/
/
/

قسم التحقيقات" جريدة طريق الشعب"
تتغوّل ظاهرة البطالة في العراق نتيجة اتساع أنواعها وتداخلها على خلفية استمرار جهود التنمية، وتفاقم الديون الخارجية، والظروف السياسية والأمنية التي يتعرض اليها العراقيون منذ 2003، فضلا عن طغيان الفساد المالي، والإداري، واختلال منظومة القوانين الخاصة بالاستثمارات، وسوق العمل، وحركة الأموال. ويمتزج ذلك مع إرث الخراب الثقيل المتمثل في تعاقب الحروب، والحصار الاقتصادي في الثمانينيات والتسعينيات، كما زاد من خطورة الأمر أن هناك تيارا يتشكل من حيتان المحاصصة الطائفية، والقطط السمان يتمتع بصلف المناداة بأن البطالة في العراق أضحت مشكلة تخص ضحاياها الفاشلين في التكيف مع ظروف المنافسة والعولمة!

آثار سيئة

مُشكلة البطالة من أكثر المُشكلات التي تواجه الشباب وتؤثّر عليهم سلباً سواءً من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية؛ وإن كانت البطالة حقيقيّةً أم مُقنّعةً فهي بلا شك تُعتبر حائلاً كبيراً بين تقدّم البلدان بسرعة وازدياد قوتها، مقارنةً بنظيراتها، كما تنتج عنها مشاكل أخرى تُضيف عبئاً على البلاد.
يقول مهند السلمان، طالب دراسة دكتوراه: "البطالة هي عدم توافر فرص العمل للقادرين عليه، فما بالك بالخريج الذي قضى ما يقرب من عقدين من عمره في الدراسة من أجل نيل شهادة جامعية لائقة، وبحسب منظمة العمل الدولية تعني البطالة "لفظ يشمل كلّ الأشخاص العاطلين عن العمل رغم استعدادهم له وقيامهم بالبحث عنه مقابل أجر أو لحسابهم الخاص، وقد بلغوا من السنّ ما يؤهّلهم للكسب والإنتاج.
وتوجد للبطالة العديد من الأنواع، منها: البطالة الاحتكاكية: وهي البطالة الناتجة عن تنقّل الأفراد من عملٍ الى آخر نتيجة حدوث تغيّرات في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، بالإضافة إلى انتقال العمّال من موقع جغرافي لموقع آخر، أو ترك الأم مهمّة التدبير المنزلي والمشاركة في سوق العمل. وهذا ما حصل للكثير من الشباب بسبب التهجير القسري وما نتج من احتلال داعش عددا من المحافظات، وهناك البطالة الهيكلية وهي البطالة المنتشرة في قطاع مُعيّن دون غيره من القطاعات، ويعود السبب في ذلك إلى عدم تكافؤ توزيع القوى العاملة حسب مقدار الحاجة إليها، بالإضافة إلى قيام الآلات بوظائف الإنسان، ودخول الأطفال والمُراهقين والجنسيّات المختلفة إلى سوق العمل وبأجر زهيد ممّا أدّى إلى الاستغناء عن العديد من القوى العاملة العراقية، وأقرب مثال هو توافد العمالة من بعض الدول الآسيوية وتفضيلهم على الشباب العراقيين العاطلين. البطالة الدورية أو الموسمية: البطالة التي تظهر بسبب عدم قدرة سوق العمل على استيعاب أو شراء الإنتاج المُتاح، وركود قطاع العمال. وهناك البطالة المُقنّعة وهي إشغال عدد من العمال غير المنتجين الوظائف بشكل يفوق الحاجة الفعلية؛ بحيث لو تم سحب هؤلاء العمال من وظائفهم فإن مقدار الإنتاج لن يتأثّر".
وأضاف: "للبطالة العديد من الآثار السيّئة التي تُخلّفها في نفسية الفرد وتؤثر بشكل سلبي على المجتمع؛ فمن آثارها على سبيل المثال لا الحصر، ارتفاع مُعدّلات التضخم؛ فالعلاقة بين البطالة والتضخّم علاقة طردية؛ كلّما زادت البطالة قلّ الإنتاج وبالتالي ازداد ارتفاع الأسعار. وكذلك إهدار الموارد البشريّة وحرمان المجتمع من طاقات ومنتجات العاطلين عن العمل. وفقدان الأمن الاقتصادي؛ لعدم وجود مصدر دخل يجعل الفرد مطمئناً على مستقبله. وتدنّي الحد الأدنى للأجور بسبب قبول العاطلين عن العمل بالوظيفة مهما كان الأجر، وبذلك ينتج تفاوت بين مقدار الأجور وتكاليف المعيشة. وكذلك زيادة نسب الأمية وزوال القناعة بجدوى التعليم نظراً لعدم توافر وظائف. وتراجع مفهومي الانتماء والولاء للوطن؛ ففي منظور البعض من المتضررين إن الوطن الذي لا يقدم حياةً كريمةً لأبنائه لا يستحق الانتماء والتضحية لأجله. وإهدار سنوات عمر الإنسان دون إنتاج. وشعور الفرد بالحقد والحسد اتجاه من حظي بوظيفة، وبالتالي شيوع الكراهية في المجتمع. وكذلك تزايد مُعدّل الجريمة بشكل ملحوظ مثل السرقة والنهب والاحتيال والقتل. وانحلال القيم والمبادئ الأخلاقية بسبب الفراغ والحاجة للمال. وتزايد معدلات إدمان المواقع الإباحية والتحرش الجنسي لعجز الشباب عن الزواج. ومن تأثيراتها الاكتئاب والانعزال والوحدة ومحاولة التخلص من هذه الأمور عن طريق اللجوء إلى الكحول والمخدرات. وازدياد الرغبة في اللجوء الى الهجرة وخصوصاً عند الذكور. ونشوء المشاكل الأسريّة نظراً لعدم توافر مصدر دخل للأسرة. وازدياد نسب الانتحار".
وأضاف السلمان: "لانتشار ظاهرة البطالة وتفشّيها في المجتمعات عدّة أسباب منها: ضعف الأداء الاقتصادي. وعدم توافر خبرة كافية وخصوصاً عند الشباب ممّا يجعل استغناء الشركات عنهم أقلّ خسارةً من الاستغناء عن خدمات ذوي الخبرة. وزيادة الكثافة السكانية. والفَساد الإداري في الدول. والهجرة من الرّيف إلى المدينة ممّا أدّى إلى وجود فائض من القوى العاملة. وانتشار ظَاهرة الواسطة والمحسوبيّة، وعدم جعل الكفاءة المِعيار الأول للاختيار؛ فحلّت بدلاً منها اعتبارات أخرى. وثقافة العيب التي تمنع الشباب من ممارسة المهن الحرفية والتركيز على المهن القيّمة اجتماعياً. وعدم وجود توافق بين مُتطلّبات سوق العمل والكفاءات والتخصّصات المتاحة".
السلمان بين أيضا: "انّ البطالة أزمة لا يجب تَجاهلها أو التغاضي عنها؛ لذلك لا بُدّ من التخلص منها لتزايد مُعدّلاتها بطريقة رهيبة ومخيفة وزيادة خطرها على مجتمعاتنا.
ومن طرق التخلّص من البطالة: تأسيس جهة تابعة للحكومة تقوم بتسجيل بيانات الأفراد العاطلين عن العمل وكفاءاتهم ومهاراتهم ومُقارنتها باحتياجات سوق العمل والمهارات اللازمة للوظائف المُتوافرة. ومتابعة أداء المراكز التدريبية التي تُدرّب القوى العاملة ومراقبة مخرجاتها، والحرص على تخريج أفراد ذوي مهارات توافق احتياجات سوق العمل. وإغلاق القبول في التخصّصات التي لا يحتاجها سوق العمل وإرشاد الشباب للتوجه نحو دراسة التخصّصات المطلوبة. ووضع حد أدنى للأجور. وإعادة تشكيل الطبقة الوسطى في المجتمع. وتطبيق الإنفاق الاجتماعي المتوازن بحيث لا يطغى الاهتمام المادي في جانب معين على حساب جانبٍ آخر. والحدّ من استقدام العمالة الوافدة والاستعاضة عنها بأبناء الوطن. وسحب العمالة الفائضة من المناطق التي تُعاني من البطالة المقنّعة، ونقلهم نحو الشواغر التي تعاني من نقص في القوى العاملة. واستصلاح الأراضي لتوفير فرص عمل إضافيّة وتطوير العملية الزراعية. وتوفير بيئة مُناسبة للاستثمار ليتمكّن القطاع الخاص من التخفيف من عبء هذه الظاهرة.
زيادة الاستثمارات وإقامة المَشاريع لتوفير فرص عمل".

من الجامعة الى الكازينو

ابتدأ سلام منذر، خريج وعاطل حديثه قائلا: "ارحمونا، ارحمونا.. هذه هي أصوات العاطلين عن العمل، احد شرائح المجتمع العراقي المهمة والفعالة في بناء عراق جديد مزدهر، شريحة لم تر في الحياة غير الألم والمعاناة بسبب سياسة الإقصاء والتهميش والحرمان التي مارستها وتمارسها أجهزة لا تريد بالعراق والعراقيين خيرا والنتيجة رؤيتهم على أبواب مراكز التشغيل ودوائر الدولة لتقديم المستمسكات متسارعين بين الحين والآخر بغية الحصول على وضيفة يسدوا من خلالها رمق الجوع الذي طال الملايين من العراقيين، نعم هذا هو حال الشباب العراقيين. وكثيرا ما سمعنا عن الميزانية التي سوف تقوم بتقدم المجتمع العراقي الى الامام وذلك عن طريق انشاء مشاريع تنموية كثيره تعود بالنفع على المجتمع وتقلل من البطالة في العراق ولو بنسبه 20 في المائة ولكن، وعلى الرغم من ان ميزانية الدولة كبيرة لم نر من الوعود أي اثر يذكر فقد ازدادت البطالة وهي في ازدياد سنوي دائم وذلك كون ان انتهاء كل عام دراسي يخّلف دفعة جديدة من الخريجين وهم بالطبع يكون مكانهم المحتم هو البيت والمقهى والكازينو".
وأضاف: "من خلال فهمنا للاستثمار، هو المبالغ التي ستنفق على اقامة مشاريع انتاج السلع المادية والخدمية في انحاء البلاد. مثل مصانع لإنتاج السلع المختلفة واعادة تعمير المصانع المتوقفة، وابنية جديدة لشركات جديدة للوزارات المختلفة وشق طرق جديدة داخل المدن وخارجها وبناء وصيانة محطات الطاقة، ومشاريع جديدة للمياه الصالحة للشرب والصرف الصحي، وبناء مدارس جديدة ومعاهد وكليات وجامعات جديدة وغيرها. ولكن دعني أتساءل: أين هذا الاستثمار؟
ان مبلغا محدد من مليارات الميزانية لو ذهبت بالفعل الى الاوجه المذكورة، سيخلق بالتأكيد عشرات الالاف وربما مئات الالاف من فرص العمل الجديدة التي بلا شك ستستوعب الجزء الاكبر من العاطلين في العراق عن العمل. لكننا نرى ان خريجي الكليات الحيوية في بيوتهم ولا يعرفون متى سوف يكون لهم دور فعال في بلدهم وهذه المشكلة هي السبب الاساس في هرب او هجرة الشباب والكوادر الى الخارج، ولو بحثنا عن السبب الرئيس في اعداد المغتربين نرى ان معظمهم من العاطلين عن العمل في بلادهم وهم بالطبع يرغبون في العودة لكن عودتهم بالطبع مقترنه بالبطالة فيا ترى لو بدلت الكفاءات الاجنبية بكفاءات عراقية ولو قامت حكومتنا بفتح ابواب العمل للعاطلين وحسب مهنتهم وامكانياتهم هل سيبقى مجتمعنا محصورا كما هو الان جنب كل شخص عاطل عن العمل عاطل آخر؟ فتقريباً في كل بيت على الاقل فيه اكثر من عاطل على العمل.. متى تنتهي هذه الظاهرة المميتة للقدرات والامكانيات الشابة؟ لا نعرف. فقد وصلت نسبة البطالة في سوق العمل العراقي وفق بعض الاحصاءات الى حوالي 55 في المائة بين الذكور و85 في المائة بين الاناث. اما في العام المقبل فالله العالم الى أي نسبة ستصل البطالة".
وأضاف سلام: "مما يثير الاستغراب انه رغم المليارات الكثيرة التي أعلن عن تخصيصها لمشاريع في المجالات المختلفة لم يعلن عن الحاجة لإشغال وظائف جديدة وشاغرة في المشاريع المزعومة سوى عمال النظافة في شوارع وحدائق بغداد، فاين ذهبت اذن مليارات الدولارات المنفقة هذه السنة والسنين التي سبقتها؟ كما ان رؤساء مجالس المحافظات المدعوين لمتابعة اولوية العمال العراقيين في اشغال الوظائف المتاحة في العراق، سواء كان رب العمل عراقيا ام أجنبيا. حيث يجب اصدار القرارات الملزمة بمراعاة هذه الاولوية، فكما هو معروف أن هناك الكثير من الشركات تستورد عمالة من جنوب شرقي اسيا لتنفيذ مشاريع في العراق. لماذا؟ وما السبب؟ ولما لا يكون هؤلاء العمالة من الشباب العراقيين العاطلين عن العمل اصحاب الكفاءات والشهادات"؟

ننتظر انتشال العاطلين

يقول أبو فهمي، مسؤول في احد مراكز التشغيل: "لا توجد إحصائيات مؤكدة عن حجم البطالة في العراق الآن لكن بعض التقارير تشير إلى أن البطالة كانت قبل الاحتلال الأمريكي تشكل نسبة 30 في المائة من مجموع القوة العاملة أما الآن فقد تفوق 50 في المائة".
وأضاف: "ازدادت معدلات البطالة إبان الوضع الأمني غير المستقر حيث ان التدهور الأمني وغياب الاستقرار والانفجارات والاغتيالات أوقف بعض أعمال القطاع الخاص. ولكن الآن الوضع الأمني آخذ نحو الاستقرار ولكن لم نر حتى الآن أي خطوة تنتشل العاطلين من واقعهم المؤلم إلى واقع آخر ليعينوا من خلاله أنفسهم وعوائلهم وهذا الأمر حقيقة يتحملها أصحاب القرارات في الدولة فعليهم اخذ الأمر بموضوعية بعيدا عن الإهمال الذي ستنتج عنه أثار سلبية تؤثر على الوضع العراقي ككل ففي مراكزنا الآن مئات الآلاف من أسماء العاطلين تنتظر فرص العمل".

آثار نفسية سيئة

في نظر سلمى معيوف، أخصائية في علم النفس فإن ظاهرة البطالة المنتشرة بين أبناء العراق هي حالة مأساوية نتج عنها القلق والكآبة وعدم الاستقرار وأدت إلى آثار نفسية غير صحية، بل امتد هذا التأثير النفسي إلى حالة الزوجات كما هو معلوم، وأن هذه الحالات النفسية تنعكس سلبيًّا على العلاقة بالزوجة والأبناء، والنتيجة تزايد المشاكل العائلية. لقد وُجد أن 69 في المائة ممن يقدمون على الإجرام هم من العاطلين عن العمل، ونتيجة للتوتر النفسي، تزداد نسبة الجريمة كالقتل والاعتداء بين هؤلاء العاطلين. ومن آثار البطالة أيضًا هي مشكلة الهجرة وترك الأهل والأوطان التي لها آثارها ونتائجها السلبية، والملاحظ أيضا ان العاطل عن العمل يتعامل مع نفسه بطريقة مغايرة لتعامل الشاب العادي، منها الانعزال مع إحساسه بالفشل والنقص، وعدم الاندماج مع وسطه الاجتماعي. وكل ذلك نتيجة الافتقار إلى المال، وعدم توفره لسد الحاجة لدى الفرد العاطل عن العمل".
وأضافت: "ان شبابنا العاطلين عن العمل هم في نهاية المطاف يعبروا عن إحساسهم بظلم المجتمع لهم، من خلال سيطرة مشاعر الإحباط، وانعدام ثقتهم بنفسهم، وستتسبب هذه الظاهرة في ولادة حالات من الاندفاع والفوضى وعدم الاكتراث والعصبية الزائدة، إضافة إلى انتشار ظاهرة الإجرام ، والانحلال الأخلاقي وتدهور العلاقات الأسرية. كما نجد البعض من الشباب يلجأ إلى العنف والتطرف لأنه لا يجد لنفسه هدفاً محدداً والبعض يظن الحل في تعاطي الأقراص المخدرة لأنها تبعده عن التفكير في مشكلة عدم وجود العمل وبالتالي توصل الفرد إلى الجريمة والانحراف، وما ذكرته هو غيض من فيض.. هموم أثقلت كاهل شبابنا الذين لم يروا من خيرات بلدهم حتى فتات الفتات.

كارثة البطالة

يقول الدكتور صالح ماجد، أستاذ جامعي: "وفقا للإحصاءات القريبة يأتي العراق في مقدمة دول الشرق الاوسط بنسبة بطالة تقدر بـ "59 في المائة" من حجم قوة العمل و"31في المائة" بطالة مؤقتة ونحو "43في المائة" بطالة مقنعة، كما تقدر نسبة النساء العاطلات بـ "85في المائة" من قوة عمل النساء في العراق.
وتفاقمت بطالة الخريجين وزادت طين الظاهرة بلة، فالكثير من التقارير ذكرت، ان الدراسات سواء التي تقوم بها وزارة التخطيط أم الدراسات التي تقوم بها منظمات أجنبية ومحلية تشير إلى أن الذين يدخلون سوح العمل من الشباب قرابة "500 ألف شخص"، تكون نسبة كبيرة منهم من خريجي الجامعات العراقية. وقطعا فرص العمل التي توفرها الدولة لا تستطيع أن تستوعب كل هؤلاء الخريجين من الجامعات العراقية فحدثت المشكلة المتعلقة ببطالة الخريجين داخل ظاهرة البطالة العامة وأنواعها، وبدأت القضية تتسع من إشكالية إلى ظاهرة فأزمة وصولا إلى إمكانية توصيفها بالكارثة التي تتطلب وضع خطة مكافحة".
وأضاف: "البطالة لها جذور في العراق ترجع في تكوينها إلى اهتمام الحكومات العراقية على قطاع النفط مع إهمال القطاعات الإنتاجية "الزراعية والصناعية". ولقد ترتب على هذا التوجه تزايد سيطرة النخب الحاكمة على مؤسسات الدولة، وفي مرحلة حديثة من تاريخ العراق الحديث تم تسريح ما يقرب من مليون شخص عقب انتهاء حرب الخليج الأولى ليدخلوا سوق العمل من دون تدريب ومن ثم زادت صعوبة مشكلة البطالة في ظل العقوبات الدولية "1990 – 2003" وانعكاس ذلك على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية".
الدكتور صالح أضاف: "كما تزايدت مشكلة البطالة مع الاحتلال المباشر للعراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائها، فقد كان العراق يعيش أصلا أزمة قاتلة وكارثية في اقتصاده وأسلوب حياة أبنائه القائم على الفقر والبطالة، وفي حالة يرثى لها، وحصلت في هذه المرحلة الهجرة الثانية للكفاءات العلمية، وكان الانعكاس شديدا على نوعية العمالة. وفي ظل الاحتلال وما بعده تكرست مشكلة البطالة خصوصا بين الخريجين من الجامعات وكان ذلك نابعا من الأسلوب المتبع في التحول الاقتصادي من نظام مركزي شديد التوزيع إلى نظام قائم على آلية السوق، فالنتيجة أدت إلى تدهور في الطلب المحلي على عناصر الإنتاج إلى جانب إغراق السوق العراقية بالسلع الرديئة والرخيصة السعر والتي أدت إلى قتل الصناعات المحلية التي تعتمد على الأيدي العاملة، مما أدى إلى فقدان فرص العمل، وانخراطها بسرعة في قوة الشرطة والجيش، وانسحبت هذه الظاهرة إلى الأيدي العاملة في قطاع الزراعة.
ان معدل المجموع الكلي للخرجين يصل إلى (565357) خريجا يسقطون في كارثة البطالة، ويتراوح معدل أعمار نصف سكان العراق ما بين 25 فأصغر، ويدخل "400000" ألف شخص بالغ فئة القوى العاملة سنويا، ووفقا لذلك تصنف البطالة إلى نسبة 16 في المائة بشكل حتمي، و30 في المائة بشكل محتمل حيث تكون نسبة 50 في المائة من الذكور في المناطق المدنية ، بالمقابل تشكل النساء نسبة 13 في المائة فقط من القوى العاملة.
إن هذه الأرقام وسواها في تقارير الجهات الرسمية والمنظمات الدولية والمحلية تعاني من اهتزاز المؤشرات نتيجة ما يتعرض اليه العراق على يد موجات الإرهاب العاتية، وارتباك الكتل السكانية، وأزمة الفساد المالي والإداري التي تضرب البلاد طولا وعرضا، وهذا الأمر يتسبب يوما بعد يوم في مضاعفات بظاهرة البطالة التي تخرج اليوم عن السيطرة وتحول الفئات العاطلة إلى ألغام بشرية تسير في الشوارع حاضرة على الدوام لأن تكون حطبا للنزاعات والعنف وكتل مناورة يستمر السياسيون في التحكم باضطراباتها الاجتماعية ومستقبلها المجهول".

أسباب

يقول عادل قاسم، طالب دراسات عليا: "تفاقمت مشكلة البطالة في العراق نتيجة للأداء الاقتصادي المتراجع وعدم القدرة على تحقيق معدلات متقدمة من النمو الاقتصادي، وهناك العديد من الأسباب التي أدت الى تفاقم ظاهرة البطالة منها: الاثر السلبي لتحرير التجارة على القطاع الخاص العراقي. لاسيما في الزراعة والصناعة حيث تدنى كثيراً الانتاج الزراعي والصناعي نتيجة لفتح الحدود على مصراعيها ، وبدون ضوابط كمية او كمركية، امام تدفق سيل عارم من السلع الاجنبية المدعوم معظمها حكومياً مما اضطر العديد من المزارع والمصانع الى اغلاق أبوابها او تخفيض انتاجها وفي الحالتين تأثر الطلب على العمالة العراقية سلباً وفاقم من البطالة. وكذلك خصائص القوة العاملة العراقية التي ترتفع فيها نسبة الشباب والتي تفتقر الى التدريب اللازم لتلبية احتياجات سوق العمل. وكذلك الفساد الاداري المستشري في الاجهزة الرسمية والذي بدد اموالاً هائلة في مشروعات وهمية او قليلة الجدوى في استيعاب العاطلين عن العمل. ويضاف اليها تلكؤ عملية اعادة اعمار العراق بحيث لم تستطع ان توفير اكثر من "20" الف فرصة عمل للعراقيين في مشاريع اعادة الاعمار من بين قوة عمل تصل الى "7" ملايين شخص. وكذلك ضعف فاعلية القطاع العام في توليد المزيد من فرص العمل نظراً لإغلاق العديد من المصانع الحكومية التي تعرضت الى أعمال السلب والنهب والتدمير بعد نيسان 2003 من جهة وعدم توفر مستلزمات الانتاج الضرورية للمنشآت والمصانع الحكومية من جهة اخرى. وكذلك الافتقاد الى استراتيجية اقتصادية واجتماعية واضحة المعالم، وفي ظل عدم وجود توزيع عادل للدخل، وزيادة عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر او يحومون حوله، وبسبب عدم وجود استراتيجيات عمالية، كلها ادت الى تفاقم الوضع المعيشي وتزايد نسبة البطالة في العراق".

وما هو الحل؟

يقول الأستاذ عادل: ثمة وسائل عديدة ناجعة لمعالجة مشكلة البطالة في العراق منها:
1-
الحاجة الى تنويع الاقتصاد العراقي، لان الاعتماد الشديد على النفط كقاعدة اساسية للأنشطة الاقتصادية، ما هو الا شكل من اشكال التنمية غير المستدامة. ليس فقط لاعتبارات بيئية بل ايضاً لاعتبارات اجتماعية واقتصادية. ان عملاً جاداً يستهدف تنويع مصادر الدخل في العراق من شأنه تأمين فرص عمل لعدد متنام من العاطلين.
2-
تحفيز الاستثمارات الحكومية والخاصة في الانشطة الاقتصادية كثيفة الاستخدام للعمالة كالزراعة مثلاً .
3-
توسيع الانفاق الحكومي على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية من شأنه ان يوفر فرص عمل كثيرة للعاطلين ويخفض من معدل البطالة.
4-
ضرورة استمرار دور الدولة الاستثماري والانتاجي في الاقتصاد العراقي نظراً لأهمية دور الدولة المباشر في معالجة مشكلة البطالة من خلال الاستثمارات العامة في المشاريع الصناعية ذات العلاقة بالأمن الاقتصادي الوطني من جهة وتأمين مستلزمات بناء القاعدة المادية – التكنيكية للاقتصاد العراقي من جهة اخرى . وعلى النقيض من ذلك ستفرز الاستجابة لدعوات تقليص دور الدولة وتحويله من دور المنتج الى دور المنظم آثارا سلبية ملموسة على ظاهرة البطالة في العراق .
5-
ثمة حاجة ماسة الى تخطيط التجارة الخارجية من خلال تشجيع الصادرات وتقييد الاستيرادات وبالذات غير الضرورية منها ، من خلال فرض الرسوم الكمركية عليها وتقييد كمياتها وأقيامها ، من اجل توفير الدعم للقطاعات السلعية المنتجة في الاقتصاد العراقي كي تنمو وتتطور بالاتجاه الذي يزيد جانب الطلب على الايدي العاملة العراقية .
6-
ضرورة العمل على تخفيض مستويات الفقر ، وكذلك التوزيع العادل للثروة القومية على الطبقات والمناطق الحضرية والريفية ، نظراً لارتباطهما العضوي بانخفاض البطالة بين الشباب .
7-
ايلاء اهتمام خاص بالمتخرجين من المدارس دون مؤهلات او بمؤهلات طفيفة، كما يتعين تعزيز الاهتمام بتصحيح الخلل في توازن الفرص المتاحة للشابات والشبان.
8-
تفعيل مكاتب التشغيل القائمة، ومنح اعانات بطالة للعاطلين عن العمل، وتزويد العاطلين بمهارات معينة من خلال فتح دورات للتدريب المهني وبما ينسجم مع احتياجات سوق العمل في العراق.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل