د. علي إبراهيم
بوفاة الفيلسوف (نصر حامد أبو زيد ) خسر الفكر التنويري قامة طويلة من قامته ، فقد كان يشكل حالة متفردة ، إن لم نقل اتجاها مميزا ، اعتمد دراسة النص وتأويله ، بعيدا عن الآراء التي تلصق بالنص من خارجه ...هذا المنحى أثار الكثير من الاعتراضات ، وبدلا من النقاش العلمي ، ومجابهة الحجة بالحجة ، لجأ بعض المؤثرين في المؤسسة الدينية المصرية ، إلى التكفير والمحاربة بالرزق وإصدار حكم من محكمة الأحوال الشخصية بالتفريق القسري بينه وبين زوجته وهي الدكتورة (ابتهال يونس ) أستاذ الأدب الفرنسي، على الرغم من أنها أعلنت بأنها على دين زوجها ، وأن د. نصر حامد أبو زيد أعلن مرارا بأنه مؤمن بالله ،وأنه حفظ القرآن قراءة وتجويدا وكان في بداياته مؤذنا ومنتميا إلى الأخوان المسلمين ، ولكن هذا لا يمنعه من حرية الاجتهاد، وقراءة القرآن قراءة عصرية ، وكان يفصل بين الفكر الديني والتدين، كما كان يفصل بين الدين والدولة، ويرى أن دين البداوة اكتسح دين الحضارة ،وهو ينتمي إلى خط ابن رشد والمعتزلة ، وطه حسين وكل العقلانيين ، وقرأ التاريخ والتراث بمنهج عقلاني يدعو إلى التحرر من سلطة النصوص ، ووقف ضد تجريف العقل وهو السائد في المناهج الدراسية من الابتدائية إلى الجامعة ...
أول لقاء جمعني بالمفكر الدكتور (نصر حامد أبو زيد ) كان في بيت الناقد ياسين النصير ، على ما أتذكر عام 1997وكانت المناسبة ندوة حول الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري أسهمت فيها بمداخلة ، كما أسهم فقيدنا الغالي ونخبة أخرى من المثقفين العراقيين والعرب ومن شتى الاتجاهات . وطبعا في مقدمتنا مضيفنا الناقد ياسين النصير. بعد ذلك توالت اللقاءات في مناسبات عدة وأذكر أني فاتحته يوما بالعمل في جامعة روتردام الإسلامية التي كنت أعمل بها ، ووافق فورا ، على الرغم من معرفته بقلة ما سوف يمنح له في هذه الجامعة من مبالغ . لكن ما تعجبت منه أن رئيس الجامعة رفض قائلا أن نصر حامد أبو زيد يسبب لنا إشكالية لأن لديه مواقف لا تنسجم مع الأزهر. وعرفت فيما بعد أن رئيس الجامعة كان يحاول أن يمد جسورا مع الجامعات المصرية بما فيها الأزهر ، وفعلا استقدم بعض المحاضرين وبرواتب سخية مع أجور السفر والإقامة . وهذا الموقف يحسب للدكتور الفقيد. الذي أبدا استعداده لتقديم خدماته المجانية لصالح أبناء الجالية العربية والإسلامية من المقيمين في هولندا ...
ومن اللقاءات التي لا تنسى مع الفقيد كان في مدينة لايدن الهولندية بناء على دعوة كريمة وصلتني منه لحضور مراسيم منحه كرسي الأستاذية في جامعة ليدن ، وفعلا حضرت هذا الاحتفال المهيب ، حيث حضره جمهرة من الأساتذة العرب والهولنديين وهم يرتدون اللباس الرسمي للأساتذة أثناء مناقشات الطلبة في الدراسات العليا ، وعلى رؤوسهم قبعات ، وبعد انتظار تخللته كلمات قيلت بحقه ، دعي إلى المنصة العالية وكان يرتدي زي الأساتذة أيضا ، وحين دخل عزفت موسيقى مؤثرة، منسجمة مع المناسبة ، ثم قدم محاضرة قيمة باللغة الإنكليزية حول منهجه في دراسة التراث الإسلامي . بعد ذلك منح لقب الأستاذية ،وبهذه المناسبة أقامت له الجامعة حفلا جميلا ورائعا وفيه عرفني بزوجته الدكتورة ( ابتهال يونس) وحزنت كثيرا عندما قارنت بين موقف الحكم عليه بالتفريق بينه وزوجته في وطنه، وبين منحه هذا اللقب الرفيع في بلد أجنبي احتضنه خير احتضان وأفاد من علمه كثيرا ...
وشاهدت المناظرة التاريخية بين رجل دين من الأزهر وبينه من على قناة الجزيرة (برنامج الاتجاه والاتجاه المعاكس) وهو يطرح بعلمية وهدوء آراءه في قضية تفسير وتأويل القران ووجدته صريحا وجريئا وواثقا من نهجه ، ومقنعا ، بينما ظل محاوره يصرخ ويتهم ويكفر دون أن يضع حجة واحدة مقنعة... مما زاد إعجابي وتقديري لهذا العالم الجيل، الممتلئ علما وثقافة ومعرفة ، مما دفعني لقراءة بعض كتبه التي استطعت الحصول عليها ومنها( نقد الخطاب الديني ) و(فلسفة التأويل) وتابعت نشاطه وأغلب لقاءاته التلفزيونية ، وفي كل مرة تزداد ثقتي به وقناعتي بمذهبه وأفكاره ، ومنذ ذلك الوقت وأنا أراه مشعلا من تلك المشاعر التي تنير ليلنا الكالح ودربنا المتعرج ، فهو حقا أحد رموز التصدي للفكر الجامد الرجعي الذي يريد أن يحكمنا بمنطق وآليات زمن غابر سحيق ...
ستظل يا دكتور نصر حامد أبو زيد بيننا أبدا بما تركته لنا من أرث خالد ...
















