/
/

صدر للكاتب جاسم المطير مؤلفه التاريخي القيم (نقرة السلمان) عن دار المكتبة الأهلية بالبصرة وبواقع(557) صفحة من القطع الوسط معززة بــ( 54) صورة من (الأبيض والأسود) ملتقطة جميعها في سجن نقرة السلمان مما عزز توثيق المؤلف لوقائع كتابه.

استعان المطير في مؤلفه هذا بتجربته القصصية في سرد مجرياته مما أضفى عليها عناصر من شأنها الإسهام في جذب المتلقي، لاسيما في العديد من الاسترسالات ألتي اعتمدها على مستوى تجربته الشخصية كسجين.

جاء في بداية الإهداء المثبت في مقدمة الكتاب استعارة المطير لواحدة من أشهر مؤلفات ديستويفسكي ( ذكريات بيت الموتى) الرواية التي كتبها داخل سجنه، اذ يقف المطير على النقيض منها(عفوا ديستويفسكي – سجن السلمان بيت الأحياء) ليبدأ سرد فصول رحلته في (نقرة السلمان) التي ابتدأت في كانون الثاني 1964 حتى مغادرته في ربيع 1967  اذ تم ترحيله الى سجن الحلة.

ألا أن دهشة المطير الأولى تبدأ بــ( سبحان الله الذي جمع الثائر والمغني البدوي الجريء سعدي الحديثي مع الشاعر الحضري الجريء مظفر النواب مع الشاعر الغزلي الشعبي زهير الدجيلي مع الشاعر والمحامي هاشم صاحب المتحول الى شعر الهجاء مع الشاعر الفريد سمعان الذي ينظم شعراً يعبر عن علاقة الفرد بالمجموع وعشرات الشعراء الآخرين، كما يوجد شعراء ينظمون القصيدة الحسينية)ص36.

هذا كله أدرجه المؤلف بـ(تحدي القسوة بالثقافة) في اشارة الى موقع السجن الصحراوي وما يعنيه من تفاصيل الطبيعة وقساوة المناخ والنفي بمعناه الجغرافي كله والذي لا يمكن مقاومته الا بجمال الثقافة والفنون.

حكم ذاتي

الكاتب يرى في( نقرة السلمان) " أول نموذج للحكم الذاتي الديمقراطي في العراق" ص21.

"شيد السجناء أنفسهم بداخله وبموجب تخطيط هندسي مدروس قام به بعض السجناء المهندسين ومن ذوي الخبرة مباني جديدة أولها المطبخ الكبير – مربع الشكل- كما شيدوا مستوصفاً داخلياً صغيراً وقاعة صغيرة للاجتماعات الحزبية ومقراً لغرف تحرير واستنساخ الجريدة اليومية التي يصدرها السجناء، كما شيدوا الحمامات والتواليتات ونظموا ساحة لكرة القدم وساحة أخرى لكرة السلة وعدة ساحات لكرة الطائرة .. كما شيدوا عدداً من الصفوف الدراسية" ص27

أما عن القوميات والمذاهب والأديان فجميعها هنا في هذه الجمهورية، حيث توافدوا لها من أقصى قرية في  كردستان الى آخر قرية في جنوب العراق، وتجد المسلم بمذهبيه السني والشيعي الى جانب المسيحي والصابئي المندائي والأيزيدي مثلما تجد العربي والكردي والتركماني، ولذا فهي( أول جمهورية شيوعية حرة في عمق الصحراء تحاول أن تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد وبسعادة مشتركة محدودة وتتكون أول علاقات ديمقراطية حقيقية داخل مجتمع صغير اسمه السجن، فقد ولدت هنا فكرة(الحكم الذاتي) ويديره  مجلس مؤلف من كل(سجين) ص29.

معقل المواهب والكفاءات

لم يصل هنا أي الى(نقرة السلمان) سوى الآلاف من الشيوعيين الذين اختبرتهم تنظيماتهم الحزبية وتعلموا من خلالها كل طرق التنظيم، لذا تجدهم أنفسهم المبادرين لتنظيم هيئاتهم  وأبرزها" هيئة ادارية منتخبة توزع اختصاصات العمل وواجباتها اليومية" والتي تبدأ من المطبخ ولاتنتهي بالطبابة، حيث توجد هيئة متكونة من أطباء شيوعيين سجناء من ذوي الاختصاص كــ( الدكتور الجراح رافد أديب بابان، الدكتور فائق السامرائي، الدكتور عبد السلام محمد وطبيب الأسنان فاضل الطائي والدكتور قتيبة الشيخ نوري  وطبيب التخدير الدكتور سعيد غدير والدكتور الجراح أحمد حسين البامرني والدكتور الصيدلي نعمان ثابت والطبيب الأخصائي عبد الصمد نعمان"، فضلاً عن ذلك تجد هيئة تعنى بشؤون الدراسة ومكافحة الأمية ودراسة اللغات الأجنبية وتدريس الاقتصاد السياسي وهيئة تحرير الجريدة اليومية، لذا فان تداول مصطلح(الجامعة) كان صحيحاً الى حد ما حين أطلق على سجن(نقرة السلمان).

المطير لم ينقطع عن ممارسة عمله الصحفي الذي استهواه منذ مطلع شبابه، فوجد فرصته في سجنه هذه المرة من خلال عمله في الجريدة السجنية الى جانب الشاعر زهير الدجيلي، هذه التي تكتب وتنسخ بواسطة الكاربون  بعدة صفحات وتوزع على كل قواويش السجن لتتم تلاوتها على مسامع السجناء، وكانت تستقي أخبارها المحلية والعربية والدولية من خلال قسم الانصات اذ يتم التقاط الأخبار من – الراديو- وقد توزعت مسؤوليات الجريدة السجنية بنظام صحفي متقن ومدروس.

وفي معرض ذكرياته عن رفيقه الشاعر والصحفي السجين زهير الدجيلي  يستذكر المطير بطولات والدة الدجيلي التي كانت تقول الشعر بعفوية  مستشهداً بأهزوجتها الشعبية في ذكرى أعدام مؤسس الحزب الرفيق(فهد)  أذ يورد ما أنشدته نصاً:

(يمهنه وعرسك جدامك- جف الدنيه اتحنه أبدمك- تتراصف نجمات ارفاكَك- وياهن يتراصف نجمك – ماننساها.. ماننساها.. هذي الهلهوله العشناهه.. شعب الشايل نعشك بيده)

المدرسة الثقافية

الشيوعيون أيان حلوا فالثقافة ديدنهم، سواء كانوا أحراراً أم قابعين في سجون الفاشية  التي ناصبتهم العداء، وبهذه الثقافة حاربوا كل أعداء القيم المثلى من خلال نتاجهم وحضورهم المضيء وهذا ما يورده المطير في ص214.

"لا أدري لماذا وقع نظري أولاً على شاب طموح سريع الحركة في داخل السجن وواسعها، "فاضل ثامر"  من أهل الكوت وضحاياها يقرأ كتباً بالانكليزية والعربية ويكتب كثيراً ويطالب بمزيد من الندوات الشعرية والأدبية ويصر على مراسلة المجلات الأدبية ومنها مجلة الآداب  اللبنانية، وقد ظهر اسمه فيها وهو في النقرة، ثم أبتدع شكلاً  جديداً  لاثارة حيوية الندوات وهو ادخال(النقد) ضمن الندوة الأدبية السجنية الواحدة التي كان يضم جمعها عدداً من الشعراء منهم مظفر النواب، الفريد سمعان، فائز الزبيدي،  فيصل السعد، خالد الخشان، محمد الجزائري، هاشم صاحب، دينار السامرائي، والشاعرالشعبي زهير الدجيلي وغيرهم، كما يضم مثقفين من مواهب أخرى منهم عبد الرزاق زبير ، عبد الصاحب الحميري، يحيى قاف، عزيز سباهي، بديع عمر نظمي، مصطفى عبود، جمعه اللامي، سعدي الحديثي، محمد الملا عبد الكريم، نصيف الحجاج، صالح الشائجي، سليم الفخري ومدحت حشمت "

كما تتأكد حقيقة جمهورية الحكم الذاتي التي أسسها الشيوعيون العراقيون وهم في منفى صحراوي فقد أسسوا اذاعة وأصدروا جريدة سجنية يومية،  مثلما أسسوا مكتبة وأقاموا مدارس لمحو الأمية ودراسة الاقتصاد السياسي والفكر والفلسفة واستحدثوا الطبابة وتعلموا فنون الطبخ وأقاموا اشتراكية الغذاء وأطلقوا العنان لمواهبهم الرياضية والغنائية والمسرحية.

مآثر بطولية

لم يدع المطير حالة متميزة من بطولات الشيوعيين في هذا المنفى الصحراوي دون أن يورد تفاصيلها كتلك التي تمثلت في هتاف الشهيد وعد الله النجار يوم ودع رفاقه ماضياً الى المقصلة بعد أن انتظر موعد اعدامه،  مثلما لا ينسى تلك التفاصيل المثيرة المحفوفة بالمخاطر في هرب الشهيد صلاح الدين أحمد الضابط الشجاع الذي ضل الطريق في الصحراء بسبب عطل أحدى كليتيه فصار فريسة الذئاب، مثلما يورد ما لعبته قصيدة(البراءة) لمظفر النواب في امتناع عدد غير قليل من السجناء عن التوقيع على صك البراءة، تلك المساومة اللاأخلاقية التي استخدمتها الفاشية في انتزاعها من مناضلي الحزب.

(نقرة السلمان) ليس كتاباً بل وثيقة تاريخية سجلت مآثر الشيوعيين العراقيين في واحدة من أحلك ظروف  تاريخ العراق السياسي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل