/
/

كنتُ ومازلتُ كلّما أطالعُ مجلة العربي الكويتية، أندهش بتحقيقاتها عن المدن والبلدان التي تحتفظ بتراثها وبناياتها القديمة وتماثيل قادتها سواء كانوا عتاة مجرمين أم مصلحين تقاة، لأنها تعتبر هؤلاء جزءاً لا يتجزأ من هويتها الثقافية والتاريخية، حيث قرأت ذات مرة تحقيقا عن تراث المغول وبناياتهم وتماثيل قادتهم رغم ما قرأناه عنهم من أعمال إجرامية كبيرة، والتي مازالت شاخصة في مدن أذربيجان وغيرها من البلدان الشرق آسيوية.
استذكرت قراءاتي لهذه التحقيقات وأنا أسمع وأقرأ عن تخريب الأبنية التراثية في بغداد وغيرها من مدن العراق وتهديمها لتحويلها إلى (مولات وكراجات) وأسواق تجارية أخرى.
بهو الإدارة المحلية الذي كان شاخصاً في البصرة ومعلماً من معالمها الثقافية والذي كانت تقام فيه المهرجانات والمؤتمرات وتعرض على خشبته المسرحيات العراقية والعربية منذ أوائل السبعينيات ولغاية هدمه وتحويله إلى (تايم سكوير) كان بالإمكان بناء هذا الـ (تايم سكوير) في أي مكان وساحة فارغة من البصرة، كذلك الدور التراثية ( الشناشيل ) في البصرة القديمة، حيث ضاعت هويتها المعمارية نتيجة أعمال التخريب والهدم بحجة البناء الحديث.
تعتصر قلوبنا ألماً لما نسمعه الآن من محاولات تهديم مدرسة الراهبات (ثانوية العقيدة) في بغداد والتي تعتبر معلما من معالم الحضارة البغدادية العريقة.
أما كان الأجدر بدلا عن كل أعمال الهدم والتخريب هذه أن نبني أسواق تجارية ومولات حديثة في الساحات والصحراء الممتدة من بغداد إلى البصرة ونؤسس مدنا حديثة فيها، حيث ستنتعش قصبات ومدن حضارية حديثة أخرى ونكون قد سجّلنا أسماءنا في سجل المشيدين والمعمرين لعوالم جديدة مفعمة بالحداثة مع احتفاظنا بأبنيتنا التراثية ومدننا القديمة التي تعتبر معالم سياحية يؤمها الناس من كل مكان لتضيف إلى اقتصادنا ريعا عن طريق السياحة.
علينا أن نعي تماما إن التراث المعماري هوية البلد وتاريخه، ومحاولات هدمه وتخريبه بحجة الحداثة هي طمس لهذا التراث وتدمير هويته بالكامل وبالتالي تخريب معالم سكنت ذاكرة أجيال وأجيال.
مَنْ يفكر بهذه المحاولات لا يمكن أن ينتمي بجذوره للوطن أبدا، ولا يمتلك ذرة من الوطنية الحقّة، لأن المواطنة الحقيقية هي الحفاظ على كل ما يتعلق بتاريخ الوطن من بناء وثقافة وفن ورياضة وكل شيء.
علينا أن نقف في وجه هذا المد التخريبي للذائقة والعقول والتاريخ وفق آليات ومحاولات لا تريد لهذا البلد وناسه الخير أبدا.
بلادنا مليئة بالأماكن والساحات والأراضي الشاسعة الفارغة، بالإمكان الاستفادة منها وتحويلها إلى مدن حديثة وفق هندسة معمارية عالمية تعكس نظرتنا المستقبلية للجمال والحياة، بعيدا عن التخريب والتهديم وطمس المعالم التراثية والتاريخية.
العراق ومدنه وناسه وتراثه أمانة في أعناقنا وتخريبه يعتبر جريمة لا تغتفر بحق الناس والتاريخ والأرض سيلعننا التاريخ ذات يوم إذا ارتكبناها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل