في نهاية عام ١٩٧٩،، إضطرّ شقيقي أنور للإختفاء عن أعين السلطة الدكتاتورية بعد ملاحقات واعتقال وتعذيب، تلاه أخي الآخر كامل، و بعد تنقلات في أماكن كثيرة، استقرّ الحال بهم، ورفاق شيوعيون أخرون، هربوا أيضاً من بطش السلطة، استقرّوا في بيتنا في قرية العمادية التابعة لناحية القاسم في بابل.
جنّدت العائلة لحمايتهم في المراقبة، ونقل الأخبار، وخاصةً تدريب الأطفال بعدم التحدّث مع الجيران، ومن يسألكم عن الأب والعم أنور أو كامل، أو آخرين لدينا.
كنّا نناديهم بألقاب مختلفة، أبو جاسم، أبو حسن، أبو عبود، أبو باسم، الحجي وهكذا.
بُنيت بيننا وبينهم جسور من المحبة والإلفة، بل أصبحوا جزءاً كبيراً من العائلة، نسهر على حراستهم ليل نهار، وعلى راحتهم وتوفير متطلباتهم، من أدوية وسكائر، وتنقلات إذا رغبوا برؤية عوائلهم.
استمرت الحال لسنوات، ولا أريد أن ادخل في التفاصيل.
يكفي إنهم لسنوات لم يروا نور الشمس، حرموا من زوجاتهم وأطفالهم وأصدقائهم، بل حرموا من ممارسة حياتهم الطبيعية، إضافة الى المخاطر التي يعيشونها يومياً!
في عام ١٩٨٤ تم اعتقال الرفيق أبو أرشد، كان معروفاً في بيتنا بإسم "أبو حسن" كان مدرس فيزياء، ذهب في إحدى الليالي من بيتنا لزيارة عائلته في الحلة، أوصله أخي أركان، استشهد فيما بعد، لكن للأسف لم يرجع بعدها، نصبوا له كميناً في بيته واعتقل، تعرض لتعذيبٍ وحشي في مديرية الأمن العامة في الحلة، ثم نفذ فيه حكم الإعدام.
بعد سنة تقريباً وبالتحديد في ليلة ١٥/ ٧/ ١٩٨٥، حدثت اعتقالات جماعية في صفوف الحزب الشيوعي نساءً ورجالاً، وحتى أطفال، في البصرة، الناصرية، السماوة، الديوانية، بابل، بغداد وغيرها، بوشاية من أحد الخونة الذي كان يعمل مع الاجهزة الأمنية كمخبر منذ عام ١٩٧٩، استطاع هذا المخبر زرع عيون للسلطة في تنظيم الحزب و في معظم المحافظات.
أحد المعتقلين كان مسؤول منطقة الفرات الأوسط، كان لقبه في بيتنا ولعدة سنوات ابو جاسم، هو الشهيد كاظم عبيد " أبو رهيب".
اعتقلت أنا بعده بأربعة أشهر، و بعد يوم من اعتقالي استطعت الوصول اليه، بمساعدة أحد المعتقلين، أسمه "أحمد عاشور عزيز" أعدم فيما بعد، كتبت عنه في جريدة "طريق الشعب".
حكى لي أحمد عن أبو رهيب، إنه في أحد الليالي، سمعنا خبصة، وجلجلة هزّت مديرية أمن الحلة، وانقلبت المديرية من دك التحيات وسيّدي ما سيّدي، و بإشراف من قبل مدير الأمن وضباطه، مما أثار تساؤلنا حول هذا الزائر المهم!
يقول ثم بدأ التحقيق معه، والأسئلة وطلب معلومات وتوضيحات، و كأنّ غرفة التعذيب وأدواتها حجزت لهذا الشخص، والتي كانت مجاورة لزنزانة أحمد، وفيما بعد زنزانتي الملاصقة لزنزانة أحمد!
ويكمل أحمد حديثه عن هذا البطل الأسطوري قائلاً : الذي أثار استغرابنا هو صمته، وهدوؤه وإجابته الواضحة، والقوية: لا اعرف شيئا، ولن تعرفوا مني شيئاً، يبدو حسم أمره هكذا !
يقول أحمد هذا الرجل حيّر معذّبيه، لم ينفع معه الترهيب والتهديد، ووسائل التعذيب، بل كان ينام ويغفو في التعليك!
أطلق عليه في المعتقل إسم الرجل الحديدي.
أتذكر في إحدى الليالي مطرت مطراً شديداً وغرقت زنزانتي الرطبة طول اليوم، سقفها يتكوّن من حديد " الچينكو" !
جاء الحرس على صراخي الهستيري، ونقلوني الى زنزانة مقابلة لزنزانة ابو رهيب، كتب لي في قصاصة ورق أسماء من أوشى بهم، (طبعاً بقيادة المجرم المخبر نفسه المذكور اعلاه)، والذي أقام دعوى ضدي في احدى المحاكم لأنني كتبت موضوعا وذكرت الأحرف الاولى من اسمه، بدعوى الإساءة لسمعته! يا لنذالته وصلفِه!!
ذكر لي أبو رهيب وبصوت خافت، كيف قابل الدكتاتور صدام، وعرض عليه إخراجهِ من المعتقل، و تشكيل تنظيم جديد، لكن بالتعاون مع السلطة، لكسر شوكة الحزب!
يقول أجبته بالحرف الواحد، أنا شيوعي واحترم مبادئي التي تربيت ونشأت عليها، كيف تطلب مني أن أخون و أفقد ثقة واحترام الحزب والناس لي؟
هذه أمانة أحملها في عنقي، الموت أشرف لي على فعل ذلك.
أعدم الشهيد البطل كاظم عبيد، في يوم ٧ نيسان من عام ١٩٨٦.
من الشيوعيين الذين ربطتنا بهم علاقة وثيقة ونسابه، أولاد الحاج حمد الله، هم عبد العباس، محمد، كاظم، وحسن زوج شقيقتي، تم اعتقال الاربعة مع عدد من رفاقهم، عذّبوا في دهاليز النظام، و تم إعدامهم فيما بعد.
تركوا وراءهم أطفالا و نساء أرامل، يئنون تحت وطأة الفقر والملاحقة، والظلم.
لو تحدثنا عن أسماء وبطولات الشهداء الشيوعيين نحتاج لمجلدات، غصت بهم السجون والمعتقلات، وارتوت أرض كوردستان، ترمى جثامينهم في الشوارع ليلاً، ثم يحاسبون زوجاتهم حتى على دمعات عيونهنّ!
المجد لشهداء الحزب الابطال، وباقات ورد حمراء لارواحهم النبيلة.