/
/

اطلقت وزارة النفط حملتها لدعم اهالي البصرة بماء الشرب واطلقت وزارة التربية ذات الحملة، ومثلها شبكة الاعلام العراقي، ومحافظة الانبار وديالى والموصل وبقية المحافظات، والوزارات والمؤسسات والافراد والجماعات والهيئات و و و.. والكثير الكثير من المواقف الإنسانية التي لايَمُنُ بها احد على احد، ولا يروي ابن الانبار والموصل وبغداد والنجف وغيرها سوى عطشه في البصرة، لان الانسان اذا شرب الماء من يده فلا يروي سوى عطش بطنه وقلبه، والعراق كمثل الجسد والبصرة كمثل القلب منها فلا تروي يد الانبار والموصل سوى عطش قلبها في البصرة.
لكن هل هذه الحلول كافية؟ اذا كان خلاص أهلنا في البصرة في صناديق المياه التي ترسل من هنا وهناك فهلم بنا نقلب الأرض صناديق وصناديق، ولا اسرع من شرب الماء في لحظات العطش، فلا يبقى من هذه الصناديق سوى اكوام من القناني الفارغة التي لا تدل سوى على العجز عن إيجاد الحلول الحقيقية والجذرية لخطر يحدق بأهلنا ليس في البصرة وحدها بل في الجنوب بأسره.
ان مشكلة المياه في محافظة البصرة لها مسبباتها الموضوعية المتعددة والتي يمكن ايجازها بسببين رئيسين، الأول هو التقادم والتراجع الحاد في البنية التحتية لمشاريع تحلية المياه في البصرة وعجزها عن القيام بمهامها الطبيعية في ظل الزيادات السكانية وتراجع نوعية المياه نتيجة ارتفاع معدلات التلوث وتقدم اللسان الملحي.
والسبب الثاني يعود الى تراجع مناسيب المياه في دجلة والفرات كنتيجة طبيعية وحتمية للسدود العملاقة والمتعددة التي اقامتها تركيا مثل سد اليسو وسد اتاتورك بالإضافة الى دور ايران في بنائها السدود الصغيرة وحرف العديد من مجاري الأنهار الطبيعية التي تدخل الأراضي العراقية والإبقاء عليها ضمن أراضيها مسببة جفاف العديد من الأنهار التي كانت تدخل الأراضي العراقية وترفد انهاره واراضيه بنسب وكميات من المياه تساهم في العديد من النشاطات الزراعية والصناعية والحيوانية وتعمل على خفض تلوث المياه ودفع اللسان الملحي باتجاه شط العرب.
ان موضوع المياه والخطر المتربص بالعراق ليس موضوعاً جديداً ولا يمكن لاحد ان يدعي انه فوجئ بما آلت اليه الأمور، فبناء السدود التركية والمباشرة بالعمل على مشروع جنوب شرق الاناضول (GAP) لم يكن نتاج الامس او اول الامس فسد اليسو وحده استغرق بناؤه ١٢ عاماً وسد اتاتورك تم ملئه في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وتراجع مناسيب المياه ليس بالأمر الجديد، والحكومة الإيرانية مستمرة ببناء السدود وحرف الأنهار الفرعية منذ اكثر من ١٥ عاماً، وما هذا سوى جزء يسير من واقع المياه منذ فترة ليست بالقصيرة ولم نشاهد او نسمع من كل الحكومات المتعاقبة في العراق أي تفكير بحل حقيقي وجذري لمواجهة هذه الازمة المتنامية لحد وصلت فيه الى التهديد المباشر لأبناء البصرة بالتسمم والوباء مع قتل آلاف الدوانم من الأراضي الزراعية بمواشيها وحيواناتها، وما هذه سوى البداية.
ان الخطر الحقيقي لهذه الازمة يكمن في كون ما يحصل هو البداية! نعم، انه بداية تجلي تبعات سد اليسو وتراجع مناسيب المياه الحاصل بسببه، وان اللسان الملحي بدأ مشواره في الأراضي العراقية مبتلعاً البصرة وأهلها وارضها كوجبة أولى تتبعها وجبات متتالية من المحافظات العراقية، فاذا لم تجد الحكومة العراقية حلاً حقيقي لهذا الموضوع فان اللسان الملحي سيتقدم لامحالة باتجاه بقية المحافظات قاتلاً كل ما يمر به من اراضي زراعية. وقد لا تغيب عن القارئ الكريم التصريحات السابقة لوزارة الموارد المائية والتي تحدثت عن أن العراق سيلجأ الى خزينه من المياه وان تبعات سد اليسو لن تظهر قبل مرور سنة. ولم يعبر شهران على هذا التصريح حتى بدت بوادر هذه التبعات تظهر، وقد يتذكر الكثير تصريح وزارة الموارد المائية عن تراجع مناسيب مياه الخزن في سد الموصل، فاذا كانت بداية الازمة بهذه الوحشية فما نهايتها ؟
ان للازمة الحالية جذوراً، وأسباباً واضحة ولا يمكن التعاطي بموضوعية مع أي حل لا تكون معالجة هذه الأسباب همه الاول، وان الحلول الترقيعية التي على شاكلة التبرع بصناديق المياه وان كانت جهوداً مشكورة تعكس ترابط النسيج الاجتماعي العراقي لكنها في نفس الوقت تعكس العجز الحكومي عن مواجهة وحل هذه الازمة. فأن قضية المياه مفتاحها بيد تركيا وايران ويجب على العراق اعادة تفعيل القنوات الدبلوماسية للتفاوض مع هذين البلدين باستخدام كل وسائل الضغط المتاحة لحلحلة الأمور للصالح العراقي، وقد لا يجد العراق وقتاً ولا ظرفا اقتصادياً وسياسياً افضل مما تعيشه تركيا وايران هذه الأيام وهما في حالة من التراجع الاقتصادي الهائل نتيجة الضغوط الامريكية المتواصلة، فعلى السياسي العراقي والمفاوض الوطني العمل لصالح القضية العراقية واستغلال كل ما يمكن ان يعيد للعراق حقوقه الطبيعية حيث الازمة في البلدين اقتصادية، ولا تخفي هذه الدول نيتها في تعميق حجم التبادلات التجارية بينها وبين العراق كأجراء مهم في دعم استقرارهم الاقتصادي الداخلي، وعلى العراق استغلال هذه النقطة تحديداً والضغط بواسطتها للحصول على ما يمكّنه من تجاوز ازمة المياه وبشكل دائم.
ان الزيارة الأخيرة لرئيس حكومتنا الى تركيا حملت في جعبتها وعوداً عراقية برفع مستوى التعامل التجاري مع تركيا ليصل الى ١٥ مليار دولار في مساهمة واضحة لدعم الاقتصاد التركي وعملته المتهاوية، في الوقت الذي وعدت تركيا بتأجيل ملء سد اليسو للعام المقبل واطلاق الاستحقاق العراقي من مياه دجلة، والذي لم يفلح المفاوض العراقي طوال تاريخه في تحديد كمية وحجم هذا الاستحقاق بشكل رسمي وقانوني، بحيث يصبح امراً ملزماً للجانب التركي.
ان الحلول المطروحة يجب ان تحاكي حجم الازمة، وان إصابة ما يقارب سبعة عشر الف حالة تسمم من جراء المياه كما تتناقلها الفضائيات ووكالات الانباء، لا تكفيها حملات إغاثة ولا تعينها صناديق المياه، وان الحكومة مطالبة امام شعبها وامام التاريخ بإنصاف هذه المدينة التي طالما أعطت للعراق وآن الأوان لنمنحها جزءاً يسيراً من حقها علينا.

باحث اقتصادي*

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل