/
/

ماذا عساني أقول وقد تفحم القلب غيضا وامتلأ قيحا وغزت دمائنا اخبارُ الخراب الذي بات يعيث بفيحاء العراق وثغره الباسم، الثغر الذي بات اليوم لا يطلق غير الصراخ والعويل ونحيب لم يتوقف منذ ابتلائها بفلول الذئاب المفترسة وخفافيش الفساد اللعينة، وهي ترى من يعيث بها وبماضيها وبتاريخها، فسادا ودمارا، اوباش يتناسلون ويتمادون ويتناطحون لا من اجل الحفاظ على هيبة وسمعة وثراء وتاريخ هذه المدينة الخالدة، ولكن بتوزيع حقدهم وضغائنهم وسعيهم لتخريبها بشتى السبل والوسائل والأهداف الخسيسة وبنذالة ما بعدها خسة.

إنها البصرة أيها السادة، صحبا كنتم أم حاقدون، كيف لكم أن تصمتوا وتسدوا مجساتكم لما يحصل لها ولأهلها الطيبين من دمار وفواجع وسغب وعطش وحرمان واهمال وموت محتوم، يقينا أنه متعمد، وقفنا عليه بأنفسنا ونحن نضرب الأخماس بالأسداس والدموع تنساب حرقة لما نشاهده من نفايات سدت نهر العشار الخالد، حيث كنا في أواسط السبعينات نقف على جماله وفتنة ابنيته المحيطة به، فما الذي جرى لها ولكم ولكل من يقف صامتا إزاء هذه الكوارث، لحاضرة الدنيا وقبلة العلماء وطالبي العلم والتفقه، مئات السنين الخوالي وليس اليوم، حيث كانت منتجعا سياحيا لبلدان كانت تتمنى أن تقترب مدنهم كما البصرة، واليوم باتت بلدانهم تناطح بهيبتها وعمرانها وابنيتها المعاصرة كبريات حواضر الدنيا ومدن العالم المتمدن، أما البصرة فلم تعد البصرة سوى مكب نفايات وسموم وامراض؟ فاين الخلل إذن؟

إنها البصرة، خزانة العرب وعين الدنيا، ذات الوشامين، البصرة العظمى، البصرة الزاهرة، الفيحاء، قبة العلم، هكذا كانت التوصيفات المنصفة لا من لدن القائمين على خرابها اليوم، بل منذ قرون خلت، وهي تمر بازهى وابهى حالاتها، واوفى وأكرم في عطائها العلمي والإنساني والمعرفي.

إنها البصرة، مدينة النخيل والشعر والتاريخ، مرت عبر تاريخها الحافل بالعطاء بمراحل رخاء وسخاء ومجد حقيقي، ورغم ما امتدت لها من ايادي الخراب والحقد والفعل البهيمي عبر حقب تاريخية متعاقبة، ولكنها لم تفقد ألقها وفتنتها وبهائها في شتى المجالات يوما.

قيل أن عدد أنهارها بلغ العشرين ألف نهر، وهذا رقم يشي بمدى خصوبة ارضها ونباتها وثمارها، حتى أنها كانت مغطاة بنخيلها، لهذا سميت بأرض السواد، لا بمعنى الغيوم الكالحة التي تحجب عنها نور الشمس وما تستحقه من ضياء ونور كما فعل بها الجهلة الذين تسلطوا عليها ظلما وبهتانا وزيفا اليوم، ليطلوا علينا بوجوههم الكالحة، وهم يبدون اسفهم لما يحصل لها، ونحن نعرف قبل أن يعرفوا هم، لتعطل احاسيسهم الإنسانية ووفائهم لهذه المدينة الصابرة، بانهم هم اس الخراب، وما آلت اليه أوضاعها الكارثية.

كأني هنا وبإحساس يضيم ويدمي استحضر ما قاله امام الهدى والعدل والإنسانية، الامام علي (ع) عن البصرة وما حل بها وما يفعل المخربون آنذاك بها وهم اسلاف احفادهم اليوم وهم يعيدون ذات الكرة، لينطبق عليهم كلام أمير المؤمنين:

: (كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فهربتم. أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق. المقيم بينكم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه. كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة، وقد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها).

بربكم الست أحوال البصرة اليوم كما جاءت في وصف امير المؤمنين لها ولآهلها والقائمين على شؤونها؟ فأية نبوءة هذه؟!

يقول ابن أبي الحديد معقبا على كلام الامام في نهج البلاغة: (فأما إخباره عليه السلام أن البصرة تغرق ما عدا المسجد الجامع بها، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الأسود ينفجر من أرضها، فتغرق ويبقى مسجدها).

وها هي وقد تحول ماؤها وروافدها التي كانت تنهل بالزلال والعذوبة، الى مياه مالحة وملوثة ولا تصلح حتى للبهائم، وهذا كلام مسؤوليها، ناهيكم عن الإهمال المتعمد في كل مناحي الحياة فيها، من خدمات وماء وكهرباء وتشغيل وتعليم وصحة...و... و... .

يا لمأساتك أيتها الفيحاء النائمة على رخاء العراق الذي لم ينله أبناؤك ومن يحبك ويعيش على ترابك، ولو بجزئه اليسير، لتتبدد خيراتك على من لا يستحق أن نوسمهم بالبشر، فما أحراك أنهم يدعون بأنهم ينتمون اليك، ولادة وترعرعا ودراسة ووشيجة اجتماعية، انها الكارثة بعينها، وانت تطعمين العراق من أقصاه الى أقصاه بما تدرين من عطاء، ونصيبك من كل هذا الإهمال والخراب والموت والعقوق، لا من البعيدين عنك، بل من ابنائك والمقربين لك، كما يدعون، زيفا ورياء.

تعاقبت على سدة القرار على ترابك، فلول من الفاسدين والناهبين والمرائين واللصوص، من منتسبي أحزاب التدين الزائف، وكنت تتأملين منهم خيرا لينهضوا بك وبأبنائك ويزيحوا عنك غبار الزمن الظالم وما كنت تعانينه من اهمال وعقوق وافساد، ولكن خاب املك وأمل ابنائك، وفواجعك ما توقفت ولا من أمل في ايقافها وحتى محاولة الحد منها.

انها المحاصصة التي أتى بها الطارئون، سيدتي الفاتنة، ستبقين هكذا في وجداني، لأظل مغمض العينين، على ثرائك الذي ما غاب عن ذاكرتي ووجداني، وأنا ازورك بين فترة وأخرى لأشفي غليلي بما كنت تحفلين به من ثراء ظل شاخصا بداخلي، فشتان ما بين الأمس واليوم وأنا كما المحبون لك من العراقيين الأوفياء انحني اجلالا لتاريخك وبهائك وماضيك الموشى بالعطاء والخير والمحبة.

فصبرا لما تعانينه من أيام كالحة اليوم وهذه الغمة العظيمة بسبب فلول الخراب، ممن عاثوا بك وبخيراتك وباهلك فسادا واهمالا وموتا، فكم مرت بك مثل هكذا أيام سود ورياح حاقدة وعاتية في بغضها، ولكنك كما يخبرنا التاريخ، كنت من الصلابة والشموخ وأنت تتصدين لتلك الرياح الصفراء، فلا تحزني وابناؤك من الرجال والنساء الأوفياء لك، كفيلون بعودتك إليهم ولنا كما كنت أما رؤوما وأرضا تدر بالعطاء والخير والمحبة.   

وما بيوم الخلاص ببعيد

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل