/
/
/

قسم التحقيقات "طريق الشعب"
تعتبر مشكلة غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج من أخطر المشاكل التي يعاني منها الشباب حيث نجد اتجاهاً نحو المغالاة في المهور والمبالغة في تكاليف الزواج من حيث اشتراط وجود بيت أو شقة وفْقَ مواصفات محددة فضلاً عن إقامة الاحتفالات والولائم وشراء الحليّ من الذهب والمجوهرات والأثاث اللازم والراتب الوفير، وكل ذلك يجب على الشاب توفيره قبل التفكير في الزواج.
وتكتسب مشكلة غلاء المهور أهمية كبيرة نظراً لارتباطها العضوي بالزواج الذي هدفه المحافظة على النوع البشري، عن طريق إنجاب الأولاد وتكوين الأسرة، وبناء المجتمع الذي هو الوسيلة الوحيدة لإشباع حاجات الإنسان العضوية، كالجنس والأمومة والأمن والحياة والاطمئنان والحماسة والانتماء والتقدير والاحترام.
وقد أكد علماء الاجتماع على ضرورة إشباع هذه الحاجات وعلى أنّ الحرمان منها يؤدي الى الكبت والصراع ثم الاضطراب النفسي عند الأفراد، وتنعكس هذه الظاهرة على الشباب بالذات كونهم في بداية حياتهم ومستقبلهم وتطلعاتهم لتكوين أسرة وأولاد، ولكن ما يبدد أحلامهم وتطلعاتهم هو عامل المفاجأة عند بداية الخطوة الأولى في تقرير المصير الذي يريده الشباب في عقد الزواج وبدء التحضير له وتقديم عريضة التكاليف لما يطلبه أهل العروس من مطالب، وما هو سائد في المجتمع من أعراف وتقاليد يجب عليه الالتزام بها رغم أنفه وما تستجد ويدخل على المجتمع من إنفاق استهلاكي ترهق ميزانية العريس لسنوات إن لم يقترض من كل صديق وقريب ومعروف، ويقف الشاب هنا بين ثلاثة خيارات إما أن يواصل مشوار حلمه أو الابتعاد أو الإحجام عن الزواج إلى فرصة أخرى أو إلى الأبد وهذا ما يضر بالمجتمع، علماً أن تكاليف حفلة عرس لأحد الميسورين كفيلة بتزويج عشرات المعوزين.

تعريف المهر

هو ما يجب للمرأة على الرجل من المال، أو المنفعة المقومة بالمال في عقد زواج صحيح والمهر ليس ركنا من أركان عقد الزواج ولا شرطا له، إلا أن الحكمة من المهر هو بيان أهمية عقد الزواج، والحفاظ على مكانة وكرامة المرأة. وليجعل الزوجان يقدسان الحياة الزوجية وعدم إنهائها لأهون الأسباب.

مقدار المهر

لم يرد نص ديني يحدد قيمة المهر قليله أو كثيره ليقيد به أفراد المجتمع، إنما ترك الأمر مفتوحا، لأن الذي يتحكم في مقدار المهر تفاوت الناس في المستوى الاقتصادي والمكانة الاجتماعية، بالإضافة إلى الاختلاف في الطباع والعادات والتقاليد. وهذه الجوانب تختلف من مجتمع لآخر، وكذلك تختلف في المجتمع الواحد من فترة زمنية لأخرى، بل أنها تختلف في المجتمع الواحد من طبقة اجتماعية لأخرى.

طرق للوقاية والحد من ظاهرة غلاء المهور

يرى ساجد الخياط، طالب دراسات عليا: "أن العمل الجاد على بيان خطورة مشكلة "غلاء المهور" على البناء الاجتماعي على المدى البعيد، حيث يترتب عليها التحلل الأخلاقي والاجتماعي ونشر الرذيلة في أوساط الشباب الذين تجاوزت أعمارهم سن الزواج. ويجب أن يناط هذا الدور بأساتذة الاجتماع والمؤسسات التربوية وخطباء المساجد والدعاة. وكذلك تفعيل دور وسائل الإعلام المختلفة لبيان خطورة غلاء المهور، والإشارة إلى المخاطر الأخلاقية والاجتماعية المترتبة عليها وانتشار ظاهرتي العنوسة والعزوف عن الزواج، من خلال البرامج المتنوعة والملصقات والنشرات والحملات الإعلامية والمواقف الكوميدية المعبرة والهادفة. وعقد محاضرات وندوات تثقيفية وتوعوية للأسر والأهالي للهدف سالف الذكر نفسه ".
ويضيف ساجد: "كذلك العمل على إيجاد المؤسسات الاجتماعية التي تتبنى قضايا تيسير الزواج من خلال توفير القروض والمنح والمساعدات المالية، حتى تخفف على كاهل الشباب بعضا من تكاليف الزواج الباهظة. وكذلك العمل على توفير فرص عمل للشباب للحد من ظاهرة البطالة، للوقوف في وجه غلاء المهور والارتفاع الفاحش للأسعار. فالفرق في المستوى الاقتصادي بين الشاب والفتاة هو من أسباب عزوف الشباب عن الزواج.
وقد يكون التخفيف من مظاهر الإسراف والبذخ في الكماليات والأشياء الثانوية في الأعراس وحفلات الزواج، كالعدد الزائد عن الحد من السيارات، والولائم الكبيرة، والكوافير، وصالة الأفراح، والزخرفة والبهرجة، ومكبرات الصوت هو بمثابة عامل يصب في الحد من ظاهرة تكاليف الزواج المكملة لقضية ارتفاع المهور.
والمهور من الأمور التي فرضتها الأديان والأعراف عموما للمرأة على الرجل فرضاً حتمياً لها حق التصرف فيه بحرية كاملة ولم يشترط "الإسلام" على سبيل المثال حدّاً أعلى أو أدنى للمهر
بل حرَّمت كل الأديان بما فيها الإسلام المغالاة في المهور والإسراف في تكليف الزواج كونها من الأمور التي يترتب عليها كثير من الفاسد للمجتمع وذمَّ غلاء المهر.
ويمكن إرجاع أسباب غلاء المهور إلى جملة من النواحي التالية:
1- الجهل بالأمور الدينية المتعلقة بأحكام الزواج وشروطه.
2- قصور عملية الإرشاد الديني والخطب الهادفة الى معالجة مشاكل المجتمع وعلى الأخص مشاكل الشباب وبالذات مشكلة الزواج وتكاليفه.
3- قُصور دور الوسائل الإعلامية في هذا النحو.
4- عدم الأخذ برأي المرأة المخطوبة في تحديد المهر وتكاليف الزواج فعادةً ما يستأثر ولي الأمر برأيه.
5- عدم الأخذ بتشريع يحد من هذه الظاهرة يلتزم به الجميع.
6- التأثر بالمفاهيم الترفيهية الاستهلاكية واعتبار الإسراف والمبالغة في التكاليف نوعاً من الوجاهة الاجتماعية.
7- جهل أولياء الأمور بحيث يعتبرون بناتهم سلعة للبيع بأغلى الأثمان.
8- العامل الاقتصادي الناتج عن العمل التجاري والصناعي والزراعي فكلَّما كانت الأسر أكثر ثراء وأكثر دخلاً كلَّما أدى إلى مزيدٍ من المغالاة والبذخ في التكاليف ومحاولة الآخرين تقليدهم.
9- الأمية بكل مستوياتها وأشكالها وتساهل المجتمع وقواه القادرة على التغيير في هذه المشكلة.

آثار سلبية

بحسب الكثير من المتخصصين فإن الآثار السلبية لمشكلة غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج أصبحت مشكلة تؤرِّق المجتمع لتأثيرها في قواه الفاعلة وهم الشباب طاقة الأمة ومستقبلها، فقد حُوّلت المرأة إلى سلعة تباع وتشترى ولكن في سوق الزواج وخاصة حينما يتم التساوم على المهر والشرط "غالٍ ورخيص" وحين يُفهم المهر على أنه ثمن للاستمتاع بالمرأة واستخدامها كيدٍ عاملة داخل البيت وخارجه والآلاف من الدولارات وغيرها من المظاهر المكلفة التي تؤدي إلى تأثيرات سلبية يمكن حصرها بصورة موجزة كما يلي:
1- إحجام أو تأخر سنّ الزواج لكلّ من الشاب والشابة ودخولهم في مرحلة العنوسة.
2- عدم الاستقرار النفسي للشباب.
3- عدم الاستقرار الاجتماعي الناتج من حرمان تكوين الأسرة.
4- سلوك بعض الشباب سلوكاً انحرافيّاً مثل سرقة أو اختلاس أو نصب من أجل توفير المبالغ اللازمة أحياناً.
5- عدم الاستقرار الوظيفي للشباب، فهناك شباب من الجنسين يرغبون في الزواج ولهم نفس القدر من المال ولكن الآباء وخاصة والد الفتاة أو أمها يقفون حائلاً أمام ذلك بطلباتهم التي لا تنتهي عند سقف محدد.
6- سلوك انحرافي في إشباع الغريزة الجنسية بأشكال محرمة.
7- قد يؤدي غلاء المهور إلى الزواج من أجنبيات وخاصة عند المغتربين في الخارج من الطلاب وغيرهم.
8- من أجل توفير مؤونة الزواج قد يضطر الشباب إلى ترك الدراسة والبحث عن العمل أو الهجرة خارج الوطن.
9- تؤثّر تكاليف الزواج في شيوع مظاهر الاستهلاك الترفي الذي يعزز من الفوارق بين الأغنياء والمقتدرين والفقراء.
10- تؤدي تكاليف الزواج المرتفعة في التعرض إلى القروض والاستدانة من الآخرين ودخولهم في مشاكل وهموم لا تنتهي بسرعة.
11- تسود في بعض مجتمعاتنا ظاهرة إطلاق النار التي تزيد من التكاليف وتزيد من الآثار السلبية التي قد لا تُحمد عقباها وكلها مظاهر مكلفة وتفاخر مظهري زائف.

هل ثمة حلول ومقترحات للحدّ من ظاهرة المغالاة في المهور؟
نعم هناك برأي الباحثين جملة حلول منها:
1- الاهتمام بدراسة الظاهرة بشكل عامّ دراسة ميدانية علمية.
2- ترسيخ القيم الدينية في المجتمع وتقديم النماذج القدوة من خلال المسؤولين والشخصيات المهمة وقادة المسيرة والتركيز على الأعراف والتقاليد الحسنة.
3- التوعية الدينية المستمرة وعبر الوسائل الإعلامية بمختلف المنابر والمناسبات بخطورة هذه الظاهرة.
4- ضرورة تحسين الأوضاع المعيشية لذوي الدخول المحدودة من الفئات الفقيرة وغير القادرة على الزواج.
5- محاربة العادات السيئة التي تؤدي إلى زيادة تكاليف الزواج.
6- تشجيع الأعراس الجماعية لتسهيل تكاليف الزواج ودعمها بشتىّ الطرق.
7- تعليم الفتاه وتوعيتها بحقوقها الشرعية ومحاربة ظاهرة تعسف وليّها في تزويجها أو تطليقها.

مظاهر كاذبة

يقول المحامي طارق شعبان: "الزواج هو الاستقرار والعفّة والطّهارة، وبه نحافظ على شبابنا من الضّياع، لكن ما يشغل بال الكثير من المقبلين على الزواج هو تكلفته، فهو يحتاج إلى مصاريف عالية الثّمن، من حيث المسكن، وتجهيزات الزّفاف التي تشكل عائقاً كبيراً في وجه الشّباب.. ومن أسباب غلاء المهور الانصياع وراء المظاهر الكذابة، من خلال التّباهي بين النّاس. وكذلك الجهل، وطمع بعض الأهالي في رفع أسعار المهور خصوصا العائلات الغنيّة بسبب التّرف والتّبذير والمستوى الاقتصادي، وعدم وجود قانون رادع لغلاء المهور وعدم استشارة الفتاة أو الشّاب في موضوع المهر، وتقليد الآخرين، وقيام بعض الشّباب بدور الفتى الغنيّ، كوسيلة لإقناع أهل الفتاة به. وهناك بعض العادات والتقاليد التي ترفع من سعر المهر، وتدفع أسعاراً باهظة الثّمن في تجهيزات الزفاف، من تقديم اللحوم، والطعام والحلويات، والتّعامل مع الزواج، على أنّه عمليّة بيع وشراء، ومن يدفع أكثر يحصل على العروس. ومن تأثير ارتفاع المهور على المجتمع ارتفاع نسبة العنوسة لدى الجنسين، بسبب غلاء المهور، حيث نرى الكثير ممن تأخروا في سن الزواج بسبب هذا الأمر. ونتيجته هو الحرمان والكبت، وعدم الاستقرار النّفسي والاجتماعي لدى الشباب. واللجوء إلى الطّرق المحرمة في إشباع الغريزة الجنسيّة. وانتشار ظاهرة زواج المتعة، وضياع الشبّاب، وظهور حالات النّصب والسّرقة لأجل توفير المال اللازم للمهر. والزواج من الفتيات الأجنبيات، هرباً من غلاء وتكاليف الزواج من العربيات. وانتشار الدّيون والقروض، لكي يؤمن الشّاب المال للزواج، وبالتالي تزداد المسؤوليات والهموم لديه، ولا يستطيع سدّ هذه الدّيون".
ويضيف الشعبان: "هناك طرق للحدّ من ظاهرة غلاء المهور منها زيادة الوعي بين النّاس، حول أهميّة هذا الموضوع. ودور وسائل الإعلام، في الاهتمام بموضوع تكاليف الزواج وغلاء المهور، من خلال استخدام شتى الطرق لتوعية المجتمع بخطورة هذا الأمر على الشّبان. والقيام بمشاريع الزواج الجماعي، الذي يساعد فئة كبيرة من الشّباب على الزواج. والحد من ظاهرة البطالة، عن طريق توفير فرص العمل في المجتمع. والابتعاد عن التّرف والتّبذير في تجهيزات الزّفاف، من سيارات، وصالات أفراح، وغيرها من الأمور التي ترفع تكاليف الزواج. والاهتمام بأخلاق العريس، والابتعاد عن التفكير بالأمور الماديّة".
ان السبب الرئيس لوجود ظاهرة ارتفاع مهر الزواج هو حب الناس للمظاهر، موضحا ان تأسيس منزل وأسرة على أساس المظاهر سيكون ضعيفا والسبب إن الزوج تحمل مبالغ طائلة وديونا كثيرة من أجل الزواج وبالتالي ستكون حياته مليئة بالمعوقات ولذلك قد يلجأ بعض الشباب إلى الزواج من أجنبية سواء من جنسية عربية أو غيرها وهذا قد يخلق مشاكل في اختلاف العادات والتقاليد وحتى الأطفال سيكبرون على مفاهيم أخرى وثقافات مختلفة
ويرى الشعبان "أن الحل يكمن في التربية والتوعية لأنه لا يوجد ما يجبر الأسر على وضع مهر معين، مؤكدا ان العنوسة من الجنسين آخذه في التزايد في مجتمعنا والسبب ان ظاهرة غلاء المهور أحد المظاهر الزائفة التي يعيشها المجتمع، خاصة ان مهر الزواج من الممكن أن يتضمن منزلا وسيارة ومجوهرات من نوع معين ولذلك فإن الوعي هو المطلوب ولا شيء غيره".
ويضيف: "الطمع هو الذي يجبر أهل الفتاة على طلب مهر مرتفع على من يتقدم لخطبة بناتهم، موضحا انهم في كثير من الأحيان يطالبون بأمور لا حاجة لهم بها لمجرد التباهي بها أمام الأقارب، ولذلك فإن عزوف الشباب عن الزواج أصبح منتشرا في المجتمع لدرجة انك قد تجد بعضهم تجاوز الأربعين عاما ولم يتزوج حتى الآن والسبب هو ارتفاع المهور الذي ينم عن جهل الأسرة بمصلحة بناتهم.. والغريب ان هذه المشكلة تتلاشى وتختفي متى ما كان الشاب مرغوبا من أسرة الفتاة حتى المهر من الممكن أن يتم تخفيضه إلى مستوى معقول"!
ويضيف المحامي طارق: "الحلول موجودة في متناول الأيدي لكن لا نستطيع تطبيقها, ولا نيّة لترك ذلك الموروث السحيق من التشويه للقيم المجتمعية. نرى بناتنا تتعنس, ولا نبالي. ونرى شبابنا يضيع, ولا نكترث, وهنا يكمن الخلل. ربما يجري التعويل على الجيل الصاعد لدحر هذه الظواهر العتيقة, وهذا ما يحتاج حملات توعوية مكثفة, مع تكثيف التنوير بمخاطر هذه العادات ودورها الهدَّام. إليكم تلخيص لبعض المقترحات، منها استخدام كل الوسائل المتاحة, وجعلها منابر للتوعية المجتمعية. فالمساجد والمدارس والإعلام بكل أشكاله المرئي والمسموع والمطبوع, كلها منابر حرة بالإمكان إيصال الفكرة عبرها إلى كل بيت. وكذلك حشد الجهود والطاقات للخروج بمواثيق شرف إما رسميّة أو مجتمعيّة على الأقل, لتحديد ضوابط للمهور وإلغاء الحفلات والبذخ. وكذلك تشجيع ودعم إقامة الأعراس الجماعية, ومساندة الجمعيات والمشاريع الخيرية التي تُعنى بهذا الشأن. بالاضافة الى رعاية شريحة الشباب عبر برامج الدعم النفسي والمعنوي لتطوير فكرهم والقدرة على حل مشاكلهم بأنفسهم وللحد من انجرارهم إلى سبُل الانحراف".

بناء وأسرة

يقول محمد ناصر، طالب دراسات عليا: ان بعض الأسر العراقية هي التي تدعم وتساند هذه الظاهرة من خلال تأييدها لطلبات الفتاة حتى وان كانت تثقل كاهل الشاب، مشيرا الى ان آخر ما ينظر اليه في موضوع الزواج هو أخلاقيات الزوج والزوجة رغم اهميتها، وأصبح الهم الاكبر لبعض الأسر هو توفير المهر المرتفع على حساب الزوج حتى وان اضطر لأن يعيش بقية حياته مديونا، بالإضافة الى تراكم المشاكل الأسرية الناتجة عن هذا الأمر.
ويضيف يجب على الأسر ان تعرف ان هناك أمورا اكثر أهمية من المهر المرتفع وأهمها هو قدسية الحياة الزوجية وضرورة بناء أسرة وجيل واع يساهم في بناء نفسه ووطنه. ان غالبية الأسر تجهل هذا الأمر أو تتجاهله بمعنى ادق ولا تعيره الاهتمام المطلوب رغم انه يفترض ان يكون في تفكير كل أب وأم يهدفان لمصلحة ابنائهما.. والمطلوب من الأسر هو تسهيل اجراءات الزواج على الشباب من خلال عدم طلب مهر مرتفع، فغلاء المهور تترتب عليه كثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية التي تنعكس سلبا على المجتمع ككل ومنها ظاهرة العنوسة التي بدأت تتفاقم بشكل واضح.

حسرة الأم!

أم علي، امرأة ستينية تقول: "زوجت اثنتين من بناتي في سنوات الحصار فتغاضينا عن الكثير من الطلبات فلم يكن المهر كافيا ولم يكن تجهيز العروس يليق بها ولا حتى الذهب حيث اكتفى أهل العريس بخاتم الزواج ومعه خاتم آخر أو أقراط، حتى فستان العرس بقيت إحدى بناتي تحلم به حين امتنع أهل زوجها عن شرائه بحجة ارتدائه ليوم واحد فقط ويمكنها أن ترتدي فستان شقيقتها وهو ما حدث فعلا كما لم يكن أزواج بناتي بالمركز الاجتماعي الذي يليق بنا كعائلة معروفة حيث تزوجن من رجال اقل منهن تحصيلا دراسيا ولكننا تغاضينا حينها عن كل هذه الأشياء بسبب صعوبة الحياة وتسهيلا لأمر الشباب وخوفا من عنوستهن ولكنني وبعد أن تحسنت الأوضاع المادية لأغلب الناس كنت مصرة على تعويض ابنتي الصغيرتين عما شهدتاه أختيهما فطلبت كل ما يمكن أن يحفظ لهن مكانتهن ولم أوافق على تزويجهن إلا من شباب ذوي مراكز اجتماعية مهمة وكان الفرق واضحا في طريقة معيشة الاثنتين".

عادات وتقاليد

يرى منذر جاسم، موظف تزّوج في بداية العقد السبعيني أن ظاهرة غلاء المهور ترجع إلى عادات ارتبطت بالماضي الذي أفرز عادات وفدت على المجتمع العراقي وحملت معها واجهات مادية بحتة للحياة الزوجية وتغالي في المظاهر الخارجية وتشجع العيش بشكل مترف وتعتمد التمييز الطبقي مما أثر على أفكارنا ورحنا نتمسك بتلك العادات التي لا تمت بصلة لمعتقداتنا التي توصي بتقييم الرجل على أساس أخلاقه وليس على مقدار ما يملكه من مال أو وضع اجتماعي.
ويستذكر منذر زواجه ويقول: "اليوم أصبحت بعض الطلبات تصل الى المطالبة بمهور مبالغ فيها جدا ويجب علينا شراء غرف نوم واستقبال ومطبخ وأثاث حتى لو كانت العروس ستسكن مع أهل الزوج إذ لا يكتفي أهل العروس بغرفة النوم فقط بل يجب شراء أثاث لغرفة الضيوف وغرفة الطعام حسب العادات الدارجة حينها فضلا عن الذهب الذي يجب أن لا يقل عن طقم يزن ثلاثين أو أربعين مثقالا على الأقل وغيرها من المصاريف".
وأضاف قائلا: "أنا أرى بان مصاريف اليوم مهلكة والمعيشة مكلفة وأصبحت أغلى، مما جعل من الزواج حملا ثقيلا على كاهل الشاب العراقي".

في أروقة المحاكم

تزدحم المحاكم الشرعية ولا سيما في مواسم الزواج بكثرة العرسان حيث تكون المحكمة الشرعية هي المحطة الثانية بعد العقد الذي يبرم بين العروسين شرعيا وبحضور احد الشيوخ أو "السادة"، وتتفاوت قيمة المهر الذي يحدده العرسان في المحاكم إذ يقوم القاضي بإبرام عقد للكثير من العرسان في الوقت ذاته ولأن مشاهدات القضاة كثيرة في هذا الجانب بحكم عملهم كان لا بد من محاورة بعض القضاة. يقول القاضي جبر صالح الذي أطلعنا على شكل العقود الشرعية في المحكمة،:"هناك بالفعل مبالغة في قيمة بعض العقود إذ يتجه مجتمعنا نحو البهرجة الزائفة والأعراف التي تفرض على العريس تقديم مهر مبالغ فيه لعروسه أما كضمان مادي لها في المستقبل كي تثني عزم الزوج مستقبلا عن الطلاق أو للتفاخر به بين الأهل والأقارب والمعارف وقد لاحظنا فرض أرقام كبيرة جدا، وفي اغلب الأحيان نلاحظ عدم الارتياح على وجه العريس".
ويضيف الصالح: "هناك أيضا من يختار الذهب كمهر بدلا من المال وذلك لأن الذهب يحتفظ بقيمته المادية بينما يفقد المال تلك القيمة بمرور الزمن، فان الأصل في تقدير المهر يعود إلى الاتفاق بين الزوجين.. وإذا لم يتم الاتفاق عليه فان الزوجة تستحق مهر مثيلاتها.. وان المهر يتحدد تبعا لحالة الزوجين المادية.. وتبعا للظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة.. ونتيجة لتغير هذه الظروف في الوقت الحاضر".
ويستطرد القاضي جبر بقوله: "لتحقيق التوازن في قيمته السابقة والحالية، صدر القانون رقم 127 لسنة 1999 والذي أجاز تقدير المهر المؤجل مقوما بالذهب.. أما بخصوص الاستعاضة فهذا استثناء... وبخصوص الاستعاضة فإنها تكون أما حج بيت الله الحرام أو الذهب أو نسخة من القران الكريم"!

تفاوت دراسي

من المسلمات التي انتشرت في مجتمعنا هي عزوف أهل الفتاة عن القبول برجل لا يملك مؤهلا جامعيا يشابه مؤهل ابنتهم، كي لا تكون الشهادة التي يملكها الزوج أقل من شهادة ابنتهم رغم إن سنوات الحصار شهدت نوعا ما إلغاء هذا الشرط بعد أن فقدت الشهادة أهميتها المادية واستعيض عنها بالمقدرة المادية للرجل، ولكن السنوات الأخيرة وبعد إضافة الكثير من الامتيازات لذوي الشهادات العليا عاد هذا الشرط ليكون الأهم بالنسبة للشاب المتقدم لخطبة فتاة.
سلام محمد، يعمل موظفا وأعجب بفتاة من أقاربه ولكنها مهندسة وتقدم لخطبتها عدة مرات ليلاقي الرفض القاطع بسبب تفاوت في التحصيل الجامعي بين الاثنين رغم موافقة الفتاة، ولم يحصل على الموافقة إلا بعد أن استبدل شرط الشهادة ببناء بيت كونه يملك قطعة ارض مسبقا وبهذا قدم لأهل الفتاة ضمانا آخر وفضلا عن مصاريف الزواج التي أرهقته وأغرقته في الديون ولكنه رغم ذلك لم يثن عزمه عن الزواج بالفتاة التي أرادها.
ومثل تجربته شباب كثر قد لا يملكون إصرار ياسر ويقفون في منتصف الطريق ليعودوا أدراجهم فلا يتزوجون من الفتاة التي يرغبون في الزواج منها وليكون نصيبهم الزواج بفتاة ترضى بواقع الحال لتبقى الكثير من الفتيات معرضات للوقوع في أزمة العنوسة في انتظار العريس المناسب فأما أن يأتِ أو لا يأتي لتحصل على لقب عانس أخيرا وتكتفي بنجاحها الوظيفي بينما تبقى غصة الزواج وتكوين أسرة تلاحقها وقد تندم كثيرا كونها ضيعت الكثير من الفرص بسبب واقع مجتمعي مرير لا يعترف سوى بالمظاهر الخداعة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل