/
/

قاسم البلحاوي

ربما غادر العاشرة من عمره بأشهر قليلة، صبي نحيف ارتسمت على ملامحه علامات "الشيطنة" المبكرة، يحمل مجموعة من الاكياس البلاستيكية "علاكة نايلون" ويروج لها بأعلى صوته داخل ممر السوق الضيق. هو أحد المتسربين من المدارس، من جحافل تتزايد أعدادا يوما بعد آخر، دون أن تجد هذه الظاهرة/ الكارثة حلا.
-
هل أنت في المدرسة؟
رد بصوت عال: كنت.
-
واليوم؟
-
تركتها والتجأت الى السوق لأعيل والدتي واخواتي، توفى والدي بانفجار ارهابي، وليس لدينا احد يعيلنا، أنا الابن الاكبر!
-
هل تحب المدرسة؟
-
أحبها جدا، لكنها لا تجلب لي ولأسرتي لقمة العيش بعد الآن!

جيل أمي في عصر المعلوماتية

بحسب اليونيسيف يعني التسرب: "عدم التحاق الأطفال الذين هم بعمر التعليم بالمدرسة، أو تركها دون إكمال المرحلة التعليمية التي يدرس بها بنجاح, سواء كان ذلك برغبتهم أو نتيجة لعوامل أخرى, وكذلك عدم المواظبة على الدوام لعام أو أكثر". أي أن التعريف لا يشير إلى فترة إلزامية مناسبة, تاركا ذلك إلى إمكانيات الدول المختلفة.
في العراق يعني التسرب ترك التلميذ للمدرسة قبل إنهاء الصف السادس الابتدائي وفقا لقانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976 الذي شمل الفئة العمرية "6-11" سنة. فيما يشمل في بلدان عربية أخرى كل تلميذ ترك المدرسة قبل إكمال المرحلة المتوسطة، وهو الاصوب لأن احتمال ارتداد التلميذ بعد المرحلة الابتدائية إلى الأمية أمر وارد جدا كما تبين التجربة.
وبحسب المسح المدرسي الذي نفذته وزارة التربية عام 2004 بدعم من اليونيسيف اظهر إن الملتحقين بالمدارس الابتدائية في العراق بلغت نسبتهم 86 في المائة من الأطفال بعمر التعليم الإلزامي, أي كان هناك 600 ألف طفل غير ملتحقين, وقد اظهر المسح أن حوالي 24 في المائة من الأطفال يتسرب من المدارس قبل إتمام المدرسة الابتدائية الإلزامية. كما أن هناك إحصائيات حديثة تشير إلى أن نسبة عدد التلاميذ الذين يلتحقون بالمرحلة الأولى ويصلون إلى الصف الخامس قد ارتفعت كثيرا.

أسباب أخرى

صبي آخر يحمل صحفا في أحد التقاطعات قريبا من الاشارة الضوئية في الكرادة. طلب منه أحد الراكبين صحيفة طريق الشعب. فرش الصحف بطريقة "المهفة" وعرضها عليه. سأله الراكب: الا تقرأ؟
-
كلا
انه التسرب او هكذا يسمونه، فعلا كلمة لا تسيطيع امساك نفسها وهي بذلك تشبه مدعيها الذين لا يستطيعون الامساك بالمتسربين واعادتهم الى جادة الصواب وكأن اعادتهم اصعب من مطاردة لصوص محترفين.
تقول الطالبة نغم احمد التي اعتزلت المدرسة ولم تكمل الرابع ثانوي
-
لن اقول بانني مخطئة لاني كذلك بالفعل ولكن كنت طائشة لم اقدر عواقب الامور ولم تحرك والدتي ساكنا والعجيب ان امي شجعتني على ترك الدراسة.
-
ولماذا تركت الدراسة اذن؟ هل كان مستواك العلمي منخفضاً؟
-
مطلقا، لم اكن من المتميزات ولكني كنت انجح بمعدل متوسط ولم أرسب في أي صف من مراحل الدراسة. الحق انني اخجل من البوح بالسبب الحقيقي، لانه الكسل في الاستيقاظ مبكراً، اعلم انه سبب تافه وانا اخجل من الاعتراف به. امي هي السبب، ماذا لو تدخلت.. لقد كنت صغيرة العقل في حينها، وبالرغم من اني ناجحة في عملي الفني بالرسم على الزجاج الا انني اشعر "بالنقص" عندما التقي زميلاتي اللواتي اكملن الدراسة، ولا اجرؤ على العودة الى مقاعد الدراسة. يبدو ان قطار العلم قد فاتني واصبح من الصعب اللحاق به في ظل ظروفنا الاقتصادية الصعبة والتي اساعد عائلتي من خلال العمل بالرسم. لذا استبعد العودة الى المدرسة والتفرغ لها.
هذا نموذج من أنواع التسرب، ومن المؤكد أن هناك أنواعا أخرى، واذا كان سبب ترك نغم للدراسة هو ما ذكرته فثمة أسباب أخرى كثيرة منها:
1-
ضعف الإمكانية المادية للأسرة, حيث تشير الإحصائيات إلى أنه يشمل أكثر من 40 في المائة من الشعب العراقي ويبدو أن العامل الاقتصادي يلعب دوراً رئيساً في سعة حجم ظاهرة التسرب.
2-
إن عددا غير قليل من أطفال الصف الأول يتركون الدراسة بسبب عدم التأقلم مع الأجواء الجديدة في المدرسة، وذلك لعدم تهيئة الطفل للمرحلة الابتدائية, وقلة عدد رياض الأطفال.
3-
ضعف النظام التعليمي في المدارس الابتدائية حيث يؤدي عجز هذا النظام عن تحقيق الأهداف التربوية وعدم توفير الجو المناسب للطفل داخل المدرسة وعدم قدرة النظام التعليمي على تنمية قدراته وإمكانياته وبالتالي يؤدي بالتلميذ إلى عجزه عن الوصول إلى الغاية المنشودة من الدراسة وإلا فأنه سيفشل في الدراسة مما قد يدفع به إلى تركها.
4-
عدم توفر الوعي الثقافي والاجتماعي لدى الأسرة وعدم إدراكهم مدى الضرر لاحقا من جراء انقطاع أطفالهم عن المدرسة, إضافة إلى النظرة المتخلفة إلى تعليم الإناث والعادات والتقاليد العشائرية، والزواج المبكر للإناث, وخصوصا في الأرياف والإحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الكبيرة، إضافة إلى التطرف الديني. فقد أشار المسح الميداني المذكور أنفا إلى انخفاض نسبة التحاق الفتيات بالمدارس الابتدائية عن معدلاتها بين الصبيان في كل المراحل الدراسية وفي جميع المحافظات.
5-
تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض المختلفة مما يؤدي إلى الانقطاع المدرسي كخطوة نحو التسرب منه نهائيا.
6-
نتيجة الحروب وغياب الأمن انهارت التركيبة الاجتماعية مما أدى إلى الهجرية القسرية, ازدياد نسب الأطفال اليتامى وفقدان الرعاية الأبوية, انتشار ظاهرة أطفال الشوارع, محنة الأطفال غير الشرعيين أو مجهولين النسب, ازدياد نسب الأطفال ذوي الإعاقات المختلفة العقلية والجسمية وانعدام الرعاية التربوية الخاصة بهم, بالإضافة إلى ضعف العلاقات الأسرية وكذلك وجود الانقسام العائلي والطلاق وكثرة الخلافات وازدياد عدد الأولاد وإدمان الإباء على الخمور وتخليهم عن مسؤولياتهم نحو الأسرة وتغيبهم عن المنزل, إن جميع هذه العوامل تؤدي إلى زيادة نسبة التسرب من الدراسة.
7-
استهداف الإرهابيين المدارس في عملياتهم استشهاد عشرات الأطفال في العمليات العسكرية, و إغلاق العديد من المدارس اثر تهديدات بممارسة العنف.
8-
اختيار الإدارات على أسس غير تربوية بما في ذلك المحاصصة والحزبية الضيقة وانعكاس ذلك على المعلمين والعلاقة فيما بينهم وكذلك ضعف إشراف إدارات المدارس على انتظام التلاميذ في مدارسهم ومتابعة شؤون المتغيبين منهم بصورة جادة ودراسة العوامل المؤدية إليها ومحاولة تذليل الصعوبات التي تواجه التلاميذ بالتعاون مع أولياء أمورهم وكذلك ضعف عناصر العملية التربوية و الأنظمة الخاصة بالنقل من صف الى آخر والأنظمة المتعلقة بقبول التلاميذ والتي كثيراً ما تكون سبباً مباشراً في تسرب التلاميذ من مدارسهم.
9-
عدم ارتباط المناهج بحاجات المجتمع وعدم ملاءمتها ميول الأطفال وهواياتهم وكذلك ضعف كفاءة المعلم من حيث الإعداد والتدريب وضعف كفاءة الإدارة التعليمية - الواقع لم تعد دور المعلمات والمعلمين التي تقبل خريجي وخريجات الدراسة المتوسطة ملائمة للتعليم الحديث. قصور الإشراف والتوجيه, والاعتماد على أساليب التقويم القائمة على الامتحانات التقليدية وقصور الإمكانات التربوية من مبان وتجهيزات وفرص النشاط المختلفة.
10-
الرسوب المتكرر وعدم متابعته من قبل إدارة المدرسة أو ذوي التلاميذ مما يضعف ثقة التلميذ ويفقده المتعة من وجوده في المدرسة ويثبط حافزه على متابعة الدراسة, ولاشك إن هذا قد يكون مرتبطا بالواقع الاقتصادي الذي يعيشه التلميذ داخل الأسرة.
11-
عدم استخدام كثير من الطرق الحديثة والمشوقة والتي تعتمد على التفكير والعمل والحركة والحيوية والنشاط داخل الصفوف والمدرسة مما قد يساعد على شد التلاميذ للعملية التعليمية.
12-
عدم وجود برامج منتظمة في المدارس الابتدائية وكذلك لا توجد نشاطات وفعاليات مختلفة سواء داخل المدرسة أو خارج المدرسة كالمسابقات الرياضية والسفرات الترفيهية وذلك بسبب الوضع الأمني المتدهور الذي يمر به البلد.
13-
ضعف مخصصات قطاع التربية والتعليم من الميزانية العامة, مما يؤدي بدوره إلى ضعف الإنفاق على التعليم الابتدائي لتوفير مستلزماته من كوادر تعليمية وأبنية صالحة وكتب منهجية وقرطاسيه ولوازم مدرسية ولتغطية مختلف نشاطات هذا القطاع.

نموذج آخر

صبي ثالث يدفع عربة بناء، حولها الى عربة تسوق داخل احدى الاسواق الشعبية في منطقة البياع المكتظ بالمتبضعين. رد على سؤالنا عن أسباب تسربه من الدراسة قائلا: الامر اصعب مما تتصور. والطريق ابعد مما تعتقد. العودة الى المدرسة تعني دفع المزيد من المال للقرطاسية والملابس وانا واهلي اولى بهذه الفلوس. ثم ماذا سأستفيد من الشهادة وغالبية الخريجين عاطلون عن العمل؟
لقد أثار تفشي هذه الظاهرة قلق الكثير من المربين والمثقفين والسياسيين ولقد أولت الكثير من الحكومات هذه المشكلة اهتماماً خاصاً من أجل دراسة هذه الظاهرة التي تؤثر سلباً ليس على المتسربين فقط بل على المجتمع ككل لأن التسرب يؤدي إلى زيادة تكلفة التعليم ويزيد من معدل البطالة وانتشار الجهل والفقر وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
هناك من يتجاوز كل هذه الأسئلة ليؤكد أن العزوف عن الدراسة والانقطاع المبكر وعدم الرغبة في متابعة الدراسة هو نتيجة لمرحلة المراهقة حيث يميل المراهق للمجازفة والمخاطرة إلى درجة التهور، وتتسم تصرفاتهم باللامبالاة وغياب الشعور بالمسؤولية و اللاواقعية، وعدم إدراك الأخطار التي قد تترتب على سلوكهم ويتجلى ذلك من خلال ما يصدر عن بعض المراهقين خارج منزل الأسرة لاسيما في الشوارع من سلوكيات يغلب عليها طابع الاندفاع وعدم التروي.
وهكذا نعود ونحصي أسبابا أخرى للتسرب، منها:
قد يترك الطالب المدرسة لشعوره بأنه أكبر سناً من زملائه على الرغم من أنه لم يرسب أو يعيد أي سنة أما سبب تأخره الدراسي فيعود إلى أمية والـده الـذي لم يلتحق بالمدرسـة فـي حياتـه ، ولـذا فهـو لـم يلحق ابــنه بالمدرسة إلا في سن متأخرة بعد أن أصبح عمره 8 سنوات. وهنا لا يـكون السبب المباشر في مغادرة هذا الطالب للمدرسة لأنه أكبر عمراً من زملائه بل السبب الحقيقـي هـو تأخـر دخوله المدرسة بسبب جهـل أو إهمـال والده وهذا بالطبع يؤثـر علـى نفسيـته لـشعوره بأنـه أكبر من زملائه في الفصل وأن أترابه قد سبـقوه ويتسبب ذلك فـي إصابتـه بالإحباط الأمـــر الذي يؤدي في النهاية الى انقطاعه عن المدرسة.

وماذا بعد؟

* المنهج الدراسي ويشمل:

1- طول المنهج.
2-
كثرة المواد المقررة وصعوبتها.
3-
عدم ارتباط المنهج ببيئة الطالب.
4-
عدم تلبية احتياجات الطلاب ومراعاة ميولهم الشخصية.

* طرق التدريس وتشمل:

1- عدم استعمال الوسائل التعليمية التي تجذب الطلاب.
2-
اقتصار بعض المعلمين على طريقة تدريس واحدة تفتقر الى عنصر التشويق.
3-
يعتمد بعض المعلمين على طرق تدريس مملة لا تجذب الطلاب.
4-
عدم التزام بعض المعلمين بالخطة الدراسية.

* المعلم:

1- قلة خبرة بعض المعلمين.
2-
عدم مراعاة الفروق الفردية للطالب من قبل بعض المعلمين.
3-
عدم قدرة بعض المعلمين على فهم مشاكل الطلاب التعليمية والتعامل معها
بطريقة صحيحة.
4-
استعمال الشدة مع الطلاب من قبل بعض المعلمين مما يسبب نفورهم من
الدراسة.

* الطالب:

1- بعض الطلاب قدراتهم محدودة.
2-
البعض من الطلاب ليس عنده الاستعداد للتعلم.
3-
عدم المبالاة بأعمال المدرسة وأنظمتها.
4-
الانشغال بأعمال أخرى خارج المدرسة.
5-
الرسوب المتكرر للطالب.
6-
كثرة المغريات في هذا العصر والتي تشد الطالب وتجذبه إليها.

* المرشد الطلابي:

1- عدم المتابعة الدقيقة من المرشد الطلابي.
2-
القصور في العمل الإرشادي والتوجيه.
3-
ضعف التنسيق بين المرشد الطلابي وإدارة المدرسة والمنزل.
4-
ضعف إعداد وتأهيل بعض المرشدين الطلابيين.

سادساً: المدرسة:
*
المدرسة:

المدرسة تسعى إلى تكوين وتنمية شخصية المتعلم فكريا، ووجدانيا وجسديا وذلك عن طريق ما يتلقاه من علوم ومعارف ومهارات متنوعة، مما يعطيه قوة جسدية وقدرات فكرية وتوازنا عاطفيا وجدانيا يمكنه من أداء دوره الاجتماعي ووظيفته في الحياة.. والمدرسة لا تنجح في أداء وظيفتها إلا إذا جمعت بين عمليتي التربية والتعليم. إن دمج المراهق في الوسط المدرسي الجديد الذي ينخرط فيه، يستدعي منه ابتكار أساليب جديدة من التكيف قد تختلف عن الأساليب التي كان يواجه بها مختلف مواقف المؤسسات التي كان ينتمي إليها. فما الذي تتيحه المؤسسة المدرسية للمراهق؟ إنها تتيح له فرص التدرب على الاستقلال الذاتي، وفرص الاحتكاك بالمشاكل المختلفة داخل الفصل الدراسي وبناء الهوية الذاتية والهوية الثقافية، وبناء نسقه الفكري. ولكن أين تكمن أسباب المدرسة؟
1-
بعد المدرسة عن مكان إقامة الطلاب.
2-
قلة المدارس في منطقة سكن الطالب.
3-
عدم توفر المواصلات.
4-
عدم تكيف الطالب مع جو المدرسة لأمر ما وبالتالي ينقطع عنها.

* الامتحانات:

صعوبة بعض الامتحانات ينتج عنه الرسوب المتكرر للطالب وبالتالي يترك المدرسة.
1-
ضعف العلاقة بين المنزل والمدرسة.
2-
عدم متابعة بعض أولياء الأمور لأبنائهم.
3-
عدم حضور أولياء الأمور إلى مجالس الآباء لمتابعة أبنائهم.
4-
عدم تواجد الأب في المنزل باستمرار والحرج من مخاطبة والدة الطالب.

* أسباب عائلية:
الأسرة هي أول محيط اجتماعي يحتك به الطفل، وهي ـ كما يقرر علماء التربية ـ العامل الأساسي في بناء مستقبل سليم للطفل وتحقيق سعادته، ذلك أن البيئة الأسرية بكل ظروفها وأحوالها ومشاكلها وعلاقات أفرادها تؤثر في شخصية الطفل المستقبلية سلبا أو إيجابا، حيث أن تماسك الأسرة واستقرارها ماديا ومعنويا، وارتباط أفرادها بعضهم ببعض من شأنه أن يساعد على نشأة الطفل نشأة هادئة، فالطفل أو المراهق يتأثر بكل الذين يحيطون به ويعتبرهم مثلا يحاكيهم ويتأثر بطبيعة العلاقات بين أفراد الأسرة: العلاقة بين الوالدين، والعلاقة بين الأخوة والعلاقة بالمحيط.
1-
اعتقاد بعض أولياء الأمور أن التربية والتعليم هي من اختصاص المدرسة فقط.
2-
انشغال الأسرة وعدم متابعة دراسة ابنهم لمعرفة أدائه الدراسي.
3-
مشاكل وظروف عائلية أخرى كالطلاق مثلاً.

نموذج آخر

الفتاة ذات الاربعة عشر ربيعا يقتلعها الزواج "المبكر جدا" من ارض المدرسة. بعد ان اصبح ترك المدرسة اول الشروط لارتباط الفتاة التي يستعجل اهلها تزويجها خوفا من ان يفوت القطار وهو لم ينطلق بعد.
والابن المدلل يزيده المدللون دلالا والفلوس هي الحل. اما الذي لا يملك الا ذراعه وقوته فاصبح شرطا ان يصاب بخيبة الامل ويقاوم الى حين استنفاد قوته وربما يستنفدها وسط الطريق اما جشع الفساد الاداري، ولا مجانية التعليم. ان المتصفح يجد ان معدلات الالتحاق بالصف الاول الابتدائي عالية جدا، بل تفوق المعدل الطبيعي وهو امر يفرحنا.
وبالمقابل تجد ان هناك نسب تسرب قد تبدو خطيرة في واقع الحال اذ ان تسرب 2,3 تلميذ من تلاميذ المرحلة الابتدائية من اصل مائة امر ليس بالسهل اذا تركنا الامر على ما هو عليه.
وتزداد النسبة في المراحل المتوسطة لتبلغ, 6,6 في المائة اي بمعدل اكبر وفي التعليم الاعدادي بلغت النسبة 3,2 في المائة. وقد لا نخطئ اذا قلنا بان هذه النسب ازدادت بنحو لافت للنظر بسبب التردي الامني وغياب الرقابة الاسرية والفساد المالي والاداري والاوضاع المادية المتردية لهذه الاسر، اضافة الى كثرة العاطلين من كلا الجنسين. واذا ما اعتمدنا الملاحظة الشخصية وملاحظات الناس والتربويين بهذا الاختصاص.
ولا يفوتنا هنا الاشارة الى ان نسبة التسرب للاناث تبلغ ضعف نسبة الذكور وتلك نتيجة طبيعية في مجتمع يفضل ان تركن فيه الفتاة الى البيت، ونحن لسنا ضد ذلك لو ان هذه النسبة كانت للمراحل الاعدادية ولكن الغريب انها شملت الابتدائية والمتوسطة ايضا.
ولا نعلم ان تلك الارقام مقنعة بالنسبة للمواطن ازاء ما يشاهده بعينه وما يدركه ببصيرته. الاجوبة متروكة لكم، وان كنا نتمنى خطأ توقعاتنا وكذلك انخفاض معدلات التحاق اناث في المرحلة المتوسطة في المحافظات. لذا نقترح الاستمرار في حملات التوعية وتشجيع اولياء الامور على الحاق بناتهم بالدراسة ونحن نأمل ذلك ايضاً.
التسرب هو إهدار تربوي هائل وتأثيره سلبي على جميع نواحي المجتمع وبنائه، فهو يزيد من حجم الأمية والبطالة ويضعف البنية الاقتصادية الإنتاجية للمجتمع والفرد، ويزيد من الاتكالية والاعتماد على الغير في توفير الاحتياجات. ويزيد من حجم المشكلات الاجتماعية من انحراف الأحداث والجنوح كالسرقة والاعتداء على الآخرين وممتلكاتهم مما يضعف خارطة المجتمع ويفسدها. والتسرب يؤدي إلى تحول اهتمام المجتمع من البناء والإعمار والتطور والازدهار إلى الاهتمام بمراكز الإصلاح والعلاج والإرشاد، والى زيادة عدد السجون والمستشفيات ونفقاتها ونفقات العناية الصحية العلاجية. كما يؤدي تفاقم التسرب إلى استمرار الجهل والتخلف وبالتالي سيطرة العادات والتقاليد البالية التي تحد وتعيق تطور المجتمع مثل: الزواج المبكر والسيطرة الأبوية المطلقة وبالتالي حرمان المجتمع من ممارسة الديمقراطية وحرمان أفراده من حقوقهم ويتحول المجتمع إلى مجتمع مقهور ومسيطر عليه لأنه لا يمكن أن يكون المجتمع سيداً وحراً وفي نفس الوقت جاهلاً0
يتفاوت حجم التسرب في المدارس العراقية من سنة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام لهذه الظاهرة في التزايد في الآونة الأخيرة حيث بلغ عدد المتسربين نسبة أكثر من 25 في المائة، لكن يظهر حجم المشكلة إذا نظر إليها من ناحية تراكمية0
ان ظاهرة التسرب من النظام التعليمي لها أسباب متعددة ومتشعّبة تختلط فيها الأسباب التربوية مع الأسرية مع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية.. وغيرها. فظاهرة التسرب هي نتاج لمجموعة من الأسباب تتفاعل وتتراكم مع بعضها تصاعديا لتدفع الطالب وبقبول من أسرته إما برضاها أو كأمر واقع إلى خروج الطالب من النظام التعليمي قبل الانتهاء من المرحلة التعليمية التي ابتدأ فيها.

ترى ما هي الإجراءات الوقائية المدرسية للحد من ظاهرة التسرب:

1. تفعيل دور المرشد التربوي في مساعدة الطلبة في حل مشكلاتهم التربوية وغير التربوية، بالتعاون مع الجهاز التعليمي في المدرسة والمجتمع المحلي وعلى الأخص أولياء أمور الطلبة.
2.
العدالة في التعامل وعدم التمييز بين الطلبة داخل المدرسة.
3.
منع العقاب بكل أنواعه في المدرسة "البدني والنفسي" فبالرغم من أن وزارة التربية تمنع رسمياً العقاب بشتى أشكاله في المدارس كوسيلة ردع، إلا أن العقاب يمارس في المدارس من قبل الجهاز التعليمي. مما يتطلب وضع آليات مراقبة ومتابعة لضمان الالتزام التام بعدم استخدام أسلوب العقاب لحل مشاكل الطلبة.
4.
توفير المزيد من المدارس في المناطق السكنية المكتظة.
5.
توفير تعليم تمكيني علاجي للطالب الذي يعاني صعوبات التعلم.
6.
تفعيل قانون إلزامية التعليم في المرحلة الأساسية ووضع آليات للمتابعة والتنفيذ على مستوى المدرسة.
7.
السماح للطلبة المتسربين بالالتحاق بالدراسة بغض النظر عن سنهم وفق شروط محددة وميسرة.

وهناك الإجراءات الوقائية الأسرية

اذ تلعب الوزارة ومؤسسات المجتمع المدني دوراً أساسياً على مستوى الأسرة للحد من ظاهرة التسرب من خلال تنظيم برامج توعية للأسرة بأهمية التعليم لأبنائهم من خلال:
1.
مساعدة الأسر الفقيرة مادياً لتغطية النفقات الدراسية وتوفير مستلزمات التعليم لأبنائها.
2.
نشر الوعي وتثقيف الأسرة بقيمة التعليم وأهميته ومخاطر التسرب على أبنائهم.
3.
إقناع الأسر بضرورة تهيئة الجو الأسري لأبنائهم من خلال توفير الوقت والمكان المناسبين للدراسة في المنزل.
4.
مساعدة الأسرة لأبنائها في حل مشاكلهم الدراسية وصعوبات التعلم في المواد الدراسية.
5.
عدم تكليف أبنائهم الطلبة بمهمات أسرية فوق طاقتهم، من خلال تفرّغهم وتوفير الوقت الكافي لهم للدراسة.
6.
تفعيل الاتصال والتواصل بين الأسرة والمدرسة لمتابعة تطور أبنائهم والوقوف على المشاكل التي يواجهونها داخل المدرسة وخارجها والمساعدة في حلها.
7.
مشاركة الأسرة في الأنشطة اللا صفية التي تنظمها المدرسة.
من هنا نجد إن مشكلة التسرب المدرسي هي مشكلة وطنية تتطلب أن تتضافر كافة الجهود لإيجاد حلول ناجعة للطلبة المتسربين. بالإضافة إلى الدور الذي تقوم به وزارة التربية في هذا المجال. المطلوب أيضاً من المؤسسات الرسمية وبالتحديد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ومن مؤسسات المجتمع المدني أن تضع خطة عمل وطنية لإعادة تأهيل المتسربين الذين معظمهم ارتدّوا إلى الأمية وتوسيع انتشار مراكز التعليم المهني في جميع محافظات العراق وتقديم تسهيلات ومكافآت تشجيعية للطلبة الملتحقين بها. وتنويع برامج التعليم المهني لتواكب حاجات سوق العمل, وأيضاً متابعة الخريجين من خلال توفير شكل من أشكال التواصل بينهم وبين المنتجين في سوق العمل لتسهيل توظيفهم وإعادة تأهيلهم مع الوظائف الجديدة التي يلتحقون بها و لابد من فتح مراكز محو الأمية للمتسربين الذين ارتدوا إلى الأمية وتوفير تعليم مهني يتناسب مع قدراتهم.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل