاء والموهبة البوليسيتين. من فوق نياشين ضباط المركز تندفع الرشوة لتغطية كل خيال وجدال. ربما اختلق السيناريست، هنا، مركز شرطة ليس واقعياً، إذ لا يوجد مركز شرطة بغدادي فيه عقيد ومقدم في آن واحد، كما لا يوجد أي عقيد يقوم بنفسه بفتح اقفال الموقف ليطلق سراح الموقوفين والموقوفات على هواه من دون الاعتماد على شرطي بمنصب عريف او رئيس عرفاء، بالرغم من ان اوراقهم واوراقهن التحقيقية معروضة امام قاضي التحقيق. هذا خطأ ثانوي من ضمن الأخطاء الثانوية الكثيرة. يبدو ان السيناريست والمخرج يقتبسان بكل مشهد من مشاهد المسلسل نزعة خارقة للوعي والنظر.
قضيت وقتا طويلا خلال 20 حلقة من المسلسل لمراقبة تطور عصابة المخدرات الساكنة في هذا النزل ومنها يتم توزيع كبسولاتها من دون ان يظهر قصة واحدة توضح كيفية التوزيع ولا أسلوبه ولم نشاهد المستهلكين تصويريا او واقعيا. ما أحزنني، حقاً، ان هذا النوع من تجارة المخدرات لم يجد ما يستحقه من عناية ابداع المؤلف. تجارة المخدرات بكل مكان من امكنة العالم هي تجارة فاتنة ومربحة، ذات علاقة مباشرة بأحزاب سياسية ودول وسياسات مرددة ونابضة بالتهديم الاقتصادي وبالتخريب الأيديولوجي ولها بيوت كثيرة في الافاق والأرواح.
لم يدرك كاتب المسلسل هذه الحقائق ولم يكن حساسا تجاه قضية من قضايا العراق المعاصر حافلة بمعاني الشر .
عصابة من خمسة اشخاص يقتل اثنان منها ويظل ثلاثة. احد الثلاثة يسيطر على الخان او يسيطر رئيسها على الخان دافعا احداثها الى امام لأنه يملك مسدساً واحداً كأنه الوحيد، الذي يسير بالخان على وفق هواه، يعدو على حصان القوة، بينما العنصران الاخران بالعصابة ضعيفان لا يملكان مسدسا يمنحهما الإحساس بالقوة.
قوة مسدس واحد تستطيع أن تسيطر على كل المسافات في الخان بطابقيه المتموجين بالفساد والجريمة. لم يسجل المسلسل بكاتبه ومخرجه أي قدرة على تسلسل الاحداث بمسدس مضاد ينقذ الآخرين من غيبوبة العيش والحركة في الخان، حيث تُحطم قوة المسدس الفردية كل نوع من احاسيس الفرح الجماعي او القوة الجماعية.
الحوار كان يحمل كلمات ممزقة على نحوت من كلمات قاموسية صنعها الكاتب لتخليص المسلسل من سيرورته المتحجرة. يأتي هذا الكلام محمولا على أفكار مجموعة (نعيم + ابن هتلر + كريم ) حين يجتمعون لشراب العرق. او تأتي الأفكار في بعض صفحات من مشروع رواية يكتبها صحفي لا يعمل في الصحافة او في بوستات الصحفية اريج، التي لا تعمل هي الأخرى في الصحافة، انما يكشف لنا كاتب المسلسل انها من هواة كتابة الوميض النادر على الفيسبوك، بهذا يصبح عدد المجموعات في المسلسل خمساً :
المجموعة الأولى كانت تحمل أفكارا عادلة تضم ( كريم + نعيم+ ابن هتلر) وهي مجموعة عزيمتها الأولى والأخيرة هي شرب العرق والضحك العالي. ينطلق في جلساتها حوار لا تعرف جديته من سخريته.
المجموعة الثانية تتكون من: ( الطباخة ماري + الصحفية اريج + الصحفي كريم). تحاول هذه المجموعة ان تجد طريقها الى الفرح عن طريق انضمام احد عناصر العصابة الواقع في غرام احدى بنات الخان الى هذه المجموعة، حيث تولدت لدى المجموعة هواية التجوال في بعض الأحيان في منتزه الزوراء.
المجموعة الثالثة تضم عصابة تجارة المخدرات متكونة من ثلاثة اشخاص رئيسهم يملك مسدساً. بينما المجموعة الرابعة تضم مجموعة من نساء وأطفال يعيشون في قلق وعدم استقرار على حافة وقائع الجريمة والدعارة وفكرة جديدة داعية الى التجارة بالبشر. كل نظرة الى هذه المجموعة يكتشف المشاهد غرابة وشذوذا.
في المجموعة المختلطة الخامسة، يتناقش المتناقشون محمود أبو العباس وسنان واريج ودنيا وماري بمستوى جعلهم المؤلف كأنهم من خريجي جامعة هارفرد أو أراد المؤلف ان يظهر امام المشاهدين بمظهر العالم التجريبي في قسم تطور التاريخ العالمي المعاصر. في الحقيقة كان الجدل منخفضا الى حد كبير حيث قيلت معلومات تبادلوها تبادلا خاطئا كان المفترض على المؤلف والمخرج ان يتكيفا تكيفاً معلوماتياً متواضعاً.
خلاصة القول ان مُشاهد مسلسل الفندق كان مشوشا، لا يميز بين الواقع والخيال، لان المؤلف والمخرج قد انتقصا احاسيسه، بسرعة لم تكن متوقعة منهما، فظل مرهقا امام شهوة النجاح المادي والشهرة الفنية من دون تحقيق أحلام المشاركة والمساهمة في إيجاد الحلول الفكرية لفك ازمة من أزمات العراق المعاصر. كما سيظل المؤلف في اتعس فترات حالات ابداعه مُتهماً باستعارة فكرة المسلسل عن رواية السيدة لمياء رشيد المقيمة في هولندا. مطلوب موقف أخلاقي لتوضيح الامر الفاصل للتمييز بين الخير والشر اللذين لا ينبغي الوقوف امامه بعدم الاكتراث واللامبالاة.
أملى ان يتلقى السيناريست حامد المالكي نقد الناس وملاحظاتهم حول (الفندق) ليكون كاتبا فريدا، كما يتوقع جميع من يراه قادرا على اقتحام الدراما التلفزيونية بما هو حقاً جزء من إمكانيات علمية حقيقية في التعبير الفني.
انا واثق من قوته الدرامية الخالقة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل