/
/

ليس جديداً ولا بالبعيد عن واقع الحال الذي يتناقض مع كل التصريحات الإعلامية والخطب التي وجهها المسؤولون بالأمس القريب بدءاً من رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وصولاً الى أصغر مسؤول عراقي بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي وأعياد آذار التي لا يمكن خلالها إن نغفل حق المرأة بالمساواة في الحقوق الإنسانية.

كان الخبر صاعقاً على مسامعي حتى تلاشى أمام عيني أي بريق للأمل بالتقدم الذي ننشده على مستوى حقوق المرأة في كافة مراحل عمرها، وضرورة حمايتها وضمانها في العراق، رغم إننا اعتدنا على إطلاق الكثير من المبادرات السيئة والمهينة والتي تنتهك حقوق المرأة وتسمم الأجواء التي تحتفي بيوم المرأة وعيدها الأممي الذي يوحد الأصوات المدافعة عن حقوقها كانسان لا يختلف في آدميته عن الرجل كما ورد في الدستور العراقي ((ولَقَدْ كَرّمنا بني آدَمَ)) أي كلا الجنسين (نساء ورجالاً) كما أضاف في سطور ديباجته (على احترام قواعد القانون وتحقيق العدل والمساواة، ونبذ سياسة العدوان، والاهتمام بالمرأةِ وحقوقها، والشيخ وهمومه، والطفل وشؤونه، وإشاعة ثقافة التنوع، ونزع فتيل الإرهاب).

الحادثة وقعت في محافظة النجف (الاشرف) يوم الخميس 15 آذار 2018 في احتفال أقامته مدرسة البصائر الابتدائية للبنات في قضاء المناذرة وبحضور كل من رئيس مجلس محافظة النجف (خضير نعمة الجبوري) وقائممقام القضاء ومدير الناحية ومدير تربية المناذرة ومدير شرطة المناذرة وثلاثة من المشرفين التربويين بالإضافة إلى ملاك المدرسة (الكادر التدريسي) وخصص الاحتفال لإجبار التلميذات في (الصف الثالث الابتدائي) على ارتداء الحجاب وبحجة بلوغهن (سن التكليف الشرعي) وقد تم تنفيذ ذلك داخل المدرسة المذكورة، وخرجت التلميذات من المدرسة بعد انتهاء الدوام الرسمي وهن مرتديات الحجاب، هذا يؤكد إن مستقبل المرأة والطفلة العراقية مازال محفوفاً بالكثير من المخاطر والتهديدات التي تمس حقوقها الدستورية العراقية أولا قبل الحقوق الإنسانية العالمية ، وهنا لابد من الإشارة إلى إن هذه الممارسات تتناقض تماماً مع النص الدستوري الذي أكد على المساواة وعدم التمييز والحق في الحياة والأمن والحرية والخصوصية الشخصية وعدم تقييدها كما في المواد (14 و 15 و 17) من الباب الثاني في الحقوق والحريات، كما أكد الدستور في المادة (29) ثانيا/ الفقرة رابعاً ـ تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع، وفي المادة (33): أولا لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة، الفصل الثاني (الحريات/ المادة (37): أولاً: (أ) ـ حرية الإنسان وكرامته مصونة، وثانياً : تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني، هذا فضلا عن تضمينه فقرات تحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، وما حصل هو عدم احترام لأي من هذه الحقوق وشكل من اشكال العنف.

كيف سيفسر المسؤولون هذا التصرف؟؟ في وقت يتطلب فيه الاهتمام بالمؤسسة التربوية لتكون حاضنة سليمة تكافح الأمية والجهل وتوفر التوعية والتعليم الصحيح لخلق جيل يكون قادرا على التفوق والإبداع والابتكار لضمان تقدم المجتمع وتطور البلد.

علينا إن نتحدث بواقعية أكثر إن المرافق المدرسية اليوم باتت توظف للمصالح الشخصية وتخضع للرهان السياسي الطائفي المقيت والمحاصصة الحزبية التي نخرت المنظومة التعليمية ودمرت كل مقومات التعليم الصحيح فيها، وخلفت في نفوس الأطفال التمييز وكرست الكراهية والحقد بدلا من المحبة والسلام والإخاء والشعور بالمواطنة، وهي تُستغل أبشع استغلال لنشر ثقافات بعيدة عن القيم الحقيقية للأديان السماوية، وما حدث في مدرسة (البصائر) ليس الفعل الوحيد بل إن مدرسة الأكرمين الابتدائية في محافظة النجف أيضا تقيم مديرتها مجالس للعزاء (قراية) في داخل المدرسة في المناسبات الدينية الخاصة، فإلى متى سيستمر التعليم بهذه الصورة دون متابعة ورقابة ومعالجات حقيقية، وكيف سيبرر المشرفون التربويون موقفهم؟؟!

هذه الافعال وغيرها تثير الاستهجان والكثير من المخاوف بسبب إصرار المسؤول العراقي على استغلال منصبه في التجاوز وانتهاك حرمة المؤسسات التعليمية (المدارس والاعداديات والجامعات) بدلا من رعايتها والاهتمام بها.

هل تكليف التلميذات أهم من كل التحديات التي سببت تراجع التعليم مثل التعليم الأهلي والدروس الخصوصية، وانحسار التعليم المهني (الصناعي والتجاري والزراعي)؟ وهل هو أهم من توفير البنايات الكافية لاستيعاب أعداد الطلبة، واهم من توفير المرافق الصحية والاهتمام بالحمامات والماء الصالح للشرب؟ وهل هو أهم من توفير الكوادر الاختصاص بدلا من كوادر أفرزتها وجاءت بها المحاصصة الحزبية والمحسوبية والمنسوبية؟ يبدو ان التكليف اليوم أولوية تسبق الاهتمام بالدوام الثلاثي ودمج المدارس ، ونحن أحوج للتكليف قبل الاهتمام بالجانب الصحي والاجتماعي في المدارس، وهو علاج لكل مشاكل التعليم من تسرب ورسوب وتراجع في نسب التفوق!

أنها مشكلة تحتاج إلى عقول نيرة تعمل على انتشال طفلاتنا من أفكار ظلامية لاتختلف في مضمونها عن الأفكار الداعشية في الإجبار على ممارسات قد لا يستطيع الطفل الصغير رفضها الآن بسبب قلة وعيه وعدم أمكانية مجادلته الكبار، وسرعان ما نراه يرفضها بعد وصوله الى مرحلة من النضج الفكري والثقافي الذي لايتعارض مع احترام خصوصية المجتمع وعاداته السليمة، هي مشكلة يتسبب فيها أفراد يفترض أنهم مسؤولون ورعاة صالحون وهم أول من يحترم الدستور ويجسد نصوصه بأفعال وعمل جاد لأجل البناء الحقيقي للفرد والمجتمع.

ويبقى السؤال كم مدرسة تستعد إلى التهيئة والتحضير لتكليف الفتيات قبل تثقيفهم وتوعيتهم بشكل صحيح وكم صوت سوف ينعق ليكرس الأفكار المضللة؟ وكم صوت سينتفض رافضا مثل هذه الممارسات الضارة؟ وكم إنسان تربوي مهني سيعمل على إصلاح التعليم ويبدأ بمدرسته؟ وماهي الإجراءات التي ستتبعها وزارة التربية لمواجهة مثل هذه الأفعال التي يفترض أن تمارس بعيدا عن المرافق الدراسية وهل ستكون الإجراءات المتخذة حقيقية وملموسة أم تصريحات نافية تكذب الأحداث وتبقى الحال على ماهو عليه وعلى المتضرر الاستسلام للأمر الواقع ؟!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل