/
/

يوما بعد آخر والمعاناة التي يعيشها عمال الأجور اليومية في العراق تواصل تصاعدها، حتى صارت هذه الشريحة المنهكة تتقاسم الهموم ذاتها. فلا فرق في الهموم بين عامل في ذاك المصنع أو تلك الدائرة. الكل يعيش واقعا مريرا ويرزح تحت وطأة ظروف عصيبة وحال مزر. فيما الجهات الحكومية تبدو غير آبهة بهؤلاء الكادحين، على الرغم من احتجاجاتهم ومطالباتهم المستمرة في معالجة أزماتهم، والتي لم تجد اذنا تصغي لها.
عمال الأجور اليومية انغمروا في واقعهم المرير، وربما اضطروا إلى القبول بما هم فيه من حال صعب. فهم يدركون جيدا ان المجازفة في ترك العمل والبحث عن آخر، مصيرها الفشل. ولعل الجهات ذات العلاقة تدرك ذلك جيدا حينما تغض الطرف عن معاناتهم، وتهمل مطالبهم.
ووفقا للعديد من هؤلاء الكادحين، فإن المعاناة التي يعيشونها تأخذ وجوها متعددة، بدءا من طبيعة الأوامر الإدارية الخاصة بتوظيف العقود والأجور. إذ لا توجد في الكثير من المؤسسات التي يعملون فيها، عقود قانونية تحدد الفترة التي يلتزم فيها الطرفان (العامل وصاحب العمل). ما يعني ان الادارة قادرة على إنهاء خدمات الأجير في اي وقت، وتلك مسألة فيها من الإجحاف الكثير.
ويوضح العديد من عمال الأجور اليومية في القطاع العام، الذين التقى بهم مراسل "طريق الشعب"، ان هناك تباينا كبيرا في الأجور بين الدوائر والمؤسسات التي يعملون فيها. فبعضهم يتقاضى أجرا يوميا قدره 25 ألف دينار، وفي دائرة أخرى يتقاضى الأجير ما قيمته 12 ألف دينار. فيما تنقطع تلك الأجور عن العامل في أيام العطل الرسمية وغير الرسمية، وما أكثرها في العراق!
ويشكو الكثيرون من أفراد هذه الشريحة الكادحة، حرمانهم غير المبرر، من الحوافز والمكافآت، على الرغم من كونهم ملتزمين بالدوام الرسمي، ربما أكثر من العديد من اقرانهم الموظفين الدائمين في الدوائر والمنشآت الحكومية. فبحسب ملاحظين عديدين، ان هناك تسيبا وظيفيا في بعض القطاعات الحكومية، لم يواجه بعقوبات أو مساءلات، وهناك بطالة مقنعة أيضا، أخذت تتسع في العديد من دوائر الدولة.
ويواجه عمال الأجور اليومية العاملون في القطاعات الإنتاجية، معاناة مضاعفة، لما يتعرضون له من مخاطر وتحديات عديدة. فهم يعملون على وسائل إنتاج خطرة جدا. كآلات ومكائن القطع والسحب في معامل الصناعات الثقيلة وحتى الخفيفة، ما يعرضهم إلى إصابات بليغة، تصل إلى قطع الأكف أو الأصابع، في وقت لم تخصص لهم الجهات ذات العلاقة بدل خطورة. بينما تتعامل بعض الدوائر الإنتاجية بالمواد الكيمياوية المؤثرة على الصحة، كالصمغ والأصباغ والاسيتون، وغيرها من السوائل السامة التي تضر بالصحة كثيرا مع مرور الوقت.
ووفقا للعديد من العمال فإن بعض المصانع الإنتاجية غير ملتزم بشروط السلامة، ويخلو من وسائل التهوية الجيدة، وما موجود فيه من مفرغات هواء قديم ومتهالك، في الوقت الذي يتطلب فيه تخصيص وسائل حديثة لتنقية بيئة العمل، خاصة إذا كانت معرضة لأبخرة المحاليل الكيمياوية السامة والرذاذ الملوث. وقد تعرض الكثيرون من العمال إلى أمراض خطرة نتيجة عدم خضوعهم لمقتضيات السلامة.
وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن معظم العاملين في المصانع والمعامل، يعانون ظروفا مناخية صعبة. ففي فصل الصيف يتعرضون إلى الحرارة الشديدة، وفي الشتاء يضطرون إلى العمل تحت وطأة البرد القارس، وذلك نظرا لعدم توفر وسائل تكييف حديثة.
ويشير الكثيرون من عمال الأجور اليومية، إلى انهم، ورغم ظروف عملهم الصعبة، بلا ضمانات، ولم تخصص لهم تعويضات أو ضمانات صحية في حال تعرضوا إلى إصابات اثناء العمل، مؤكدين إن بعض إدارات المؤسسات الإنتاجية تمنع الأطباء الذين يشخصون وجود حالة مرضية لدى العامل، من منحه إجازة مرضية، وفي حال تغيب عن العمل لكي يتعافى من مرضه، تعتبره الإدارة متغيبا من دون موافقتها، وتقوم بقطع أجره اليومي، وربما توجه له عقوبة مجحفة من خلال قطع أجره لعدد من الأيام الاضافية التي يزاول فيها عمله.
ومن بين الأحمال التي تثقل كواهل عمال الأجور اليومية في القطاع العام، هي أجور النقل. إذ ان العديد من المؤسسات التي ينتسبون إليها، لم تخصص لهم وسائل نقل مجانية، ما يتكبدون مصاريف مالية إضافية، رغم رواتبهم الضعيفة.
إلى ذلك يشهد الواقع الخدمي في الكثير من المؤسسات الإنتاجية العامة، تدهورا كبيرا. فمقرات معظم تلك المؤسسات قديمة ومتهالكة، وتفتقر للخدمات الأساسية. وبهذا الصدد يوضح العديد من العمال، إن دورات المياه في غالبية المصانع سيئة ومهملة وغير خاضعة لشروط النظافة، والأزبال ومخلفات العمل متراكمة هنا وهناك، نظرا لعدم رفعها بانتظام.
يضع عمال الأجور اليومية في القطاع العام، صور معاناتهم هذه أمام أنظار الجهات ذات العلاقة، وهم يعربون عن استيائهم من واقعهم المرير، وعدم مساواتهم بأقرانهم المنتسبين على الملاك الدائم، ولسان حالهم يتساءل: لماذا هذه الفوارق الصارخة بين إنسان وآخر؟ فالمنتسب على الملاك الدائم إنسان وعامل الأجر اليومي إنسان أيضا!؟
كما يدعو العمال ممثليهم في مجالس إدارات القطاع العام، ونقاباتهم، والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني، إلى متابعة ظروفهم الصعبة بشكل مباشر وميداني، وإيصال صورة عنها إلى أصحاب الشأن والقرار.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل